تابعنا على لينكد إن

لا شك في أنّ الكثيرين منا قد سبق لهم أن سمعوا بمفهوم “الوصول إلى نعم”، يُسمى بالإنجليزية (Getting to Yes)، والذي يعني التوصّل إلى توافق مع الآخرين. وهو عبارة عن عنوان كتاب شهير واستراتيجية تفاوضية معروفة طورها الأستاذ في جامعة هارفارد روجر فيشر وآخرون. أمّا بالنسبة للعديد من المدراء، فإنّ التحدي اليومي الأصعب يتمثل في “الوصول إلى لا” (Getting to No) وهي العملية التي نتفق بها على ما “لا ينبغي” القيام به.

يُعتبر مفهوم “الوصول إلى لا” من القضايا الكلاسيكية في الإدارة، لأن الغالبية العظمى منا تميل إلى قبول الطلبات والمهام المعطاة لها دون التمحيص فيها أولاً لمعرفة ما هو ممكن منها، وما هو عاجل، وما الذي يحظى منها بأولوية أقل. وفي عصر يشجّعنا على أن نكون “كاللاعبين في الفريق الواحد”، وعلى أن نتجاوب مع زملائنا، سيبدو من غير المنطقي، بل ضرباً من الأنانية، أن نشجّع المدراء على أن يقولوا “لا” بوتيرة أكبر. ولكن هذا بالضبط ما يحتاج العديدون منّا إلى فعله. صحيح أنّ قولنا لكلمة “نعم” لكل مهمة قد يجعل كبار المدراء التنفيذيين يشعرون بالسعادة في بادئ الأمر، إلا أنّ ذلك يقود عادة إلى زيادة التوتر لدى الموظفين الذين سيغرقون في بحر من الأعمال التي سينجز الكثير منها على مضض أو سيطويه النسيان. وعلى المدى البعيد، لن يكون أحد سعيداً.

ففي إحدى الشركات الإعلامية التي عملنا معها، على سبيل المثال، قام فريق من كبار المدراء التنفيذيين بوضع استراتيجية مدتها ثلاث سنوات تهدف إلى التفوق على المنافسين في بيئة إعلامية يتزايد اعتمادها على الجوانب الرقمية وتعتبر شبكات التواصل الاجتماعي هي المحرك الأساسي فيها. وأوكل كبار القادة هؤلاء أجزاء من هذه الاستراتيجية إلى مدراء في الإدارة الوسطى ممن لديهم المعارف والخبرات والمسؤوليات المؤسسية المطلوبة. ونظراً لأهمية هذا العمل، فإنّ جميع هؤلاء المدراء قبلوا بالمهام التي أوكلت إليهم. ولكن بما أنهم لم يتخلوا عن أي من المهام الأخرى الموجودة في جعبتهم، فإنّ هذه المهمة الاستراتيجية برمتها تحولت إلى ما يشبه النشاط المدرسي المسائي غير الإلزامي (أي الشيء الذي كان ينبغي العمل عليه بعد الانتهاء من إنجاز كل الأعمال المعتادة) ولم يتم إنجاز الكثير عملياً.

وفي سياق مشابه، قامت شركة تكنولوجية بتعيين رئيسة جديدة لأحد الفروع الإقليمية التابعة لها، بهدف تحفيز نمو المبيعات على المستوى المحلي. وحال وصول الرئيسة الجديدة إلى الفرع، دعاها أكثر من عشرة قادة من أقسام التسويق، والمعلوماتية، والأبحاث والتطوير، وغيرها من الأقسام، إلى الاجتماع مع فرقهم. وفي هذه الأثناء، ظل الرئيس التنفيذي يطلب منها العودة إلى المقر الرئيسي للشركة لاطلاع فريق القيادة العليا على آخر المستجدات. وبعد 6 أشهر من الموافقة على حضور كل الاجتماعات، بدأ ترحالها الدائم يرخي بثقله عليها. صحيح أنها باتت تتفهم الشركة بشكل أكبر بكثير، غير أنها لم تتمكن من إحراز أي تقدم على الإطلاق في تنمية المبيعات.

في كلتا هاتين الشركتين المذكورتين، كان المدراء يُعرضون أنفسهم للفشل من خلال الإفراط في محاولة إرضاء الجميع. ففي الشركة الإعلامية في المثال الأول، لم يكن أحد في وارد رفض مهمة استراتيجية رئيسية توكل إليه، وخاصة أنّ مجلس الإدارة وكبار المدراء التنفيذيين كانوا معنيين بالأمر، غير أنه لم يكن هناك من سبيل لإنجاز هذه المشاريع الاستراتيجية عملياً من دون إيقاف العمل بالكثير من المهام الأخرى. ولربما كانت الطريقة الأنجح للتعامل مع هذه المهمة هي أن يكسر واحد أو أكثر من مدراء الإدارة الوسطى المثقلين بالمهام حاجز الصمت، من خلال تنظيم اجتماع مع رئيس قسم الاستراتيجيات، والرئيس التنفيذي، وغيرهما من كبار المدراء التنفيذيين. فهذا الأمر كان سيسمح لهم كمجموعة بأن يتحدّثوا عن المعضلة المشتركة التي يواجهونها جميعاً، ويدرسوا إمكانية التخلي عن بعض المهام الأخرى الموجودة في جعبتهم، أو تغيير المهلة الزمنية.

أما في الشركة التكنولوجية في المثال الثاني، كانت الرئيسة الجديدة راغبة في إرضاء كل مرؤوسيها، لذلك ملأت أشهرها الستة الأولى بالاجتماعات، الأمر الذي لم يترك لها أي وقت للتصدي لأهم تحد يواجهها. وكبديل لذلك، ربما كان الأفضل لها أن تُحدد لنفسها جدولاً زمنياً واضحاً منذ البداية، بحيث تلتزم بقضاء وقت معين فقط بعيداً عن الفرع الإقليمي الذي تديره، على أن تخصص وقتاً مركّزاً لمواجهة التحدي المتعلق بالنمو. فذلك كان سيمنحها سبباً منطقياً لتأجيل بعض الرحلات والاجتماعات المخصصة “للتعارف” حتى تصبح لديها خطة متينة لمعالجة أهم القضايا التي تواجه الشركة.

هناك أمر يجدر تذكره دائماً، ألا وهو أنّ تعلّمك لكيفية “الوصول إلى لا” يُعتبر أساسياً جداً لنجاحك أنت شخصياً ولنجاح شركتك. ولكي يكون العمل المؤسسي فعالاً فإنّك بحاجة إلى إجراء مقايضة بحيث تأخذ ببعض الأشياء وتترك بعضها الآخر. ويُعتبر المدراء مسؤولين عن إجراء هذه المقايضات عندما توكل إليهم المهام. فهم ليسوا مسؤولين عن إرضاء الجميع. على سبيل المثال، إذا أصبح أحد المشاريع الاستراتيجية يحظى بالأولوية القصوى، فإنّ المدراء بحاجة إلى أن يسألوا عن المقايضات التي ينبغي عليهم القيام بها لاستيعاب المهمة. ومن المهم خوض هذه الحوارات بصورة منتظمة.

الدرس الأساسي الآخر الذي يجب عليك تذكّره هو أنه لا بأس في طرح الأسئلة ومحاولة مقاومة المهام والطلبات التي تعطى إليك، حتى لو كان ذلك يُشعرك بالخوف نوعاً ما، تماماً كالشعور الذي ينتابك مثلاً وأنت تقدّم الإجابات في حضرة أشخاص أقوياء. على سبيل المثال، بوسعك أن تسأل كبار القادة ما إذا كانت المهمة الجديدة تحظى بالأولية مقارنة مع بعض المشاريع الأخرى الملقاة على عاتقك، وإذا كان هذا هو الحال، استفسر منهم عن الطريقة التي ستخبر بها الناس بالتغير الطارئ على التوقيت وعلى أولويات المؤسسة. وبوسعك أيضاً التعاون مع زملاء آخرين لكي تطرحوا هذه الأسئلة معاً. فربما لم يكن كبار المدراء قد فكّروا ملياً في كل السيناريوهات، وبالتالي فإنّ طرحها لن يُنظر إليه على الأغلب بوصفه تمرداً وعصياناً للأوامر، أو محاولة للتنصل من العمل الإضافي، وإنما سيعتبرونه مقاربة بناءة لاستكشاف الأمور التي ينبغي إنجازها.

من المؤكّد أن قول كلمة “نعم” يُعتبر أسهل على المدى القصير، لكن قبولك لمهمة لا تملك القدرة على إنجازها، أو ستعرض أهدافك الرئيسة الأخرى إلى الخطر، لن يجعل أي شخص يرضى عنك على المدى البعيد – كما أنّ ذلك لن يساعد مؤسستك على تحقيق أهدافها. وهذا هو السبب الذي يجعل “الوصول إلى لا” تحدياً كبيراً جداً تنبغي السيطرة عليه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz