لا تعد السمعة أمراً هامشياً أبداً في عصر الإنترنت. المستهلكون محاطون بالمراجعات بفضل مستهلكين آخرين تكبّدوا عناء نشر آرائهم عن المنتجات والخدمات على الإنترنت.

لكن مراجعات الإنترنت سيف ذو حدّين. فمن ناحية، هي نعمة، إذ تساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات قائمة على معلومات. لكن من ناحية أخرى، هناك مشكلة منهجية في الكثير من مراجعات الإنترنت تتمثل في ميلها للإفراط في تمثيل الآراء الأكثر تطرفاً.

لمعرفة السبب، فكر في آخر مرة اشتريت فيها منتجاً. ربما طُلب منك تقديم رأيك بعد الشراء. هل أعطيت رأيك؟ إن فعلت، فإنّ دراستنا تقترح أنك إما أحببت المنتج كثيراً أو كرهته كرهاً شديداً. لو أنّ رأيك بالمنتج كان معتدلاً، فأنت في الغالب لن تترك أية مراجعة، لاعتقادك أنّ الأمر لا يستحق الوقت والجهد.

تنسحب هذه المشكلة على معظم مراجعات الإنترنت، حيث يُظهر البحث كيف أنّ العديد من منصات مراجعات الإنترنت الأكثر شعبية – بما فيها منصة ييلب لمراجعات الأعمال (Yelp business reviews*)، ومراجعات منتجات أمازون – تتضمن انقساماً في الآراء يتسم بقطبية شديدة بوجود العديد من المراجعات الإيجابية جداً أو السلبية جداً، إلى جانب قلة من الآراء المعتدلة. يؤدي هذا إلى اتخاذ الانقسام في مراجعات الإنترنت شكل منحنى ثنائي القطب أو منحنى بشكل حرف (J) وهو ما وُثق جيداً في الكتابات الأكاديمية. يعني هذا أنّ من الصعب معرفة الجودة الحقيقية لمراجعات الإنترنت.

إنّ اختيار مكان العمل من الحالات التي تكون فيها المراجعات على الإنترنت مهمة بشكل خاص للاقتصاد، فهو قرار ينطوي على مخاطر عالية. أظهرت دراسة حديثة أنّ 48 في المئة من الباحثين عن عمل في الولايات المتحدة اليوم يعتمدون على مراجعات أصحاب العمل في موقع غلاسدور (Glassdoor)، وهو الموقع الإلكتروني الذي يعمل فيه اثنان منا، كجزء من عملية البحث عن عمل – وهي نسبة ضخمة من 160 مليون شخص في سوق العمل في أميركا. قد ينطوي الاعتماد على مراجعات متحيزة للشركات على خطأ مكلف – للباحثين عن عمل ولأرباب العمل على حد سواء.

ما الذي بإمكان منصات المراجعات على الإنترنت  فعله لتحفيز هذه "الأغلبية الصامتة" من الأصوات المعتدلة على نشر مراجعات وتقديم صورة جماعية أكثر دقة ؟

اختبرنا في دراستنا الجديدة ما إذا كان بالوسع استخدام حوافز بسيطة لتقديم مراجعات أكثر دقة. جمعت الدراسة بين منهجين: تجربة على الإنترنت خاضعة للسيطرة، وبيانات حقيقية من موقع التوظيف غلاسدور.

تقديم حوافز في المختبر

جمعنا في تجربتنا مجموعة من المشاركين على الإنترنت، وطلبنا منهم أن ينشروا مراجعة عن صاحب عملهم. ثم اختبرنا أنواعاً متعددة من المكافآت – منها المالي، ومنها الحافز "الاجتماعي الإيجابي" وهو في هذه الحالة رسائل تذكيرية بأنّ ترك مراجعة سوف يساعد الباحثين عن عمل- لتفحص كيفية تغيير تقييمات الشركة على الإنترنت مع كل منها. لغرض هذه التجربة، استخدمنا موقع أمازون إم ترك (M turk)، ودُفع لجميع المشاركين 0.20 دولار لنشر مراجعة عن صاحب عملهم، ودُفع لقسم آخر أكثر من هذا المبلغ لاختبار تأثيرات الحوافز المالية الإضافية.

تُظهر نتائجنا أنّ الناس سيتركون غالباً مراجعة على الإنترنت عندما يُذكَّرون أنّ فعلهم يساعد غيرهم من الباحثين عن عمل. كما أنّ الحوافز الاجتماعية الإيجابية أدت لجعل توزّع الآراء في المراجعات ينطوي على تحيز أقل وإلى جعل هذا التوزّع ناقوسياً.

كما اختبرنا أيضاً تأثير الحوافز المالية، أي دفع المزيد للمشاركين لنشر مراجعات عن أصحاب عملهم. وجدنا أنّ الحوافز المالية تؤدي الغرض أيضاً، لكن فقط إن كانت قيمتها مرتفعة بما يكفي. ومع ارتفاع حجم المدفوعات المالية كذلك ارتفعت رغبة الناس في نشر مراجعات على الإنترنت، وذلك حتى بين ذوي الآراء المعتدلة الذين كانوا عادة يبقون صامتين. في تجربتنا، وجدنا أنّ إعطاء 0.15 دولار إضافية – بزيادة 75 في المئة للمشاركين- كان كافياً لتقليل التحيز في المراجعات.

المراجعات على أرض الواقع

هل تنسحب نتائج دراستنا أيضاً على العالم الحقيقي؟ لاختبار هذا الأمر، نظرت دراستنا في برنامج غلاسدور للمراجعات على الإنترنت.

يحصل موقع غلاسدور على المحتوى من المستخدم بطريقتين. أولاً، قد يتطوع المستخدمون بإرسال مراجعات عن أصحاب عملهم إلى جانب أية معلومات أخرى عن العمل. ثانياً، يستخدم غلاسدور أيضاً ما يعرف بأنه سياسة "الأخذ والعطاء" والتي توفر حوافزاً قوية للمستخدمين لتقديم المحتوى: بعد أن يستعرض المستخدم أية ثلاثة مراجعات على الإنترنت، يطلب من المستخدمين إرسال مراجعتهم الخاصة إلى إدارة المجتمع الإلكتروني قبل أن يتمكنوا من استعراض المزيد من المعلومات.

لقد نظرنا في ما إذا كانت سياسة منح حافز في العالم الواقعي تغيّر من الآراء حول بعض الشركات على الإنترنت. وتماماً كما حدث في تجربتنا المخبرية، وجدنا أنّ توزّع الآراء في المراجعات التي تُكتب تطوعاً اختلف بشكل ملحوظ عن التوزّع في آراء المراجعات التي تأتي من مستخدمين حصلوا على مكافأة لقاء تقديم مراجعاتهم. فقد كان الانقسام في المراجعات التطوعية أكثر تطرفاً – تضمن العديد من الآراء الإيجابية والسلبية عن الشركات – مقارنة بانقسام أكثر اعتدالاً في الآراء التي نُشرت مقابل حوافز. يُظهر بحثنا أنه في البيئة الخاضعة للسيطرة أو في العالم الواقعي للأعمال يؤدي توفير حوافز مالية أو اجتماعية إيجابية إلى مراجعات أكثر تمثيلاً للحقيقة.

لماذا تعتبر الآراء التي تنشر على الإنترنت مهمة؟

قد يكون لتصحيح التحيز في مراجعات الإنترنت تأثير على قرارات مهمة في اقتصادنا. تخيل باحثاً عن عمل يختار بين وظيفتين متشابهتين لكن في صناعتين مختلفتين، كالاستشارات في مقابل الإعلانات. يُظهر بحثنا أنّ تصنيف الصناعات من حيث التقييمات على الإنترنت قد يتقلب اعتماداً على ما إذا كانت المراجعات قد وضعت تطوعاً أو استجابة لحافز. مثلاً، ربما يرى الباحثون عن عمل الذين يعتمدون فقط على المراجعات التطوعية التي تتسم بالاستقطاب أنّ الاستشارات صناعة أقل جذباً من صناعة الإعلانات، في حين أنّ مجموعة أكثر توازناً من المراجعات القائمة على الحوافز ستقدم نتيجة معاكسة. بهذا الشكل يكون للتحيزات في انقسام المراجعات على الإنترنت تأثير على القرارات الاقتصادية في العالم الواقعي من خلال تشويه المعلومات التي يعتمد عليها المستهلكون والمستثمرون والباحثون عن عمل.

يمكن القول أنّ المراجعات على الإنترنت أداة قوية لمشاركة المعلومات على نطاق واسع. لكن من المهم تذكر مصدرها – الكثير من المراجعات على الإنترنت اليوم هي من أشخاص تطوعوا لمشاركة آرائهم، وهو ما يقدم رؤية مشوّهة عن المنتجات والخدمات والشركات.

توفر دراستنا أملاً لجعل المراجعات القائمة على الآراء ذات فائدة اجتماعية أكبر. وهي تُظهر أنّ استخدام المنصات على الإنترنت لحوافز غير مكلفة نسبياً يقلل بشكل كبير من التحيز ويشجع المزيد من الأصوات المعتدلة على الانضمام إلى النقاش على الإنترنت. المراجعات على الإنترنت هي في جوهرها مسعى اجتماعي. قد يكون لفعل بسيط كمجرد تذكير الأفراد بالفوائد الاجتماعية الإيجابية التي يمكنهم تقديمها من مشاركة آرائهم على الإنترنت تأثير كبير على استعدادهم لترك مراجعات وتحسين فائدة منصات مراجعات الإنترنت الواسعة الانتشار.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!