دراسة حالة: كيف يمكن إدارة موظف نجم صعب المراس؟

14 دقيقة
إدارة موظف نجم صعب المراس
shutterstock.com/ Andrii Yalanskyi
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تعرض دراسات الحالة التي تصيغها مجلة “هارفارد بزنس ريفيو” على هيئة قصص خيالية المشكلات التي يواجهها القادة في الشركات الحقيقية وتطرح الحلول التي يقترحها الخبراء. وتستند هذه الحالة إلى دراسة حالة بعنوان “القادة الاستثنائيين” (Superstar Leaders) بقلم أبهيشيك غويل ونيهاريكا فوهرا (المعهد الهندي للإدارة، 2007). حول كيفية إدارة موظف نجم صعب المراس.

“هل طالعتِ التقرير الوارد من مكتبنا في الهند؟”.

ردت كارولين على الطرف الآخر من الخط: “إنني أفتحه الآن”.

تربط بين ستيفان كونراد وكارولين دوغيرتي علاقة زمالة قديمة، ترجع جذورها إلى عملهما معاً في شركة “ليمان هايلاندر آند كومباني” (Leman Highlander & Company) منذ أكثر من 20 عاماً عقب تخرجهما في كلية إدارة الأعمال. وقد صار الآن ستيفان رئيساً لقسم الأعمال الاستشارية في جنوب آسيا والشرق الأوسط، وغدت كارولين مديرة الموارد البشرية العالمية. كان مكتب كل منهما يقع على مقربة من مكتب الآخر في المقر الرئيس لشركة “ليمان” في نيويورك.

أردفت كارولين: “تبدو الأرقام جيدة. ثلاثة حسابات جديدة، منها شركة “إن إم إن تكنولوجي” (NMM Technology)، وهذا شيء رائع. يمارس فيجاي سحره كالمعتاد”.

أمَّن ستيفان على كلامها، قائلاً: “بالتأكيد، لكن استمري في القراءة”. انتظر برهة من الزمن، ثم تغيرت لهجة كارولين وهي تصيح مستنكرة: “مجدداً!”.

فابتدرها مؤكداً: “أجل، هذا صحيح. ارتفعت معدلات دوران الموظفين مجدداً للربع الرابع على التوالي. لقد وصلت نسبتها لدينا إلى 32%، وهو ما يفوق بكثير المتوسط العام لدوران الموظفين في القطاع. ونتائج استقصاء رأي الموظفين سيئة للغاية”.

علّقت كارولين: “هذا الرجل لا يأبه أبداً بالأمور المرتبطة بالعنصر البشري، وهذا شيء يدعو إلى الإحباط”.

يحسّ ستيفان منذ فترة من الزمن بالقلق تجاه ما يجري في مكتب مومباي. فقد نجح حتى الآن في تحقيق معدلات نمو أسرع من أي مكتب آخر، باختصار كانت أعماله مزدهرة. على الرغم من ذلك، كان كلما زار المكتب هناك شعر بأن الموظفين ليسوا سعداء. وكان فيجاي كومار، الشريك الإداري في مومباي، وأبارنا ناياك، الشخصية الثانية في سلّم القيادة، يؤكدان دائماً لستيفان أن الأمور على ما يرام ويذكّرانه بمعدلات نمو أعمال مكتبهم.

كانت شركة “ليمان هايلاندر” متحمسة لتعيين فيجاي قبل 8 سنوات لاتخاذ التدابير اللازمة لإطلاق عملياتها التشغيلية في مومباي. فقد كان نجماً لامعاً في شركة “ماكنزي”، ويمتلك شهادات تؤهله للتعامل مع السوق الهندية والأميركية، بالإضافة إلى حسه التجاري الحاد. ومن هنا اتفق الجميع على أنه الشخص المناسب لترسيخ مكانة الشركة في الهند، وقد أخذ اثنان من الشركاء على عاتقيهما مهمة إقناعه بالانضمام إلى فريق العمل بالشركة. وسرعان ما أثبت فيجاي جدارته بشغل المنصب بعد 3 سنوات فقط من تعيينه. كانت الأرقام الواردة من مومباي رائعة، وتقاطر عليه كبار العملاء. كانت هذه الشركات قد تخلت عن التعامل مع “ماكنزي” و”بين” و”بوسطن كونسلتينغ جروب” مفضلةً التعامل مع فيجاي. وشعر الشركاء بسعادة غامرة. ويبدو أن كارولين وستيفان فقط هما مَن لاحظا مشاكل الموظفين المستمرة.

قالت كارولين محتجة: “يجب أن نفعل شيئاً”.

“سأكون هناك الأسبوع المقبل. دعيني أرى بنفسي ما يجري”.

“أعتقد أنه يجب أن تناقش المسألة مع فيجاي”.

“لا أدري”.

مازحته قائلة: “أنت خائف منه قليلاً، أليس كذلك؟”

ضحك ستيفان، ثم أردف معترفاً: “ربما، نعم. قليلاً”.

غير وارد على الإطلاق

كانت حقيبة سفر ستيفان مفتوحة على سريره.

أبدت زوجته كلارا استغرابها، قائلة وهي تراقبه وهو يضع بدلتين مرتبتين في حقيبته الصغيرة: “إنك تدهشني دائماً بضآلة أغراضك التي تحزمها في سفرك”. كان يسافر لما يقرب من 200 يوم في السنة، لذا كان يُتقن فن حزم الحقائب.

ثم سألته: “إلى أين تشد الرحال هذه المرة؟”.

“مومباي. لديّ اجتماع مع فيجاي”.

“آه، صحيح. ماذا قالت مساعدته؟”.

“أبارنا ليست مساعدته يا عزيزتي. لقد أخبرتك بذلك من قبل”.

“يبدو لي من حكاياتك عنه أنه يعامل الجميع كما لو كانوا مساعديه”.

أجاب ستيفان: “أجل، قد يكون ذلك جزءاً من المشكلة”. كانت أبارنا تلتزم الصمت التام على الهاتف. وكانت تقول إنها وفيجاي قلقان بشأن معدلات دوران الموظفين أيضاً، لكنها تضيف دائماً إنها لا تختلف عن المعدلات الحالية في القطاع، ولا ينبغي أن يبالغ ستيفان في قلقه بهذه الصورة.

“لم تستطع إخبارك بحجم المشكلة، أليس كذلك؟”.

“لا، لكنها قالت إنها ستعقد اجتماعاً مع بعض المستشارين”. كان هذا في الواقع اقتراحه هو، لكن أبارنا لم تجرؤ على الرفض.

واستطرد: “يجب أن أتوخى الحذر. فأنت تتذكرين ما حدث في المرة السابقة”.

قبل عامين من الآن، وخلال إحدى زيارات ستيفان المنتظمة إلى مومباي، سأل فيجاي عن مستشارَين كانا قد استقالا فجأة بحجة أن فيجاي من الشخصيات التي يصعب العمل معها. فما كان من فيجاي إلا أن غادر المكتب وأرسل من فوره استقالته بالبريد الإلكتروني إلى توماس ليمان، الشريك الإداري للشركة. استطاع توماس تهدئة فيجاي وإقناعه بالعدول عن قرار الاستقالة، لكنه أعطى أوامر واضحة لستيفان: يجب عليه من الآن فصاعداً أن يبذل كل ما في وسعه لإسعاد فيجاي. تعتبر الهند الآن أفضل دول المنطقة، وتحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول المدرّة للإيرادات في شركة “ليمان هايلاندر”. ولم يكن أحد في فريق القيادة على استعداد للتخلي عن الرجل المسؤول عن ذلك وتركه يذهب إلى أي مكان آخر.

أردف ستيفان: “بالإضافة إلى ذلك، فليس لديّ سلطة عليه لأننا جميعاً متساوون كشركاء. وسأحتاج إلى الحصول على موافقة مسبقة قبل اتخاذ أي إجراء رسمي”.

“مثل فصله؟”.

“هذا غير وارد على الإطلاق”.

لا يشعر الجميع بالاستياء

عندما دخل ستيفان إلى المبنى الإداري في حي ناريمان بوينت، رن هاتفه. وحينما رأى رقم فيجاي، رد على المكالمة.

قال فيجاي: “أردت أن أرحب بك. للأسف، لن أستطيع أن أراك حتى العشاء الليلة، لأنني سأكون بصحبة فريق العمل في شركة “إن إم إن” طوال اليوم”.

لم يستطع ستيفان أن يقول إنه أصيب بخيبة أمل.

ثم استطرد فيجاي وهو يضحك ضحكة مكتومة: “سمعت أنك جئت لتزورني وتتفقد أحوالي”، ولكن ستيفان وضع حداً لتهكمه.

إذ عاجله بالرد في حسم: “أنا هنا من أجل الاجتماع مع شركة “كيريمر إنجنيرنغ” غداً. وكنتَ قد قلتَ إن حضور شخص غير هندي هذا الاجتماع سيفيد كثيراً”. ثم أضاف بفتور: “ونعم، سأتحدث مع موظفيك اليوم. تلك الاجتماعات التفقدية المعتادة”.

خيم الصمت على فيجاي.

فسأله ستيفان: “هل ما زلت معي؟”.

“بلى، تفضل بعقد الاجتماع. لقد وصلت للتو إلى شركة “إن إم إن”. سأراك على العشاء”. وأنهى المكالمة قبل أن يقول ستيفان وداعاً.

قابلت أبارنا ستيفان في المصعد، ثم توقفا للتحدث مع بعض الأشخاص في المكتب، ثم قادته إلى غرفة اجتماعات في الجزء الخلفي من الطابق.

وراحت تشرح له الوضع، قائلة: “لقد رتّبت لانعقاد الاجتماع في الساعة 3:00 عصراً. وسينضم إلينا بعض أفضل مستشارينا وبعض الموظفين الجدد وبعض الموظفين القدامى”.

فقال لها: “أحب أن أسمع رأيك قبل أن ألتقي بهم”.

أجابته أبارنا: “أعتقد أننا نبذل قصارى جهدنا هنا. النتائج أفضل من ذي قبل، ويسير العمل بشكل ممتاز لأبعد الحدود، حتى إن الآخرين يعتبروننا مصدر التدريب الأساسي للمستشارين الجدد في هذا القطاع. صحيح أن البعض يشكون منّا، لكن ليس الجميع. على أي حال، سأرسل أفراد المجموعة في الوقت المحدد”.

أخرج ستيفان حاسوبه المحمول ونظر إلى أرضية المكتب خلف النافذة الزجاجية الكبيرة. بدا الجميع مشغولين لكنهم مسترخون. كان الأمر مختلفاً عن المرات السابقة التي زار فيها مقر الشركة، عندما كان الموظفون يهرولون إلى غرف الاجتماعات لحضور الاجتماعات الصاخبة، محاولين توقع تحركات المدير وحالاته المزاجية ومطالبه. وحينها أدرك أنه لم يسبق له أن زار المكتب دون أن يكون فيجاي هناك.

“إنّه الأستاذ”

افتتح ستيفان الاجتماع بقوله: “نحن قلقون في المقر الرئيس بشأن معدلات دوران الموظفين. لا يمكننا إدارة هذا المكتب دون فريق قوي متماسك. لذا أريد أن أعرف ما يمكننا فعله على نحو أفضل”.

وعندما لم يرد عليه أحد، سأل أمل، أصغر شاب في الغرفة، عن رأيه. انحنى أمل إلى الأمام وأخبر ستيفان كم كان سعيداً هو وزملاؤه لأنه طلب مقابلتهم، ولكنه تلفت حوله بعد ذلك ولم يتفوّه بكلمة أخرى.

بعد سكوت الجميع لمدة طويلة جداً، تنحنح استشاري أول يُدعى ريحان وأخذ يتحدث بكثير من التروي: “نحن جميعاً مخلصون لشركة “ليمان هايلاندر”، لكن الأمور هنا كانت صعبة بعض الشيء”. وأوضح أن فيجاي كان دائماً مديراً يطالب موظفيه بالكثير، لكنّ ريحان وآخرين توقعوا منه أن يخفّف من حدة مطالبه بعض الشيء بمجرد الانتهاء من تأسيس المكتب. وأردف: “لكن للأسف لم يحدث أيٌ من هذا، بل ازداد الأمر سوءاً. يبدو أن إرضاءه من رابع المستحيلات”.

ثم تجرّأ الكثير من الموظفين الآخرين على الكلام. تكلموا في البداية بأسلوب دبلوماسي، مؤكدين مدى حبهم لوظائفهم والشركة. لكنهم راحوا بعد ذلك يطرحون شكاواهم التي تمحورت جميعها حول فيجاي: لا يمكن إرضاؤه أبداً. لا يستطيع أحد مجاراة جديته في العمل. تبدو عبقريته الإبداعية مخيفة. يحاول الآخرون أن يتشبهوا به، لكن ليس هناك سوى فيجاي واحد. يبدو وكأنه لا يثق في أي شخص أو يحترم أي شخص باستثناء أبارنا والمستشارين الذين يعملون على مدار الساعة.

ثم استدرك أحد كبار المستشارين الأصغر سناً: “لا تسئ فهمنا، فنحن نتعلم الكثير منه. لا يوجد أحد في القطاع بأكمله يستطيع تطوير الأعمال الاستشارية وإدارتها بطريقته هو. إنه الأستاذ. لكني أسأل نفسي ما إذا كانت الخسائر أكبر من المكاسب المتحققة من العمل معه. لم أعد أرى أفراد أسرتي، خاصة إذا حاولت مجاراته في ساعات عمله. وقد تجدني أرد على رسائل البريد الإلكتروني في الرابعة فجراً”.

راح المستشارون يطرحون شكاواهم حول فيجاي: لا يمكن إرضاؤه أبداً. لا يستطيع أحد مجاراة جديته في العمل. تبدو عبقريته الإبداعية مخيفة.

أكدت امرأة في مؤخرة الغرفة كلامه، قائلة: “هذا صحيح. لا يستطيع أحد أن يغادر المكتب ما دام هنا، وذلك لأنهم يخشون الانتقام. وإذا شاهدك تغادر “مبكراً”، فسوف يعاقبك في اليوم التالي بأن يحمّلك المزيد والمزيد من العمل الذي يلزمك بإنجازه”.

وراح الموظفون يوضحون أن الجميع شعروا بانعدام الكفاءة بجوار فيجاي، حتى الذين يمكن اعتبارهم متفوقين، حيث اضطر الكثيرون منهم إلى المغادرة. أما أولئك الذين بقوا فقد أرادوا أن يكونوا جزءاً من قصة النجاح، لكنهم كانوا لا يدرون كيف يسهمون في هذا النجاح. فقد كان فيجاي المسؤول عن اتخاذ كافة القرارات.

ومع تراكم المظالم، بدأ ستيفان في التعرق. كان الوضع أسوأ مما كان يعتقد. حاول تغيير دفة الحوار إلى اتجاه بنّاء وأكثر إيجابية، فسألهم: “ماذا فعلتم حتى الآن؟ هل كلمه أحدكم؟”.

شَخَص الجميع بأبصارهم إلى ريحان الذي أجاب: “حسناً، تحدث الكثيرون منا إلى أبارنا لأنها تبدو قريبة منه. لكننا لا نعرف، فربما تخشى هي أيضاً على وظيفتها، لذا لا تريد أن تضايقه. ونحن لا نلومها. فقد سبق له أن أدلى بتعليقات تفيد أن أولئك الذين يكثرون من الشكوى لا يستوفون معايير العمل في قطاع الاستشارات”.

ثم تكلمت امرأة أخرى، قائلة: “يقول لنا دائماً: ’تقوم الاستشارات على العمل الجاد في الأساس، وعليكم أولاً أن تحصلوا على عملاء، ثم عليكم أن تحققوا النتائج‘. ونحن نتفق معه في هذا الرأي، لكن لا يمكننا أن نكون مثاليين طوال الوقت. وأنت تعلم يا ستيفان أن هذا المكان بدأ يكتسب سمعة سيئة”.

كان هذا ما يخشاه. إذ لم يقتصر الأمر على فقدانهم للكوادر البشرية فحسب، بل كان هؤلاء الأشخاص يشهّرون بسمعة “ليمان هايلاندر”، ما يزيد من صعوبة تعيين بدائل. صحيح أن سمعة فيجاي أسهمت في جذب نخبة من أفضل الكوادر البشرية في الماضي، لكنها بدت الآن وكأنها عائق كبير أمام استقطاب الموظفين المميزين.

تزايد الآلام؟

وجد ستيفان أبارنا في مكتبها في وقت لاحق من مساء ذلك اليوم.

سألته: “هل كان الاجتماع مفيداً؟” ثم استدركت: “أو هذا ما أتمناه” لم يكن يعرف كيف يجيبها.

ثم استطردت وهي تخفض صوتها: “لا بد أنهم قالوا ما يقولونه في المعتاد. لكني أؤكد لك أنه رائع بقدر ما قد يبدو قاسياً. إنه قلب وروح هذا المكان. دون فيجاي لن ينجح لنا مكتب في مومباي”.

كان ستيفان يعرف أنها محقة. فقد تأسس المكتب على يد فيجاي الذي كان يقضي كل وقته في التفكير في كيفية تطوير أدائه.

سألها: “هل يعرف فيجاي بتعاسة الموظفين إلى هذا الحد؟”.

أجابت أبارنا: “لقد اطلع على نتائج استقصاء رأي الموظفين، وبالتأكيد يعرف كل شيء. لكنه يعتقد أن المستشارين يجب أن ينضجوا، ولديه وجهة نظر معقولة في هذا الشأن. فهو يرى أن الجميع قد استمرأوا الشكوى منه بدلاً من التركيز على عملهم فحسب. ويقول إننا إذا لم نُصغ لهم ولشكاواهم، فإن مدمني الشكاوى الحقيقيين لن يجدوا بُداً من مغادرة المكان، وسيبقى مستشارونا المتميزون، وستظهر دماء جديدة في الشركة. ويعتقد أنه لا بد من تجرُّع هذا الألم في سبيل نمو المؤسسة. ولن تلبث الأمور أن تستقر من تلقاء نفسها”.

علّق ستيفان، قائلاً: “تبدو هذه النظرة مفرطة في التفاؤل”.

هزت أبارنا كتفيها، قائلة في تعاطف: “يجب أن تعلم أيضاً أن فيجاي حساس جداً حيال هذه المسألة”. وأخبرت ستيفان بأن فيجاي اتصل بها الساعة 11:00 مساء أحد الأيام بعد اطلاعه على نتائج استقصاء رأي الموظفين. وكانت الشركة قد طلبت من كل مكتب إجراء استقصاء سنوي، وتضمنت الآراء الكثير من التعليقات السلبية حول أسلوب فيجاي في الإدارة. وقالت أبارنا إن فيجاي قد انتقد نتائج الاستقصاء وأشار إلى أن جهوده لا تلقى التقدير المناسب، وأن هناك شركات أخرى ستقدر مواهبه.

وهنا سألها ستيفان: “هل يخاطب شركات أخرى؟”.

فأجابته: “أعلم أنه تلقى عروضاً جادة”.

زمّ ستيفان شفتيه. لم يكن هذا ما يريد سماعه.

سكتت أبارنا برهة، ثم قالت موجهة إليه النصح: “أعلم أنك لم تطلب نصيحتي، وقد يكون هذا منافياً للمنطق، لكنني لو كنت مكانك، ما تحدثت عن هذه المسألة على العشاء الليلة. لن يعجبه الكلام فيها. وركز على اجتماع العميل غداً”.

“كيف أتفادى الخوض في هذه المسألة؟ لقد أرسلتم لي تقريراً به بعض الأرقام الخطيرة. وتستلزم مهمات وظيفتي أن أحصل على إجابات شافية ومن ثم أعد تقريراً وأرفعه إلى فريق القيادة”.

“لكنك حصلت على الإجابات المطلوبة بالفعل، أليس كذلك؟”.

وفجأة رن هاتفها، ونظرت إلى الرقم.

ثم قالت: “يبدو أن سيارتك قد وصلت. هل أنت مستعد للذهاب؟”.

أجابها ستيفان: “أريد أن أمشي أولاً. وسأوافي السائق خلال بضع دقائق”.

تُرى، ما الذي يجب أن يقوله ستيفان لفيجاي على العشاء؟

رأي الخبراء

إيشان راينا (Ishan Raina): الرئيس التنفيذي لشركة “أو أو آتش” (OOH Media)، إحدى كبرى شركات الإعلانات الخارجية في الهند، ورئيس مجلس إدارة شركة “إيغنيتي ديجيتال سيرفيسز” (Ignitee Digital Services)، وهي شركة هندية لتقديم حلول التسويق عبر الإنترنت.

يمكن أن يسير أمر العشاء بين ستيفان وفيجاي بإحدى الطرق الثلاث التالية. فإما أن يتحدث ستيفان بصدق وحذر مع فيجاي، ويتفهم فيجاي الرسالة ويقرر البقاء، وهذا أفضل سيناريو على الإطلاق. صحيح أن هذا السيناريو قد يبدو بعيد المنال، لكنه ليس مستحيلاً.

وإما أن يرفض فيجاي أي تلميح بالنقد ويقرر الاستقالة، تاركاً لاستيفان محاولة وضع خطة عاجلة للاحتفاظ بالعملاء والحفاظ على الإيرادات. سيكون ذلك صعباً، لكن غالباً ما يعطي المرء الموظفين اللامعين، مثل فيجاي، أكبر من حجمهم الحقيقي. وعلى كلٍّ، فهذا ليس أسوأ سيناريو.

أما السيناريو الثالث فهو أن يقف ستيفان مكتوف الأيدي لا يفعل شيئاً ويترك المشكلة تتفاقم، وهذا أسوأ سيناريو على الإطلاق، لأن المكتب سيغرق بعد 3 أو 6 أشهر من الآن في اضطرابات أسوأ، وسيخسر فيجاي العملاء على كل حال، وليس فقط الموظفين فحسب، وحينها سيضطر ستيفان إلى مواجهة العواقب. وإذا لم يتحدث ستيفان مع فيجاي الآن، فهو بذلك يؤجل ما لا مفر منه.

حبذا لو تحدث ستيفان مع “ليمان هايلاندر” وكبار الشركاء الآخرين، ورتّب السيناريوهات المذكورة أعلاه، واكتسب ثقة الشركة في قدرته على التعامل مع الموقف وتطوير قدرات المؤسسة مع فيجاي أو دونه. لكن الوقت لا يسعفه لعمل ذلك كله قبل العشاء، وإذا تجاهل ما عرفه للتو من فريق مومباي، فسيهدر فرصة ثمينة لإصلاح الأوضاع. يجب أن يؤدي ستيفان عمله ويدير فيجاي.

من المهم أن يركز أي شيء يقترحه ستيفان على ما يريده فيجاي، وليس على ما يتوقعه الشركاء أو المستشارون المشتكون.

يجب على ستيفان أن يتوخى الحذر بطبيعة الحال. فإذا اعتقد فيجاي أن الشركة ستقف في طريق تقدمه بفرض قيود صارمة على تصرفاته، فسوف يستقيل بكل تأكيد. لذا يُنصح بعدم إخباره بأخطائه السلوكية، وأن يخاطب ستيفان غروره الذي يصوّر له أنه أحد ألمع العقليات في مجاله. يجب أن يبدأ المحادثة بسؤال فيجاي عن أهدافه بعيدة الأجل وتصوراته لمستقبله بعد 5 سنوات. وبمجرد أن يقول فيجاي إنه يريد تحقيق كذا وكذا، فهنا يأتي دور ستيفان في توضيح التغييرات التي يجب أن يجريها من أجل تحقيق هذه الأهداف. من المهم أن يركز أي شيء يقترحه ستيفان على ما يريده فيجاي، وليس على ما يتوقعه الشركاء أو المستشارون المشتكون.

وقد تعرضتُ شخصياً لمثل هذا الموقف، وكثيراً ما يحدث ذلك في قطاع الإعلان. فماذا تفعل مع شخص مرموق يحقق إيرادات ممتازة ولكنه يهدد استقرار مؤسستك؟ سبق لي أن أبديت ملاحظاتي مرتين لموظفَين متميزين مثل فيجاي، بطريقة راعيت فيها أعلى معايير الأمانة والمصداقية، وكانت النتيجة أن قرر هذان الموظفان مغادرة الشركة ليؤسسا شركتيهما الخاصتين. لكنني تمكنت لحسن الحظ من الاحتفاظ بعملاء شركتي في كلتا الحالتين، لأنني توجهت إليهم وأوضحت لهم أن شركتنا لا تزال تضم كوادر بشرية على أعلى درجات الكفاءة يمكنهم الاستمرار في أداء العمل بالجودة التي اعتادوها بعد رحيل الرئيس التنفيذي الذي كانوا يعتبرونه واجهة فريق العمل.

وحدث في حالة ثالثة أن قرر أحد الموظفين المتميزين البقاء على رأس العمل بعد أن أجريت معه محادثة صارحته فيها بكل الملاحظات. فقد استطعت حل المشكلة والحفاظ على الرجل في الوقت ذاته. لكنه لم يفعل ذلك من أجلي أو من أجل أي شخص آخر في الشركة، بل فعل ذلك من أجل مصلحته المهنية.

ولا تختلف المحادثة التي يعتزم ستيفان إجراءها عن أي مفاوضات، بمعنى أنه إذا لم يكن على استعداد لتقديم بعض التنازلات، فلن يحقق الفوز. لكنها مخاطرة تستحق المحاولة. فإذا كان هناك شخص قد يعرّض مؤسستك للتدمير، فيجب أن تتدخل وتعالج الموقف على الفور.

إريك أولسون (Eric Olson): الشريك الإداري العالمي لاستشارات القدرات القيادية في شركة “هيدريك آند ستراجلز” (Heidrick & Struggles).

لم يتباحث ستيفان مع توماس ليمان حول مستقبل فيجاي، وبالتالي فهناك حدود حقيقية لما يستطيع قوله على العشاء. وما لم يحصل على الدعم والمساندة، لن يستطيع مواجهة فيجاي بشأن أسلوبه في القيادة حتى لا يبدو كما لو كان يفسد الأمور.

وقد تعرضت لموقف كهذا بالضبط في الهند وغيرها من البلاد. وأستطيع أن أقول من واقع خبرتي العملية أن المستشارين المتميزين لا يتحولون فجأة إلى بُناة لفرق العمل. ومن الواضح أن فيجاي يفضل المغادرة على تغيير سلوكه، ويجب أن يتوقع ستيفان هذه النتيجة إذا احتدمت بينهما المواجهة على العشاء.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الشركاء جميعاً مطالبون بحسم قرارهم: هل يواصلون تطبيق نموذج العمل الحالي الذي يتمحور حول البطل الأوحد، أم أنهم بحاجة إلى شيء مختلف في المستقبل؟ أستخدم إطار عمل طورته شركة “سيرفيس بيرفورمانس إنسايت” (Service Performance Insight) والذي يصف مراحل النمو الخمس التي تمر بها أي شركة خدمات مهنية: البطولة، والتميز الوظيفي، وتميز المشاريع، وتميز المحفظة الاستثمارية، والتعاون. ومن الواضح أن مكتب مومباي لا يزال في المرحلة الأولى، وهو أمر ممتاز بالنسبة لشركة صغيرة لا تزال في بداياتها، لكن ارتفاع معدلات استنزاف الكوادر البشرية يؤثر على استدامتها.

ما لم يحصل ستيفان على الدعم والمساندة، لن يستطيع مواجهة فيجاي بشأن أسلوبه في القيادة حتى لا يبدو كما لو كان يُفسد الأمور.

لا يمكن بحال من الأحوال مطالبة ستيفان بإقناع فيجاي بأن يغير أسلوبه، ومن ثم تحميله خطر مغادرته الشركة، فهذا قرار مصيري لا يستطيع اتخاذه بمفرده. ولك أن تعلم أن توجيهات “توماس ليمان” كانت تنص قبل عامين على العكس، أي ضرورة الحفاظ على سعادة الموظف المتميز. وإذا كان ستيفان يؤمن بضرورة التغيير، فعليه أن يبدأ التمهيد لهذه القضية من المقر الرئيس للشركة في نيويورك. وقد يثبت استخدام نموذج مختلف جدواه، شريطة أن تتمكن الشركة من إجراء تدخل شامل يقنع فيجاي بالتأقلم معه أو أن ينجح الشركاء في تشكيل فريق قادر على تعويض الإيرادات التي ستضيع على الشركة في حال استقالة فيجاي. ولا يستطيع ستيفان القيام بأي من هذه الأشياء دون مساندة الشركاء الآخرين.

تُرى، ما الذي يجب أن يقوله ستيفان لفيجاي على العشاء؟ يجب أن تركّز المحادثة على أهداف فيجاي التي رسمها للمكتب وكيفية تحقيقها. ولا بد هنا من مراعاة أن ثقافة العمل في الهند تتحيّز بقوة إلى المنافسة والفوز، وبإمكان ستيفان استغلال هذه النقطة ومخاطبة فيجاي من هذه الزاوية. يمكنه أن يثني على النمو الذي شهدوه حتى الآن، ثم يحدثه عن مواصفات الشركات التي تفوز بمرور الوقت، كأن يوضح له مثلاً أن الشركات التي وصلت إلى أعلى مراحل التطور والاستقرار تتميز بانخفاض معدلات استنزاف الكوادر البشرية وارتفاع الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، وأنه رأى موظفين متميزين آخرين وصلوا إلى طريق مسدود لأنهم لم يتمكنوا من الأخذ بيد شركاتهم إلى مرحلة ما بعد الإيرادات. يمكنه أن يخبر فيجاي بأن هذا ليس ما تريده الشركة له.

كيف تتصرف في هذا الموقف؟

نصائح من مجتمع “هارفارد بزنس ريفيو”

“يجب ألا يناقش ستيفان هذه المسألة على العشاء لأن مناقشتها ستسفر عن آثار سيئة وسلبية على العمل على المدى المنظور. يجب نقل المشكلة بكافة تفاصيلها إلى المقر الرئيسي للشركة ومعالجتها هناك بالتعاون مع كبار الشركاء الذين يمكنهم التحدث إلى فيجاي بمجرد اتخاذ قرار بشأن مسار العمل”. – غوبالام دوكا، المدير الأول بشركة “أيه تي آند تي غلوبال بزنس سيرفيسز إنديا”. 

“يجب على ستيفان أن يستغل فرصة العشاء للاستماع إلى فيجاي وأحلامه للشركة ونفسه. فهذا سيعزز ثقة فيجاي بأن نموه وطموحاته مهمة لشركة “ليمان هايلاندر” وأن الشركاء الآخرين ينصتون إليه. وعندما يحين الوقت للتحدث إلى فيجاي، يستطيع ستيفان ربط طموحات فيجاي بالحاجة إلى فريق عمل سليم البنيان ويتمتع أفراده بالرضا”. – كارثيك دوريسامي، مدير التسويق بعدد من الشركات متعددة الجنسيات ومنها شركة “آي بي إم”.

“يمكن القول إن فيجاي شخصية نرجسية بمعنى الكلمة، وهذا يضر بالشركة أيما ضرر. فهو يعتقد أن المهمة الوحيدة للآخرين هي دعمه ومساندته في تحقيق أهدافه وأن احتياجاتهم أقل أهمية من احتياجاته. لذا أوصي بألا يبقى ستيفان إلى أن يحين وقت تناول العشاء، لأن فيجاي سيستغل الفرصة على الأرجح لرسم صورة خاطئة ومضرة تجعل الآخرين هم المشكلة، ما يعني أنه غير مطالب بالتغيير من أي نوع”. – أليغرا جوردان، المديرة الإدارية بشركة “إنوفيشن آبي” (Innovation Abbey). 

“لا تتمثل المشكلة في فيجاي. فهو يفعل ما يتقاضى راتبه من أجله، أي جلب العملاء وتحقيق الإيرادات. ويجب أن يتأقلم المستشارون مع سلوكه. وإذا فشلوا في التعامل مع مدير صعب المراس، فكيف سيتعاملون مع عميل شديد العدوانية أو صعب المراس؟” – آرثر دنت، كبير المسؤولين الإداريين بشركة “إم كيه إنترناشونال مانجمت كونسالتنتس” (MK International Management Consultants).

وبدلاً من استدعاء فيجاي لمحاسبته على سوء سلوكه، يمكن أن يقدّم له ستيفان تحدياً. يجب ألا يطلب من فيجاي التغيير لأنه لن يفعل. لكن بمقدوره أن يستثير شغف فيجاي بالفرص المتاحة لصقل مهاراته المتميزة بحيث تلائم المرحلة التالية من نمو المكتب. فهذا هو أسلوب الإدارة الجيد مع الموظف النجم صعب المراس، وإذا أخفق ستيفان في مهمته، فسوف يعود إلى المقر الرئيس محملاً برسالة صعبة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .