يسود قول خاطئ إلى حد كبير مفاده أنّ لدى البعض "شخصية إبداعية" لا تتوفر عند البعض الآخر. لكن لم تجد الأبحاث المتصلة بالإبداع، على الرغم من عقود من البحث، ما يدل على وجود أمر مماثل. والحقيقة هي أنّ في إمكان أي شخص أن يكون مبدعاً إذا ما توافرت له الفرص والسياق المناسبين.

وإذا كنت تشك في ذلك، قم بدعوة الشخص الأقل إبداعاً في مكتبك إلى طعام الغداء، وليكن شخصاً لا إبداع لديه بالمرة. وقد تجد خلال حديثك معه وجود شغف مخفي لديه تجاه موضوع ما يعمل عليه لساعات بعد العمل ويبدع فيه. إنّ الأمر بكل بساطة هو أنه لا يستخدم تلك الطاقة الإبداعية في وظيفته اليومية.

لن يتحقق الإبداع ضمن مكان العمل لديك عبر البحث عن المزيد من المبدعين، بل سيحدث عبر إتاحتك الفرصة لمن يعملون لديك لإخراج ما لديهم من إبداع كامن، فنفس مجموعة الأبحاث المتصلة بالإبداع التي خلُصت إلى أنه لا توجد "شخصية إبداعية" متميزة تُجمع أيضاً وبشكل مذهل على أنّ الأمور التي تؤدي إلى إطلاق العنان للإبداع هي أمور يمكنك تطبيقها بالفعل ضمن فريقك. وفيما يلي ما تحتاج إلى فعله:

ازرع الخبرة

يرى الباحثون في مجال الإبداع، من خلال بحثهم المستمر على مدى عقود، أنّ الخبرة ضرورية للغاية لإنتاج عمل إبداعي بمستوى رفيع، ويجب أن تكون الخبرة بدورها محددة المجال أو النطاق. لذا، ومن أجل أن يبدع الشخص، عليه أولاً أن يغدو خبيراً في مجال معين.

أما سبب أهمية الخبرة فهو أنه لكي تفهم المشاكل الحيوية في ذاك المجال وما الذي يمكن أن يشكّل حلاً جديداً مهماً هناك، عليك التعمّق في دراسته بشدة. فعلى سبيل المثال، درس ألبرت آينشتاين الفيزياء بشكل مكثف لسنوات لفهم النموذج الفيزيائي الأساسي للزمان والمكان قبل أن يدرك أنّ هناك خللاً متأصلاً في ذلك النموذج.

ولكن كيف يمكنك زرع الخبرة؟ لقد درس خبير الأداء أندرس إريكسون هذه المشكلة على مدى عقود ووجد أنّ العنصر الأساسي فيها هو الممارسة المستمرة. وعليك هنا تحديد مكونات المهارة الخاصة بموضوع ما، ثم تقديم تدريب عليه مع تشجيع الموظفين على تحسين نقاط الضعف لديهم. ويجب أن يكون هذا التدريب أفضل من ذاك المتقطع الذي تقوم به معظم المؤسسات في العادة.

فقد حددت أمازون الكتابة مثلاً على أنها إحدى أكثر المهارات أهمية للأداء لديها. بالتالي، ولكي يتمكن الموظفون فيها من التقدم في سيرتهم المهنية، عليهم كتابة تقارير تتألف من ست صفحات، حتى لو كان الأمر يتعلق بميزات صغيرة في منتجاتهم الجديدة. ويتلقون باستمرار التدريب والملاحظات بشأنها فضلاً عن أن عليهم إتقان كتابتها إن أرادوا الترقي في الشركة.

ويمكن لأي شركة أن تقوم بما تقوم به أمازون وتنشئ سياسة كتابة التقارير الخاصة بها، لكنها لن تتمكن في الوقت نفسه من تكرار الالتزام الكبير في زرع الخبرة في مجال كتابة التقارير والذي عملت عليه أمازون لسنوات.

شجّع الاستكشاف

إنّ الخبرة العميقة في مجال معين ضرورية للغاية للإبداع الحقيقي، ولكنها ليست كافية. فقط انظر إلى أي عمل إبداعي حصل أمامك وستجد أنّ هناك نظرة ثاقبة جاءت من خارج المجال الأصلي. وغالباً ما تكون رؤى عشوائية هي على الأغلب ما حوّل عملاً تقليدياً إلى شيء مختلف تماماً. فعلى سبيل المثال، ألهمت زيارة عشوائية لبيكاسو إلى متحف تقديمه الفترة الأفريقية، في حين قضى تشارلز داروين سنوات في دراسة الأحافير والتفكير في التطور إلى أن عثر على مقال اقتصادي عمره 40 عاماً من تأليف توماس مالتوس ساعده على إطلاق نظريته في الانتقاء الطبيعي. وساعدت فلسفة ديفيد هيوم آينشتاين على وصوله إلى النسبية الخاصة.

وقد وجد فريق من الباحثين مؤخراً عمل على تحليل 17.9 مليون ورقة علمية أنّ العمل الأكثر الأهمية من المرجح أن يأتي من فريق من الخبراء يعملون في مجال ما مع اختصاصي قادم من مجال مختلف تماماً. ويقدم هذا المزيج من الخبرة والاستكشاف والتعاون أفكاراً مذهلة حقاً.

ويفسر ما سبق كيف نجحت سياسة جوجل التي تحمل العنوان "20% وقت" في الحصول على خزّان أفكار بشرية يقدم أفكاراً جديدة طوال الوقت. فمن خلال سماحها للموظفين بالعمل في مشاريع لا علاقة لها بعملهم الأصلي لفترة 20% من وقتهم، يمكن للأشخاص ذوي الخبرات والتجارب المتنوعة جمع جهودهم بطريقة من غير المرجح حصولها ضمن مبادرة مخطط لها من الشركة نفسها.

مكّن الأشخاص من استخدام التكنولوجيا

يروي والتر إيزاكسون، في سرده للسيرة الذاتية لليوناردو دافينشي، كيف كان أعظم فناني العصور الوسطى يدرس العلوم الطبيعة، من التشريح إلى التكوينات الجيولوجية، لاستلهام فنه. ومن الواضح أنّ ليوناردو كان عبقرياً سابقاً لعصره، لكنه فكر كم كان إبداعه ليغدو أكبر لو كان لديه محرك بحث عصري لائق في زمانه.

من الأمور التي يغفل ذكرها حول الابتكار هو مدى مساهمة التقنية في تعزيز الإنتاجية نظراً لتسهيلها تحقيق العاملين المذكورين أعلاه، وهما اكتساب الخبرة في مجال معين واستكشاف مجالات أخرى. كما أنها تفيد أيضاً في توفر الوقت ما يسمح بإجراء المزيد من التجارب.

ويمكنك رؤية مثال على ذلك فيما تقدمه شركة بيكسار، والتي كانت في الأصل شركة تقنية بدأت تصوير أفلام قصيرة لإظهار قدرات منتجها الأصلي والذي كان برنامج رسوم متحركة. إلا أنها، ومع تجربتها للتقنية، وجدت نفسها تخطو إلى عالم رواية القصص، الأمر الذي دفع الشركة إلى أن تصبح واحدة من أكثر الاستوديوهات نجاحاً في التاريخ.

وكما ذكر مؤسس شركة بيكسار إد كاتمول في مذكراته، "كرياتيف إنك": "في كل فيلم من أفلامنا، وعندما نبدأ، تكون البداية سيئة … ومهمتنا هي تحويله من سيئ إلى غير سيئ. وهذا هو الجزء الصعب". وتتيح التقنية هذا النوع من التكرار المستمر، وهو ما يجعل العمل الإبداعي العظيم ممكناً.

كافئ المثابرة

في كثير من الأحيان، نفكر في الإبداع كشرارة أولية رائعة تليها فترة تنفيذ بسيطة، ولكن كما يظهر من تعليق كاتمول أعلاه، فإنّ ذلك غير صحيح إلى حد كبير. ففي كتابه، وصف الأفكار المبكرة بـ "الأطفال الوقحين" مشدداً على وجوب حمايتهم من الأحكام المتسرعة عليها. ومع ذلك، تفعل معظم المؤسسات العكس، إذ عادة ما يتم قتل أي فكرة لا تقدم وعداً فورياً بالنجاح بسرعة ومن دون ندم.

وتعتبر آي بي إم بدورها إحدى الشركات التي تمكنت من كبح هذه النزعة، إذ يسعى قسم الأبحاث التابع لها دورياً إلى طرح أفكار قد تبدو غريبة وقبل وقت طويل من أن تكون قابلة للتطبيق تجارياً. على سبيل المثال، نجح فريق في شركة آي بي إم في إجراء أول انتقال كمي في عام 1993، عندما كانت الشركة في حالة مضطربة مالياً، ومن دون أي فائدة مالية على الإطلاق.

ومع ذلك، لم يكن البحث مكلفاً جداً، ما جعل الشركة تواصل دعم المشروع على مدار السنوات الخمس والعشرين الماضية. واليوم، تعد الشركة رائدة في مجال الحوسبة الكمومية _ وهي سوق قد تبلغ قيمتها مليارات الدولارات _ بسبب التزامها بالعمل في ذاك المجال. وهذا هو السبب في أنّ آي بي إم، وعلى الرغم من تأرجحها صعوداً وهبوطاً، لا تزال شركة مربحة للغاية في حين أنّ الكثير من منافسيها السابقين اختفوا منذ فترة طويلة.

كتب كيفن أشتون، الذي اخترع فكرة رقائق تحديد الهوية بموجات الراديو، في كتابه "كيف تجعل جواداً يطير" (How to Fly a Horse): "يمر إنشاء شيء برحلة طويلة تكون فيها معظم المنعطفات خاطئة ومعظم النهايات مسدودة. وأهم شيء يفعله منشئو المحتوى هو متابعة العمل. وأهم شيء عليهم تجنبه هو الاستسلام".

لكن في كثير من الأحيان، تقوم المؤسسات بالاستسلام، إذ يتوقعون أن يكون "أطفالهم" وسيمين منذ البداية، ويرون الإنشاء كحدث وليس كعملية، ولا يستثمرون في الخبرة أو الاستكشاف، ويرفضون تحمل المنعطفات الخاطئة والنهايات المسدودة. فهل من المستغرب وجود قلة قليلة قادرة على إنتاج الأشياء الجديدة والمختلفة كليّاً؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!