هل لك أن تتخيل شكل عملية التواصل مع المدراء ذوي المناصب الأرفع مرتبة بالنسبة للأشخاص القادمين من بلدان وثقافات يكون فيها مفهوم التراتبية أعمق وأكثر تجذراً مما هو عليه الحال في الولايات المتحدة الأميركية؟ وهنا أقصد الأماكن والثقافات التي يتعلّم الأطفال فيها بألا يتحدثوا إلا عندما يتكلم أحد معهم، وبأنّ المرء يجب أن يظل صامتاً في حضرة الأشخاص الذين يمتلكون سلطة أعلى، مثل الأهل، أو المعلمين، أو المدير، وبأن يخفض رأسه، وينجز العمل المطلوب منه، على أمل أن يلحظ أحد من هؤلاء الأشخاص وجوده.

أنا شخصياً أدرس وأعمل يومياً مع أشخاص ينحدرون من هذه الثقافات، وأستطيع إخباركم بأنّ من الصعب جداً على المرء أن يتعلّم كيفية التصرف بارتياح خارج الأطر المألوفة لثقافته عندما يتعامل مع أشخاص ذوي سلطة أعلى في ثقافات مختلفة، ولاسيما في الثقافات التي تكون فيها القواعد أكثر تساهلاً، إذ يُنتظر من المرء أن يعبّر عن آرائه بصوت مرتفع، وأن يكون جازماً، بل وحتى أن يوطّد علاقته مع هؤلاء الأشخاص "المحرمين". وأنا شخصياً اسمّي ذلك "ضريبة الإذعان".

تعتبر هذه المشكلة من المشاكل المنتشرة على نطاق واسع، وهي تتجلى في الصفوف الدراسية، التي يضطر فيها الطلاب القادمون من ثقافات مختلفة (حيث لا تعتبر فيها مشاركة الطالب في النقاش من السمات الشائعة ضمن الصفوف الدراسية) إلى المشاركة؛ وغالباً ما يعاني هؤلاء الطلاب معاناة كبيرة نتيجة هذا التبدل في الثقافات.

كما تتجلى المشكلة ذاتها أثناء عملية البحث عن وظيفة وأيضاً في مكان العمل. فالأشخاص المتأثرون بها يعانون من المشاركة أثناء الاجتماعات، ويتحاشون مناداة شركائهم الأقدم عهداً في الشركة باسمهم الأول، كما إنهم يعانون في توطيد علاقتهم مع زملائهم الأكبر سناً أو الأقدم عهداً، وهو أمر أساسي لارتقائهم وتطورهم.

والسؤال المطروح هنا هو: ما الذي بوسع المؤسسات فعله للتقليل من عبء "ضريبة الإذعان" هذه على موظفيها؟

أولاً، يتعيّن على قادة المؤسسات أن يثقفوا أنفسهم وموظفيهم من خلال الاطلاع على هذه الاختلافات، وأن يُبدوا قدراً كبيراً من التعاطف مع التحديات التي قد يواجهها موظفوهم في التأقلم مع مكان العمل في الولايات المتحدة الأميركية، وينطبق هذا الكلام تحديداً على الموظفين القادمين من ثقافات تقوم الحياة فيها على التراتبية.

إنّ تثقيف المدراء بخصوص هذه الاختلافات لتزداد حساسيتهم تجاهها هو أمر أساسي جداً كي يتمكنوا من فهم سلوك موظفيهم بمنتهى الدقة. فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك موظف لا يتحدث خلال الاجتماعات، فقد لا يعني ذلك بالضرورة أنّ هذه الشخص ليس لديه ما يقوله. أو إذا كان هناك موظف يعرض إنجاز مهمة جديدة، دون أن تبدو عليه أمارات الحماس التي تظهر على الموظفين الأميركيين، فقد لا يعدو الأمر كونه اختلافاً في أسلوب التواصل، وليس اختلافاً في درجة الحافز لإنجاز العمل المطلوب.

أما بالنسبة للموظفين، فإنّ الشركات بحاجة إلى تطوير برامج تدريب وإشراف قوية بغية مساعدة الموظفين على اتخاذ الخطوات الإضافية المطلوبة وتعلّم كيفية التعامل خارج الأطر الثقافية المألوفة والمريحة بالنسبة لهم. هذه البرامج يجب أن تسلط الضوء على الفروق الثقافية التي يواجهها الموظفون عند تكييف سلوكهم بحسب البيئة الثقافية الجديدة. ومن أجل أن تنجح الشركات في مسعاها هذا، يتعين عليها المضي أبعد من ذلك، من خلال مساعدة الموظفين على استيعاب هذه الفروق الثقافية وترجمتها إلى سلوك فعال ضمن بيئة ثقافية جديدة.

يحتاج الموظفون إلى فرص تتيح لهم التدرب على ممارسة هذه المهارات الجديدة وإتقانها، وارتكاب الأخطاء في بيئة متسامحة أثناء سعيهم لتعديل أسلوب تعاملهم وتفاعلهم مع الشخصيات ذات السلطة الأعلى، بحيث يكون هذا الأسلوب فعالاً ونابعاً من ذاتهم. كما أنهم بحاجة إلى فرص للتدرب على ممارسة هذه المقاربة الجديدة ضمن بيئات واقعية ومليئة بالتحدي، إلا أنّ الوضع المثالي يقتضي أيضاً أن يحصلوا على رأي تجاه أسلوبهم وأدائهم من أحد المدربين أو الأشخاص المعنيين بالتدريب على الاختلافات الثقافية. فالفهم الفكري للاختلافات والقدرة على تطوير نوع من البراعة العالمية، وإدخال تعديل فعلي على السلوك هما أمران يتطلبان نوعين مختلفين من المهارات وهما ينطويان على مجموعتين مختلفتين من التحديات. فالتدريب والتعليم يجب أن يتبعا بعضهما بعضاً بحسب المطلوب.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!