"أين ترى نفسك بعد خمسة أعوام من الآن؟". يتكرر طرح هذا السؤال المزعج نوعاً ما بصورة دائمة على الكثير من الناس، خصوصاً في مقابلات العمل. ويمكن أن يُطرح أيضاً في محادثة على هامش إحدى المناسبات الرسمية أو في حفل استقبال. لكن معرفة أهدافك المهنية والتحدث عنها هو أمرٌ صعب حتى لو كنت من أكثر الأشخاص تركيزاً وأعلاهم طموحاً. هل يمكنك حقاً معرفة الوظيفة التي ستشغلها أو التي سترغب أن تشغلها بعد خمسة أعوام من الآن؟

ما يقوله الخبراء

في عصرنا هذا، تمرّ السيرة المهنية ضمن عالم الأعمال بالعديد من المنعطفات والانحرافات وغالباً ما يكون مستقبلها غامضاً. يقول جوزيف وينتراوب أستاذ الإدارة والسلوك في المؤسسات ضمن كلية بابسون ومؤلف مساعد لكتاب "المدير المشرف: تطوير أفضل المواهب في الأعمال" (The Coaching Manager: Developing Top Talent in Business): "يصعب التنبؤ بما سيكون بعد خمسة أعوام في بيئة الأعمال الحالية، ولا يمكن لمعظم الشركات معرفة ما ستحتاجه بعد عامين أو ثلاثة". ولكن يتفق كل من وينتراوب وتيموثي بتلر، أستاذ زميل ومدير برامج تطوير المهن في كلية هارفارد للأعمال على ضرورة الاستعداد للإجابة عن هذا السؤال، مع صعوبة إعطاء جواب مباشر وصريح، ووجوب التعامل مع أية محادثة على أنها مقابلة عمل. يقول واينتروب: "كل شخص تتحدث إليه أو تقابله يُعتبر جهة اتصال محتملة حالياً أو مستقبلاً".

والخطوة الأولى لتخطي هذه المشكلة هي أن تتمكن من إجابة نفسك أولاً. يقول بتلر: "إنه سؤال صعب جداً. ويكمن في جوهره سؤال آخر وهو أين يمكنني إيجاد نفسي حقاً؟". إذن، عليك أن توضّح لنفسك ما الذي تطمح لإنجازه في مهنتك قبل أن تتمكن من التحدث عنه بثقة إلى الآخرين.

قم بمراجعة ذاتيّة عميقة

تُعتبر معرفة إجابة هذا السؤال مهمة شاقّة. يقول بتلر: "يكمن السرّ في استمرار العمل بجد للإجابة عن هذا السؤال. ولكن إن لم تفكر ملياً به إلا في هذه اللحظة فأنت في ورطة". وفي كتاب "تجنّب الفشل: دليل لاكتشاف مسار مهنتك التالي" (Getting Unstuck: A Guide to Discovering Your Next Career Path)، يشير بتلر إلى أهمية استعدادك للقيام بالمراجعة الذاتية الجادّة والتفكير ببعض نواحي حياتك التي لا تفكر فيها عادة. يقول واينتروب: "يبدأ الأمر بالتفكير في ما تجيده وما لا تجيده من الأعمال". فيمضي الكثير من الناس أوقاتهم في أعمال لا تناسبهم أو لا يستمتعون بها. وفي هذا الصدد، يقترح واينتروب أن تطرح على نفسك ثلاث أسئلة وهي:

1- ما هي قيمي؟

2- ماهي أهدافي؟

3- ما الذي أنوي القيام به لأصل إلى أهدافي؟

يساعدك هذا النوع من المراجعة الذاتية على تحديد رؤية مهنية للأعوام الخمسة القادمة. ثم يكون التحدي في أن تتمكن من شرح هذه الرؤية بدقة في عدة مناسبات: (مقابلة مع مديرك أو محادثة لبناء العلاقات عبر شبكات التواصل أو مقابلة عمل).

إذا كنت لا تعلم، فاعترف بذلك

ربما لا تستطيع إيجاد خطة محددة لنفسك حتى لو قمت بأعمق بحث في ذاتك، فهناك العديد من الأجزاء المتحركة في قرارات المسار المهني للإنسان، كالعائلة والوضع الاقتصادي والوضع المالي. وببساطة، يمكن ألا تعرف ماذا ستحمل إليك الأعوام الخمسة المقبلة. إضافة إلى ذلك، يخاف البعض من الظهور بمظهر الضائع بسبب عدم امتلاك الجواب المنمق والبراق، ويكون هذا صحيحاً في بعض الأحيان. يقول وينتراوب: "يؤمن البعض أنّ الإنسان الذي ليس لديه طموح لن يؤخذ على محمل الجد". ولكن ليس عليك التظاهر بامتلاك طموح أو اختلاق جواب يرضي من يسألك عنه، فهذا سيشكّل خطراً كبيراً عليك خصوصاً في مقابلة العمل. إذ يمكن أن تحصل على منصب المسؤول عن الأرباح والخسائر عبر ادّعاء أنك تطمح له دون أن يكون لديك في الحقيقة أيّ اهتمام به، ولكن هل ستكون سعيداً في نهاية المطاف؟ يقول وينتراوب: "تذكّر أنّ الهدف هو إيجاد العمل المناسب وليس إيجاد أيّ عمل. فأنت لن ترغب بالحصول على العمل لمجرّد أنك كنت جيداً في مقابلة التوظيف".

افهم حقيقة السؤال الذي يُطرح عليك

يتفق بتلر ووينتراوب على أنّ سؤال الأعوام الخمسة ليس سؤالاً مباشراً، ولكن يقول بتلر: "أنّ المدراء الراغبين بتعيين موظفين جدد يعتمدون عليه للحصول على عدد من المعلومات دفعة واحدة". ربما يرغب من يجري المقابلة بمعرفة ما إذا كان هذا الشخص سيستمر في العمل لديه بعد خمسة أعوام. ويقول أيضاً: "إنّ التقلبات مكلفة جداً، لذلك يُعتبر أحد أكبر همومي كمدير يبحث عن موظفين جدد هو العثور على شخص سيستمر في العمل لدينا مدة طويلة".

ثمّة سؤال ضمني أيضاً في سؤال الأعوام الخمسة، وهو ما إذا كانت الناحية العملية للمنصب ملائمة لك بحق، حيث يرغب من يجري المقابلة في معرفة إذا كنت ستستمتع بعملك ضمن المؤسسة. ويشير واينتروب إلى احتمال آخر، فيقول: "إنهم يحاولون فهم توجّه أهداف الشخص ومستوى طموحه". بتعبير آخر، إلى أي درجة تصل بطموحك؟. لذلك، قبل الإجابة فكر بما يريد السائل معرفته.

ركز على التعلم والتطور

من المحتمل أن تبدو متعجرفاً إذا أجبت عن هذا السؤال بأنك تأمل استلام منصب محدد في الشركة، بالأخص إذا كان من يجري المقابلة حالياً هو من يشغل هذا المنصب. يقترح بتلر أن تتفادى تسمية منصب معين وتجيب عن السؤال بما يتعلق بالتعلم والتطور، ما هي الإمكانات التي ترغب بتنميتها خلال الأعوام الخمسة المقبلة؟ مثلاً، يمكنك أن تجيب كالتالي: "لا يمكنني تحديد الوظيفة التي سأشغلها بعد خمسة أعوام، ولكن آمل أن أستطيع تطوير مهاراتي في وضع الاستراتيجيات وإدارة الأشخاص بصورة أكبر". هذه طريقة آمنة للإجابة بغض النظر عن عمرك ومرحلتك المهنية. يقول واينتروب: "إياك أن تعطي انطباعاً أنك اكتفيت من التعلم".

أعد صياغة السؤال

أظهرت البحوث أن الإجابة عن السؤال ذاته ليست مهمّة بقدر أهمية إعطاء إجابة منمقة. لذلك، حدد الأشياء الثلاثة التي تريد أن يعرفها عنك من يجري المقابلة عند دخولك إليها. واستعن بكل سؤال يطرح عليك، وليس سؤال الأعوام الخمسة فحسب من أجل إيصال رسائلك الثلاث إليهم. كما يمكنك اختصار الإطار الزمني للسؤال عن طريق قول أشياء مثل: "لا أعلم أين يمكن أن أكون بعد خمسة أعوام ولكن آمل أن أتمكن من جلب عدة زبائن هامين خلال عام واحد". يمكنك أيضاً انتهاز الفرصة للتعبير عن أكثر ما يثير حماستك في العمل الذي تتقدم إليه. يقول بتلر: "في أيّ بيئة تنافسية، يحصل على الوظيفة من يهتم فعلاً بالعمل ويستطيع التعبير عن اهتمامه".

مبادئ عليك تذكّرها

ما عليك القيام به:

  • أولاً، قم بالمراجعة الذاتية كي تحصل على إجابة لنفسك عن السؤال.

  • افهم ما يحاول من يجري المقابلة جمعه من إجاباتك.

  • اختصر الإطار الزمني للسؤال كي تتمكن من إعطاء جواب محدد ومنطقي أكثر.


ما عليك عدم القيام به:

  • اختلاق إجابة غير مقتنع بها.

  • تسمية وظيفة أو منصب محدد. بل عليك التركيز على أنك تأمل التعلم في المستقبل.

  • الشعور أنك مقيد بالإجابة عن السؤال المحدد المطروح. بل حاول أن توسعه لتستطيع التعبير عما تريد أن يعرفه عنك المدير الذي يرغب بتعيين موظفين.


دراسة حالة رقم 1: اعلم أين تبدع

علم بوب هالسي بشاغر منصب العميد المساعد لقسم دراسات البكالوريوس ضمن جامعة بابسون عن طريق إعلان بالبريد الإلكتروني كحال جميع من في الكلية. كان بوب يعمل في الكلية كأستاذ لمادة المحاسبة لمدة 12 عاماً واستلم مؤخراً منصب رئيس القسم. وقبل بدئه في التدريس عمل في عالم الشركات بمنصب مدير مالي ضمن شركة تصنيع وتجارة تجزئة، كما شغل منصب نائب رئيس مصرف كبير ومدير قسم القروض التجارية فيه.

شعر بوب أن منصب العميد المساعد مناسب له، لأنه كان مماثلاً للمنصب الذي أبدع فيه ضمن عالم الشركات. وبالتفكير ملياً بسنوات خبرته عرف أن أكثر ما كان يستمتع به هو العمل الذي كان له دور تشجيعي لا العمل الذي يكون فيه الشخص الأهم في المؤسسة. ولم يكن منصب العميد المساعد بالنسبة لبوب كما هو بالنسبة لمن يرونه خطوة كبيرة توصلهم إلى هدفهم في الحصول على منصب عميد الكلية، حيث لم يفكر بأن يكون محور الاهتمام لا الآن ولا مستقبلاً.

بالإضافة إلى ذلك، كان الجميع يحبون العميد الحالي دينيس هانو، وكان بوب يعلم أنه من غير المناسب التحدث مع لجنة الترشيح عن إقصاء دينيس في نهاية المطاف. وعندما سُئل بوب عن خططه المستقبلية كان واضحاً، حيث قال: "أنا لست قادماً بنية أن أُصبح عميداً. وإن غادر دينيس سأعمل على تسيير الأمور إلى أن يأتينا عميد جديد. لطالما كنت بارعاً في المرتبة الثانية. فأنا من يمكنه جعل الشخص الذي سيكون في المرتبة الأولى ناجحاً".

قال وينتراوب، الخبير الذي أتينا على ذكره آنفاً، وهو عضو في اللجنة: "شغف بوب بهذا المنصب كان واضحاً، وأثارت صراحته إعجاب اللجنة". كما أكد أن بوب سيبدو وكأنه يفتقر للطموح لو كان في ظروف مغايرة، ولكن جوابه في هذه الحالة بالذات جعلهم يدركون أنه الشخص المناسب لهذا العمل.

يقول بوب: "عندما يرغب المرء بشدّة في وظيفة ما، يميل إلى الإكثار من الوعود، ولكنني عرفت أن الحصول على المنصب عن طريق قطع وعود كاذبة لن يكون أمراً جيداً بالنسبة لي. كان ما يدفعني للحصول على هذا المنصب هو رغبتي بالعمل إلى جانب دينيس والتعلم منه".

واليوم، مضى ما يقارب العام على استلام بوب منصب العميد المساعد، ووجد السعادة التي كان يبحث عنها.

دراسة حالة رقم 2: كن صادقاً بشأن المستقبل:

منذ ثلاثة أعوام، كانت مارغريت كوانت تعمل كمسؤولة متعددة الاختصاصات في قسم الموارد البشرية ضمن شركة بريستول مايرز سكويب عندما اتصل بها زميل سابق يعمل في شركة سيتي غروب ليسألها إن كانت مهتمة في التقدم لوظيفة مسؤول متعدد الاختصاصات ضمن سيتي غروب. عندها، لم تكن مارغريت واثقة أنها ترغب بالاستمرار في هذا المسار طويلاً. وعرفت أنها كانت تريد نيل المزيد من الخبرات الاختصاصية، إذ تقول: "لقد انخرطت في الموارد البشرية لأكون أخصائية في هذا المجال، لا مسؤولة متعددة الاختصاصات". ولكن زميلها الذي اتصل بها أخبرها أنه يمكن وجود فرص للعمل في أعمال اختصاصية أكثر مستقبلاً، فقررت التقدم للعمل.

أجرى برايان مقابلة العمل معها، وهو النائب الأول لرئيس قسم حلول الدفع التجارية الذي تتقدم مارغريت للعمل فيه، وهو مدير طموح للغاية، وبحكم لمنصبه، كان مسؤولاً بالكامل عن الأرباح والخسائر.

طرح برايان على مارغريت خلال المقابلة سؤالاً: "هل ترغبين باستلام إدارة قسم الموارد البشرية يوماً ما؟"، فأجابته بأنها لا تعرف، ولكن عندما لاحظت ردة فعله حين تغيرت لغة جسده على الفور وعدّل وضعية جلوسه على كرسيه، قامت بإعادة صياغة جوابها وقالت: "نعم، أرغب بذلك كهدف ودافع ملهم لي، ولكنني أحب التعليم والبحوث أيضاً. أنا امرأة يافعة في عمر الإنجاب، وعملت مع ما يكفي من النساء في قسم الموارد البشرية لأدرك أننا لا نستطيع دوماً فعل ما نحلم به. ومن الصعب عليّ في هذه المرحلة من مسيرتي المهنية أن أنظر أبعد من ثلاثة أعوام من الآن". صمت برايان برهة طويلة من الزمن ثم قال: "هذا أحد أصدق الأجوبة التي سمعتها". خافت مارغريت بعد المقابلة أن تكون ضيّعت الفرصة، ولكنها كانت سعيدة بصراحتها، وتقول: "أنا لا أكذب في مقابلات العمل".

حصلت مارغريت على العمل، وبعد تعيينها بفترة قصيرة اعترف لها برايان أن جوابها أقلقه في البداية، ولكن عندما فكر فيه مليّاً وجد أنه منطقي جداً، وجعله يدرك أن مارغريت كانت حكيمة وجادة في عملها.

عملت مارغريت كمسؤولة متعددة الاختصاصات للموارد البشرية في قسم برايان لمدة 17 شهراً، ثم حصل ما كانت ترجوه وترقّت إلى منصبها الاختصاصي الحالي في إدارة برنامج عالمي لتطوير قيادة المدراء أصحاب الأداء المميز.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!