تابعنا على لينكد إن

التفويض باعتقاد كبار المديرين لا يزيد عن مجرد ضغطة على زر، فما عليك إلا أن تقدم ببساطة تعليمات واضحة عن المهمة المطلوبة للشخص المفوض ومن ثم تكون قد ألقيت عن كاهلك عبء المسؤولية على الفور، وربحت مزيداً من الوقت في جدول أعمالك.

إلا أن ذلك ليس إلا حلماً صعب المنال، أما الواقع فبعيد عن ذلك تماماً كما نعلم جميعاً، إذ تضطر كثيراً إلى التدخل في اللحظة الأخيرة لتدارك الموقف وتجنب فشل المهمة. لكن تدخلك هذا لا يتيح للموظف فرصة للتعلم. ولا يترك له المجال للتعامل مع عواقب أفعاله، ويحرمه من فرصة اكتشاف حلول مبتكرة. لكن الأمر الأخطر أنك تحبط بذلك روحه المعنوية، فيعتقد أنه مهما بذلك من جهد فإن عمله لا يرقى إلى الجودة الكافية.

خذ مثلاً كريم، المدير التنفيذي لشركة قيمتها ملايين الدولارات، ويتمحور جزء كبير من مهامه على التواصل مع العملاء والشركاء، ومنها إرسال الرسائل إلى أصحاب المصلحة الخارجيين عدة مرات في السنة. لكن جدول أعماله المزدحم يضطره إلى تفويض نائبه للاتصالات، عزيز، بكتابة تلك الرسائل. ويقدم عزيز تلك الرسائل أولاً إلى كريم من أجل المراجعة الأخيرة، فيضيف عليها ملاحظاته وتعديلاته العديدة بالخط الأحمر ويعيدها إلى عزيز، آملاً في أن يتعلم من تلك التعديلات ويحسّن كتابته في الرسالة التالية. لكن ما يحدث في الواقع أن مقدار اللون الأحمر يبقى نفسه في كل مرة. ويضطر كريم في النهاية إلى كتابة معظم رسائله بنفسه، وهو يشعر بالغضب لأن عليه العمل في عطلة نهاية الأسبوع لترتيب الأمور في اللحظة الأخيرة. وفي المقابل، يشكو عزيز من أنه مهما فعل وأبدع فإن كريم لا يعجبه عمله، وتأخذ تلك العملية وقتاً وتترك كل منهما محبطاً من الآخر.

سمعت خلال عملي كمدرّب تنفيذي، قصصاً كثيرة تشبه قصة كريم في العشرات من الشركات المدرجة في قائمة فورتشن 100، إذ يشكو قادتها من مطبات تفويض أعمالهم، ومن دورة الإحباط التي يقعون بها عندما لا يخرجون بالنتائج التي يبتغونها. لكن الحقيقة أن تكليف شخص آخر بمهمة معينة لن يسفر عن نتائج باهرة، بغض النظر عن مدى وضوح إرشاداتك الأولية. فإيجاد شخص مناسب لتولي مهمة جديدة يتطلب تحليلاً، وتقييماً لرد الفعل، وتعديلات تراكمية مستمرة. وربما يبدو أمراً غير متوقع أن تصرف وقتاً إضافياً في تدريب شخص على مهمة لم يكن لديك أصلاً الوقت الكافي لتوليها بنفسك، لكن الاستثمار في رعاية المفوض الصحيح يؤتي ثماره في تدريب موظفين أكثر قدرة ويوفر الوقت.

قمت بالاعتماد على البحث المعروف عن التعلم و”التسلسل الهرمي للمؤهلات”، بإعداد ما أسميته “مؤشر التفويض” لمساعدتك على تقييم مهارات الموظفين، وإرشادك في المهام المطلوبة مع المحافظة على تمكين الموظف ليكون مسؤولاً عن إنجازه النهائي. وينطوي ذلك على خطوتين. أولاً، تقييم مدى ما يعرفه الموظف بالفعل عن مهمة أو مشروع معين. فلابد أن تسأله بعض الأسئلة المباشرة مثل: “هل تجد نفسك مرتاحاً لأداء هذه المهمة؟ ما النهج الذي ستتبعه للتعامل معها؟ هل تشمل خطوات معينة لست واثقاً من إتقانك لها؟”

ثم فوّض الموظف بالمهمة حسب مستوى كفاءته. وإليك كيف تطبق الإرشادات، اعتماداً على خبرة الموظف الخاص بك:

نفّذ بنفسك

إذا كان موظفك يفتقر إلى الخبرة أو المهمة ولم يكتسب المهارات المطلوبة للمهمة، فإنه في وضع تسميه هرمية الكفاءة “غير واعٍ لعدم الكفاءة” وعليك في هذه الحالة أن تعلّمه بالطريقة التالية: نفّذ المهمة بنفسك للمرة الأولى واجعل الموظف المعني يلازمك كظلك خلال ذلك ليتعلم تنفيذها وحده في المرة التالية.

أعلِم

إذا أدرك موظفك أنه لا يعرف كيفية تنفيذ مهمة معينة، فسيكون في وضع “واع لعدم كفاءته”. وبإمكانك تسريع تقدمه نحو إتقان المهمة من خلال تشجيع التعلم الذاتي، وتنظيم التعلم بالطريقة التي تناسبه.

علّم

إذا كان الموظف المعني يجيد تنفيذ بعض الخطوات اللازمة لإنجاز مهمة معينة لكنك تكافح لتعليمه الخطوات الأخرى (وهذا يجعله في وضع بين وعيه بعدم كفاءته والمرحلة التالية وعي الوعي بكفاءته)، ركّز على شرح الأسباب له وبيّن له كيفية تنفيذ المهمة واشرح له لماذا تنفذها بتلك الطريقة المعينة. فتحديد الخطوات الفردية يكشف عن البنية الأساسية لكيفية مقاربة تنفيذ مهمة معينة.

اسأل

إذا كان موظفك يعرف كيفية تنفيذ مهمة معينة لكن عليه اتباع وصفة محددة بدلاً من فعل ذلك تلقائياً، فهذا يعني أنه يعي بأنه مؤهل. وكي تعمق فهمه للموضوع، أسأله عما تعلمه. فبعض الأسئلة المحددة، مثل “ما الفحوى الرئيسة لهذه العملية التي ستنفذها؟” قد تسمح له بإدراك أنه يعرف أكثر مما كان يظن.

ادعم

حتى إذا كان الموظف المعني قادراً تماماً على التعامل مع المهمة؛ أي أنه مؤهل دون أن يعي ذلك، فإن ذلك لا يعني أن تتركه من دون توجيه. فبرامج العمل تتغير، ويضع المستفيدون أولويات جديدة، بينما تتطور المشكلات، ولهذا دعه يعلم أنك مستعد لدعمه عند الحاجة.

لنعد إلى مثال كريم مع أخذ الخطوات السابقة في الحسبان. فبعد أشهر من الأداء الروتيني وتوقع نتيجة مختلفة، أثار كريم هذه المسألة خلال إحدى جلسات التدريب لدينا. وحددنا أنا وإياه المرحلة التي وصل إليها عزيز في تعلم كتابة الرسائل، حيث يرى أن عزيز يعرف أنه يرتكب الأخطاء لكنه لا يعرف كيف يصلحها. وكان جاي في وضع “نفّذ بنفسك” ضمن الإرشادات السابقة ولم يتطابق ذلك مع ما كان عزيز يتعلمه. فبدلاً من مساعدة عزيز في التعلم، كان كريم يتولى المهمة وهو غاضب من اضطراره لتنفيذ العمل بنفسه.

اقترحت على كريم أن يقوم بأمرين: أولاً، أن يبدأ عملية كتابة الرسائل في وقت أبكر، آخذاً في الحسبان منحنى التعلم الذي يحتاجه عزيز، وثانياً، طلبت منه إضافة التعليقات حيث يجد خطأً مع شرح لماذا يرى أن ذلك خطأ، بدلاً من ملء النص بالخطوط الحمراء والتعديلات، ويضع هذا جاي في وضع “التعليم”. استغرق الأمر أربع أو خمس تكرارات، لكن في نهاية المطاف تمكن عزيز من كتابة النص كاملاً، وتعلّم في العام التالي كتابة الرسائل التي ترضي كريم.

لا ريب أن جاذبية التفويض مغرية، ولا سيما عندما ننظر إلى الوقت الإضافي الذي يحرره. لكن المهام المفوضة لا تنتهي دائماً بنتائج نرضى عنها، فالتفويض مهمة مشتركة. ولا بد من تقييم مرحلة التعلم التي وصل إليها موظفك ثم توزيع حمل العمل عليه. وقد يستغرق ها مزيد من الوقت في البداية، لكن ستحصل على نتائج أفضل في المدى الطويل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz