ملخص: تعد القيم الإنسانية مجموعة من المبادئ التي تحكم السلوك الإنساني في مجتمعه، مثل الاحترام والتسامح والعدالة والمسؤولية والتعاون. وعندما تدمج هذه القيم بوعي في المناهج التعليمية تصبح جزءاً من عملية التنمية الشاملة للطلاب. وفي مؤسسة قطر، تعتبر القيم الإنسانية ميولاً راسخة توجه السلوك والقرارات والعلاقات عبر الزمن. وهناك 3 ركائز تتيح الجمع بين الجذور المحلية والفاعلية العالمية، وهي الركائز التي تعتمدها مؤسسة قطر في بناء جيل جديد من القادة:
- تأسيس قوي في الفلسفة الأخلاقية وتربية الشخصية، مع التركيز على التفكير الأخلاقي والمسؤولية والنزاهة.
- استلهام عميق من المبادئ الأخلاقية الإسلامية والهوية الثقافية القطرية؛ حيث تنعكس مفاهيم مثل الإحسان والأمانة والعدل والرحمة فعلياً في الممارسات اليومية ولا تنحصر في الشعارات النظرية.
- يستكمل ذلك بمنظور المواطنة العالمية الذي يعد الطلاب للتصرف تبعاً للمبادئ الأخلاقية في سياقات متنوعة ودولية.
لم يعد التعليم مقتصراً على نقل المعرفة فحسب، بل يمتد إلى تشكيل الشخصية الإنسانية للمتعلم، لا سيما مع تسارع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية. من هذا المنطلق، أصبح إدراج القيم الإنسانية في التعليم ضرورة استراتيجية لإعداد قادة المستقبل ممن يملكون المهارات المعرفية والأخلاقية على حد سواء.
وقد أظهرت دراسة بعنوان "القيادة القائمة على القيم في التعليم الابتدائي" أن تكامل القيم الإنسانية في المناهج التعليمية يسهم في تنمية صفات القيادة لدى الطلاب ويؤثر في سلوكهم ونتائجهم التعليمية إيجاباً. بدوره، أكد نائب رئيس التعليم ما قبل الجامعي بمؤسسة قطر، مهدي بن شعبان، لمنصة هارفارد بزنس ريفيو أن دمج القيم الإنسانية في التعليم يعيد تشكيل مفهوم القيادة من جذوره، في قوله: "لا تقتصر القيادة على اكتساب السلطة أو الخبرة التقنية، بل تتعلق بالقدرة على إصدار الأحكام تحت الضغط، والموازنة بين المصالح المتعارضة، والتصرف بمسؤولية عندما تكون النتائج معقدة أو غير مؤكدة. وعندما تغرس القيم في وقت مبكر وبصورة متسقة، يكتسب الطلاب وضوحاً أخلاقياً قبل أن يملكوا السلطة. إذ يتعلمون التفكير قبل الفعل، والنظر في أثر قراراتهم في الآخرين، والثبات أمام المعضلات الأخلاقية. وهذا ما يجعل القيادة مستدامة. فالقيم ليست عنصراً إضافياً في تنمية القيادة، بل هي بنيتها الأساسية".
كيف يمكن إدراج القيم الإنسانية ضمن النظام التعليمي؟
تعد القيم الإنسانية مجموعة من المبادئ التي تحكم السلوك الإنساني في مجتمعه، مثل الاحترام والتسامح والعدالة والمسؤولية والتعاون. وعندما تدمج هذه القيم بوعي في المناهج التعليمية تصبح جزءاً من عملية التنمية الشاملة للطلاب. وفي مؤسسة قطر، تعتبر القيم الإنسانية ميولاً راسخة توجه السلوك والقرارات والعلاقات عبر الزمن. وهي لا تختزل في شعارات، بل تعد عادات يمكن تحسينها وتنميتها بالممارسة، ويمكن تعزيزها من خلال الثقافة المؤسسية. كما تغرس القيم الإنسانية ضمن نسيج المنظومة التعليمية بأكملها، لتصبح إطاراً موجهاً للتعلم والتجربة. ويتجلى ذلك في مناهج قائمة على الاستقصاء تحفز التفكير الأخلاقي، ومشاريع متعددة التخصصات تتصل بتحديات واقعية، وتجارب تعلم خدمي تعزز مفاهيم العطاء والمسؤولية والتأمل. كما تسهم مسارات إعداد القيادات الطلابية ونماذج الحوكمة المدرسية ومبادرات الابتكار وأطر الرفاه الشامل في ترسيخ قيم التعاطف والمساءلة والالتزام.
أما العامل الحاسم فهو تجسيد المعلمين والقادة لهذه القيم في ممارساتهم اليومية، فالاتساق بين المنهج والثقافة المؤسسية والسلوك العملي شرط جوهري لنجاح أي تحول قيمي مستدام، وذلك وفقاً لما قاله بن شعبان، الذي أوضح أيضاً أن هذا الإطار يستند إلى 3 ركائز ليتيح الجمع بين الجذور المحلية والفاعلية العالمية، وهي:
- تأسيس قوي في الفلسفة الأخلاقية وتربية الشخصية، مع التركيز على التفكير الأخلاقي والمسؤولية والنزاهة.
- استلهام عميق من المبادئ الأخلاقية الإسلامية والهوية الثقافية القطرية؛ حيث تنعكس مفاهيم مثل الإحسان والأمانة والعدل والرحمة فعلياً في الممارسات اليومية ولا تنحصر في الشعارات النظرية.
- يستكمل ذلك بمنظور المواطنة العالمية الذي يعد الطلاب للتصرف تبعاً للمبادئ الأخلاقية في سياقات متنوعة ودولية.
وقد أشارت دراسة بعنوان "الاستراتيجيات المستخدمة في تعزيز القيم الإنسانية في التربية الحديثة" إلى أن تعليم القيم الإنسانية لا يتحقق تلقائياً من خلال المناهج التقليدية وحدها، بل يتطلب ممارسات تعليمية واعية ومتكاملة، من أبرزها اعتماد التعلم التعاوني والنقاشات النقدية التي تتيح للطلاب تبادل الآراء واحترام الاختلاف، إضافة إلى توظيف القصص التربوية والأنشطة التفاعلية التي تنمي التعاطف والتأمل الأخلاقي، فضلاً عن الدور المحوري لتأهيل المعلمين وتمكينهم من تحويل القيم إلى سلوك يومي حي داخل البيئة التعليمية.
وفي هذا السياق، أكدت النسخة الثانية عشرة من القمة العالمية للابتكار في التعليم "وايز" التي أطلقتها مؤسسة قطر في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2025، تحت شعار "الإنسان أولاً: القيم الإنسانية في صميم النظم التعليمية"، أن جوهر التطوير التعليمي لا ينفصل عن البعد الإنساني. وعمقت هذه القمة الحوار حول الغاية الحقيقية للتعليم ودوره المحوري في خدمة الإنسان في ظل تسارع الابتكارات التقنية وما تتيحه من فرص غير مسبوقة، كما ركزت على إحداث تحولات جذرية في النظم التعليمية التي تنطلق من القيم الإنسانية، بما يضمن تعليماً أكثر مرونة وشمولاً وارتباطاً بواقع العصر، ويضع العدالة والتعاطف وكرامة الإنسان في قلب الرؤية التعليمية لعالم يقوده الذكاء الاصطناعي.
أثر المهارات القائمة على القيم في قادة المستقبل
تسهم القيم في تشكيل ملامح القائد قبل أن يتولى أي منصب رسمي، إذ يتيح ترسيخها بعمق للطلاب وضع معايير توجه فهمهم للنجاح وتعاطيهم مع الفشل وممارستهم للتأثير. وفي مؤسسة قطر، يقول بن شعبان: "تعد تنمية القيادة عملية مواءمة متكاملة بين الكفاءة والشخصية والضمير، حيث يحفز الطلاب على طرح أسئلة تتجاوز ‘هل أستطيع؟’ إلى ‘هل ينبغي؟ وما هي المسؤولية المترتبة على هذا الخيار؟’. ومع مرور الوقت، يثمر هذا النهج قادة واثقين أصحاب رؤية طموحين ومسؤولين، يتمتعون بالمرونة دون التخلي عن القيم". كما تعد التجارب العملية أساساً جوهرياً لدورها في تحويل القيم من مفاهيم مجردة إلى مسؤوليات ملموسة، إذ يتيح الانخراط في خدمة المجتمع والبحث الأخلاقي والعمل التطوعي للطلاب الاطلاع على نتائج حقيقية ووجهات نظر متنوعة واحتياجات مجتمعية فعلية. وتبين هذه التجارب أن القيادة ترتبط بالقدرة على العطاء وإحداث أثر ملموس.
وأضاف أن المهارات التقنية يمكنها أن تضاعف قوة القادة، في حين تحدد القيم كيفية توظيف هذه المهارات. ومن دون قاعدة أخلاقية راسخة، قد تتحول الكفاءة التقنية إلى أداة تضخم الضرر بقدر ما تعزز الابتكار. لذا، تعد القيادة المبنية على القيم شرطاً عملياً وحيوياً لمواجهة التحديات.
أما عن قياس القيم لدى الطلاب، فقد أوضح بن شعبان أنها عملية تتطلب رؤى أعمق وأوسع نطاقاً من الدرجات الأكاديمية. وأفاد أن مؤسسة قطر تستخدم مزيجاً من المؤشرات النوعية وطويلة الأمد، تشمل ملفات التأمل الذاتي وسيناريوهات صنع القرار الأخلاقي وتوثيق أثر الخدمة المجتمعية وتحليل اتجاهات السلوك، بهدف تحويل الأخلاق إلى أرقام ورصد نمو التفكير الأخلاقي واتساق السلوك والقدرة على ترجمة القيم إلى أفعال ملموسة في سياقات متنوعة.
إلى أي مدى يحتاج عالم اليوم إلى نماذج قيادة قائمة على القيم؟
لا يعاني عالم اليوم من نقص في الخبرات التقنية بقدر ما يعاني من ضعف التماسك الأخلاقي، فالكثير من التحديات الكبرى في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والحوكمة والاستدامة لا تنبع من الجهل، بل من اختلال الحوافز وغياب البصيرة الأخلاقية. ويعد خطر القيم الشكلية من أبرز التحديات التي قد تواجه قادة المستقبل، حيث تعلن المبادئ دون أن تترجم إلى ممارسة يومية، وأي تناقض بين السياسات والممارسات أو بين سلوك البالغين والقيم المعلنة يقضي على المصداقية بسرعة.
لذا، يسهم دمج القيم الإنسانية ضمن التعليم في بناء واقعي للشخصية القيادية من خلال تنمية القدرة على التفكير الأخلاقي وتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات بضمير ووعي. كما تعزز مهارات التواصل والتعاطف وفهم الآخر والعمل الجماعي، وترسخ الانضباط الذاتي وروح المبادرة، وهي عناصر جوهرية تمكن الطلاب من ممارسة القيادة بوصفها سلوكاً يومياً نابعاً من القيم. وتستلزم مواجهة القيم الشكلية من خلال الحوكمة والاستثمار في بناء قدرات البالغين وتهيئة مساحات للنقاش المفتوح حول المعضلات الأخلاقية، بهدف تعزيز المساءلة والتأمل والإصلاح المستمر.
بدورها، تعد المؤسسات التعليمية منظومات أخلاقية متكاملة، إذ لا تقتصر وظيفتها على تشكيل المعرفة بل تمتد إلى ترسيخ تصورات الطلاب حول السلطة والنفوذ والمسؤولية وكيفية ممارستها. من هنا، قال بن شعبان: "يجب أن تلتزم المدارس والجامعات بالنزاهة والاتساق والشجاعة الأخلاقية، لا سيما في أوقات التحدي والضغط. فغرس القيادة الأخلاقية لدى الطلبة يبدأ أولاً بتجسيدها عملياً داخل المؤسسة، لأن ما يمارس ويرى أبلغ أثراً مما يدرس أو يقال".
وأضاف أن الحكم الأخلاقي سيصبح عنصراً حاسماً في البيئات الغنية بالبيانات، خاصة مع التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، حيث تتعاظم تعقيدات القرار وتأثيراته. وفي هذا السياق، تبرز أهمية التفكير المنظومي والتواضع المعرفي والقدرة على التكيف والشجاعة الأخلاقية، إضافة إلى إدارة المصالح المتعارضة بمسؤولية. ومن الضروري أن يتمتع القادة بالنضج اللازم لاتخاذ قرارات لا تحكمها إجابات مثالية، بل مفاضلات قيمية تستند إلى مبادئ واضحة ورؤية أخلاقية متماسكة.
صنع القرارات الأخلاقية في عصر الذكاء الاصطناعي
لم تعد الأخلاقيات الرقمية خياراً بل ضرورة لاستدامة أي قطاع. ومع منح التكنولوجيا الأفراد قوة غير مسبوقة، أصبح من الضروري إعداد الطلاب للتعامل مع المواقف التي تتقاطع فيها المصالح الشخصية مع المسؤولية المجتمعية. وفي هذا الصدد، قال بن شعبان: "تتطور الثقافة الأخلاقية جنباً إلى جنب مع الثقافة الرقمية، فلا يكفي أن يعرف الطلاب كيفية استخدام التكنولوجيا، بل يجب أن يفهموا متى يمكن استخدامها ولماذا ولأي غاية؟". ولتكون التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الفاعلية الإنسانية والعدالة وتحقيق الغايات النبيلة، لا غاية في حد ذاتها، يؤدي التعليم دوراً محورياً في ضمان دعم الابتكار للقيم الإنسانية. فعند تزويد الطلاب بالكفاءة التقنية والوضوح الأخلاقي معاً، تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتوسيع الفرص وتمكين الإنسان. وهذا ما أظهرته أيضاً دراسة بعنوان "أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم"، إذ أوضحت أن انتشار الذكاء الاصطناعي في التعليم يستدعي معالجة أبعاد أخلاقية مثل العدالة والشفافية والخصوصية، وأن تحديات التحيز في الخوارزميات وغياب الشفافية تتطلب أطراً تربوية توجه الاستخدام المسؤول للتقنيات الرقمية.
بالمحصلة، في البيئات المعقدة، نادراً ما نجد حلولاً واضحة من حيث الصواب والخطأ. وبالتالي، تصبح القيم بوصلة داخلية توجه القادة عندما تكون الظروف الخارجية غامضة، وتساعدهم على اتخاذ قرارات مبنية على المبادئ وسط عدم اليقين، والتكيف مع التغيرات دون فقدان المسار، وتحقيق توازن بين الابتكار والمسؤولية. وبحسب بن شعبان فإن القيادة لا يمكن تنميتها بطريقة مستدامة إلا عندما توضع القيم الإنسانية في صميم التعليم.
وعلى الرغم من دور الكفاءة التقنية، فالقيم هي التي تشكل الأحكام الصحيحة التي يصدرها القائد، وتضبط السلوك، وتعزز تحمل المسؤولية. لذا، تحرص مؤسسة قطر على غرس القيم لتصبح ممارسات حياتية متجذرة في الفلسفة الأخلاقية والهوية الثقافية وروح المواطنة العالمية. كما تدمجها ضمن المناهج والثقافة والممارسة اليومية، ما يكسب الطلاب وضوحاً أخلاقياً ويعدهم ليصبحوا قادة المستقبل.