تابعنا على لينكد إن

أكدت الأبحاث الأكاديمية كلمتها بكل وضوح، في بيئة العمل التنافسية التي يسيطر عليها الرجال تاريخياً وفي ثقافة العمل التي لا خيار فيها سوى التقدّم أو الفشل، تحقق المرأة دخلاً أكبر وتتمتع بقدرة أسرع في الحصول على الترقية المهنية لو كان يدعمها مرشد رجل. والمرشد حين يكون عظيماً يقدم مجموعتين من مهام الإرشاد أولها: المهام النفسية الاجتماعية، والتي تتضمن التشجيع، والصداقة، والدعم العاطفي. وثانيها: المهام المتعلقة بالوظيفة، والتي تتضمن التعليم المباشر، والدعم، والتدريب، وتعزيز وجود الموظف وتوسيع علاقاته مع الآخرين، وتقديم شيء من التحدي للتعامل معه. ولكن للأسف ثمة أدلة تشير إلى أن العديد من الموظفات اللواتي يتعاملن مع مرشدين لا يحصلن على تجربة كاملة حين يتعلق الأمر بخوض تحدّ جديد، ولاسيما بالمقارنة مع الأقران الذكور.

ومن المعروف أن المرشد المتميز يدفع ويتحدى ويواجه الشخص الذي يختار إرشاده، ويحرص على أن يضع أمامه أو أمامها التحديات ليفعل ويختبر أموراً يتجاهلها أو يتجنبها عن قصد. ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية عند النظر في التحديات والمحن التي تمر بها الموظفة في الشركات التي تكون السيطرة فيها للرجال.

وفي مقابلاتنا مع سيدات ناجحات في وظائفهن المهنية، أكد العديد منهنّ على أهمية وجود داعم من الرجال ليقدم لهنّ التقييم المباشر والنقدي. فحين تقدمت نقيب البحرية تابيثا ستروبل، وهي واحدة من أوائل النساء اللواتي انضممن لوحدة الغواصات البحرية الأمريكية، لأداء الخدمة. تعمّد المرشدون المتابعون لها عدم معاملتها معاملة أقل من نظرائها الرجال، ولذا أوكلوا إليها نفس ما يوكل إلى الرجل من الواجبات والمسؤوليات الصعبة، وكل ذلك من أجل تعزيز قدرتها وتحملها عند مواجهة أي مصاعب حقيقية يمكن أن تطرأ أثناء العمليات. كما هنالك سوزان شايمبرز، نائبة الرئيس في شركة “والمارت” الشهيرة، والتي احتاجت لفترة من الزمن لتدرك أن التحديات المستمرة التي يفرضها عليها مرشدها كانت مجرد تعبير واضح عن رعايته لها والتزامه بمصلحتها، فتقول: “لقد ألزمني بتلك المعايير والتوقعات الكبيرة، وكان يتوقع مني أن أتحرك بسرعة أكبر وأن أحقق أكثر في كل مرة. وفي لحظة ما شعرت بأنه غير منصف، ولكن حين أتذكر تلك الفترة أدرك أنه لولا ذلك لما تمكنت من الوصول إلى المنصب الذي أشغله اليوم. ولو لم يقف جانبي لما تمكنت من تجاوز التحديات التي مررت بها”.

وعليه، نرى أنّ تعريض الموظفة التي تكون تحت إشرافك للتحديات أو إلزامها بمهام جديدة أو مثيرة للقلق ليس بالأمر السهل، كما ليس من السهل مواجهة هؤلاء الموظفين الذين يتجنبون التحديات أو ينجزون مهامهم دون تحقيق الحد الأقصى من إمكاناتهم. لكن هذا هو ما يميز المرشد القوي عن سواه. إذ هنالك العديد من الرجال الذي يتجنبون الضغط على الموظفات بالقدر الذي يضغطون به على الموظفين في عملية الإرشاد والرعاية. فلماذا يتعامل المرشد الرجل مع المرأة كما يتعامل مع الطفل في مكان العمل؟ هنالك ثلاثة أسباب على الأقل تفسر هذه الظاهرة.

السبب الأول: هو أن الرجل يضمر عادة صورة نمطية عن قدرات المرأة وإمكاناتها. حيث تربّى الرجل في المجتمع على أن المرأة رقيقة وغامضة وأقل قدرة وعزيمة أمام التحديات. وحين نجد تلك التحيزات الضمنية عن هشاشة المرأة قابعة ضمن لاوعي الرجل، فإنه سيميل إلى التقليل من قدرات المرأة على تحمل الضغط والتعامل مع التحديات.

السبب الثاني: هو أنّ العديد من الرجال يتصرفون وفق بعض التوقعات الاجتماعية فيما يخص العلاقة مع المرأة، وهي توقعات تعود إلى العرف السائد في التعاطي مع مسألة الجندر والتجربة مع نماذج معينة تأثر الرجل بها. هذه النماذج “الذكورية” مألوفة لدى معظم الناس، فهنالك صورة الأب والبنت، وصورة الفارس الشهم والفتاة التي تتعرض للخطر. وفي العديد من الأحوال يستحضر الرجل هذه النماذج للحد من توتره حول كيفية تعامله كمرشد مع الموظفة التي يهتم لأمرها في العمل. ولكن ربما ينجم عن هذه التصورات نتائج سلبية، حيث تؤدي إلى المبالغة في حماية تلك الموظفة أو الإسراع لمساعدتها في الوقت الذي يكون جلّ ما تريده الموظفة هو دفعة جدّية لخوض تجربة جديدة تثير لديها الخوف، أو أن يتم مواجهتها بكل صراحة عن الإنجاز الذي يجدر بها تحقيقه. إذ توضّح روهيني أناند، نائبة الرئيس الأول في شركة “سوديكسو” (Sodexo)، خلال معرض تعليقها حول علاقاتها في تلقي الإرشاد والرعاية من كبار المدراء الذكور، “كنت بعيدة عن الملاحظات النقدية من المرشدين الذكور، في حين لم تكن هذه الحال مع من تعاملت معهن من مرشدات”. حيث تقول أناند: “حين أنظر لأحدد تلك الأمور التي لم يقم بها المرشدون بالشكل الذي أخّرني عن تحقيق النجاح، فإنني أرى أن ما افتقدته ألا وهو التقييم الجاد والملاحظات النقدية. وحين أفكر بدور المرشدات اللواتي ساعدنني في مناصبي السابقة، أذكر أنهن كن يقدمن لي ملاحظات جيدة جداً بشأن الجوانب التي يلزمني أن أطوّر نفسي بها”.

السبب الثالث: هو أن بعض الرجال يتجنبون وضع المرأة في زاوية التحدي لأنهم يخشون أن تأخذ الأمر بحساسية وتبكي. لكن حين يتراجع المرشد عن أداء دوره ولا يقدّم التحديات لتلك الموظفة المسؤول عنها، أو يلطف لها الكلام حين يقيّم أداءها، فإنه في واقع الأمر يخيّب أمل من يشرف عليهن فيما يتعلق بتحضيرهن للتحديات في المستقبل. ولعل أوضح ما يكون عليه هذا الأمر هو عند وضع أفراد الخدمة العسكرية الإناث في التدريبات المكثفة والقاسية على التحمل والمراوغة والمقاومة والهرب. فقد تم إعداد هذه التدريبات خصيصاً لتدريب الطيارين على تجنب الوقوع في الأسر وعدم الرضوخ أثناء التحقيقات في حالة إلقاء القبض عليهم من العدو. وسمعنا من بعض المدربين في هذا البرنامج أن بعض الزملاء كانوا يتراجعون ويتوقفون عن الضغط بمجرد أن تبدأ إحدى المتدربات بالبكاء في جلسات التحقيق التدريبية. إذ من المعروف أن الرجل نشأ وتطور بطريقة تدفعه إلى الشفقة والحماية حين يرى المرأة تبكي. والجدير بالذكر هنا أن بعض الرجال أيضاً انهاروا باكين أثناء التحقيقات، لكن بخلاف ما حدث مع النساء، فإن المدربين ازدادوا قسوة مع من بكوا منهم. أما الآن فيتلقى المدربون في هذا البرنامج تعليمات واضحة وتأهيلاً مستمراً للتأكد من خضوع المتدربة لضغط لا يقل عن الذي يتعرض له نظيرها المتدرب، وإلا فإن ذلك سيعرضها للخطر في أرض المعركة.

إذن ما الذي يجب على المرشد تقديمه للموظفة التي يرغب في دعمها؟

لا بد من معرفة أن إثارة التحديات وتقديم التعليقات النقدية لا يتعارض مع العطف والرعاية.

حيث أنّ الأسلوب الأول يكون أكثر فعالية حين يقدّم كتعبير عن العطف والرعاية. لأن الموظفة التي تشرف عليها ستدرك أن ذلك التحدي الذي يقصد منه تحفيز التطور هو تعبير عن الرعاية والالتزام من قبل المرشد، ولاسيما إن شعرت منه بتعاطفه تجاهها وإخلاصه ونظرته إليها بنحو إيجابي غير خاضع لشروط. ووفقاً لما يراه عالم النفس الاستشاري المرموق كارل روجرز، فإن التعاطف يساعدنا على تعلم الاستماع إلى المتدربين وفهمهم. ولكن الحزم والإلهام حين يكونان نابعين من التعاطف والقبول غير المشروط للآخر يخلقان أساساً متيناً للعلاقة التي يتخللها بعض النقاشات الصعبة دون أن تستدعي اتخاذ موقف دفاعيّ. فالتقييم البنّاء يتجنب إلقاء الأحكام على المتدرب أو النيل من مهارته.

تجنب الادعاء وكن على طبيعتك مع من تشرف عليهنّ

فالمرشد الصادق يعزز الثقة والالتزام في الجهود التي يبذلها في إرشاد الآخرين، وذلك لأنه ببساطة يظهر الانفتاح والصراحة بشأن الأخطاء والتقصير، ويعترف دوماً بحدود معرفة الإنسان وخبراته. كما يمكن من خلال مشاركة قصص شخصية حول العوائق التي واجهتنا في مسيرتنا المهنية وضع أساس متين لعلاقة قائمة على أرض صلبة من الثقة والصراحة، وهو ما يجعل من السهل تقديم التقييم والملاحظات النقدية البنّاءة للطرف الآخر. ويمكن القول بعبارة أُخرى أنّ تواضع المرشد الصادق هو ما يمنحه الحق في تقديم النصيحة للموظفة التي يرشدها وإن كانت قاسية وصعبة كي يساعدها على تعزيز أدائها وتنمية مهاراتها.

التقدير غير المشروط يعطي من تشرف عليها إشارة بأنك حليفها وتقف في صفها في كافة الظروف حتى لو تعثرت.

يصف روجرز التقدير غير المشروط بأنه التعبير عن التقبل الحسن لخبرة الشخص، والاعتزاز به كزميل له مكانة خاصة، بغض النظر عن مستواه المهني. ولكي تقوم بمهمتك بفعالية كمرشد، عليك أن تمتلك المهارة في تقديم تقييم ومراجعة مباشرة وصادقة وبنّاءة، ولكن عليك فعل ذلك بدقة وحرص. فليس هنالك أي داع للغضب أو التشهير في علاقة المرشد بمن يشرف عليهم. كما عليك تذكر أن التعاطف والصدق والاحترام يخلق الثقة المطلوبة لوضع من تشرف عليها في مواقف صعبة تعزز تطورها بالإضافة إلى تصحيح مسارها إن لزم الأمر.

لا تتجنب وضع من تشرف عليها أمام تحديات جديدة حتى لو شعرت أنها تحاول تجنبها.

المرشد الحازم يأخذ ما يلزم من وقت لتحديد نقاط القوة والضعف عند من يشرف عليهم، ثم يقوم بناء على ذلك، بدفعهم للتطور وصقل المهارات المطلوبة لإحراز النجاح. وعليك أن تذكر تحضير الموظفة التي تشرف عليها لتكون قادرة على التعامل مع تحديات واختبارات المستقبل، لأنه لن يكون أمراً ممتعاً دوماً. فإن لم يقم المرشد ببناء مقدرتها على المواجهة والتحمل، فمن سيفعل لها ذلك؟ وفي حين أن مصارحة من تشرف عليها بشأن المهام التي تسبب لها القلق أو تشكّل تحدياً ربما يسبب الانزعاج والتوتر، أو حتى الرعب في بعض الأحيان، إلا أن المشرف المتميز يعلم متى يدفع من يشرف عليهم خارج مساحة الراحة التي اعتادوا العمل فيها. وفي نهاية المطاف ليس ثمة بديل عن الوقوف أمام التحديات وخوض التجارب الجديدة من أجل تجاوز الرهبة والتوتر.

أخيراً، يُعتبر التأكيد على النقاشات الحساسة باعتبارها ضرورة للأفراد الذين نشرف عليهم الخطوة الأولى لتحضيرهم من أجل النجاح. والمشرف المتميز هو الذي يتعاطى مع هذا الواجب بشجاعة أخلاقية والتزام واضح وهو الذي سيسمع من الذين يشرف عليهم عبارات التقدير والوفاء حين ينجحون في الوصول إلى مناصب عليا في العمل، أو التميز في مسيرتهم المهنية على نظرائهم الذين لم يتلقوا الدعم ولم يلاقوا في طريقهم أية تحديات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة-

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz