عندما نسمع الناس وهم يتحدّثون حول كفاحهم من أجل المحافظة على التوازن بين العمل والحياة الشخصية، فإنّ قلوبنا تهبط في صدورنا. قال مدير تنفيذي لإحدى الشركات ذات الأداء الرفيع التي درسناها: "إذا كان العمل والحياة الشخصية أمرين منفصلين، وإذا كان العمل هو الذي يمنعك من عيش حياتك الشخصية، عندئذ نحن إزاء مشكلة خطيرة". في أبحاثنا التي أجريناها حول ما اسميناه "المؤسسات التي تمارس التطوير بشكل مدروس" حددنا المؤسسات الناجحة التي تعتبر هذه المفاضلة بين الحياة الشخصية والعمل زائفة. فماذا لو نظرنا إلى العمل على أنه سياق ضروري للتطوير الشخصي؟ وماذا لو افترضنا أنّ التطوير المتواصل للموظف هو بمثابة مكوّن أساسي لنجاح أي شركة؟

إنّ الشركات التي اسميناها "المؤسسات التي تمارس التطوير بشكل مدروس" تعمل وفق قناعة بسيطة ولكنها قناعة جذرية، إذ تقول أنّ أي مؤسسة لا يمكن أن تزدهر ما لم تكن ثقافتها مصممة من القاعدة إلى القمة لتمكين المؤسسة من التطوير المتواصل لجميع موظفيها. فما الذي يعنيه هذا الكلام؟ هذا يعني أنّ الشركة لن تتمكّن من تلبية تطلعاتها التي في النمو ما لم يكن موظفوها ينمون دائماً من خلال عملهم.

فما هو شكل العمل في شركة من هذا النوع؟ تخيّل أنك تذهب إلى المكتب كل يوم وأنت تعلم أنه إضافة إلى عملك على مشاريع الشركة ومشاكلها، فإنك ستعمل على تطوير ذاتك. وفي أي اجتماع، قد يُطلب منك إحراز تقدّم في التغلّب على نقاط ضعفك المتمثلة في كل ما يعترض سبيلك ويحد من فعاليتك في العمل.

سواء أكنت شخصاً يتحاشى المواجهة، أو يتصرّف قبل أن يفكّر في الأمر ملياً، أو يصبح شديد العدائية عندما تتعرض أفكاره إلى النقد، فبوسعك أنت وزملاءك توقع العمل على تحديد هذه الأنماط والتغلّب عليها كجزء من أدائك لعملك على أحسن وجه. وخلال الاجتماعات، سواء الاجتماعات الفردية أو تلك التي تأتي في السياق الطبيعي ليوم العمل، فإنك ستبحث عن الأسباب الجذرية لهذه الأنماط وتصوغ طرقاً مختلفة للتصرف.

في "المؤسسات التي تمارس التطوير بشكل مدروس" تتعلّق الأسباب الجذرية دائماً وغالباً بالحياة الداخلية للشخص، أي الافتراضات غير الخاضعة للتدقيق وأساليب السلوك الاعتيادية. وليس هناك مدير تنفيذي أو قائد محصن من العملية التحليلية ذاتها. وعندما يتعلّق الأمر بالتطوير المتواصل، فإنّ المرتبة الوظيفية للشخص تفقد مزاياها المعتادة.

في المؤسسات العادية، يقوم كل شخص بأداء وظيفة ثانية لا يدفع له أحد أي مال مقابل أدائها، ألا وهي إخفاء نقاط ضعفه وعيوبه والتعامل مع انطباعات زملائه الجيدة عنه والمحافظة على موقع سيكون أكثر اهتزازاً إن لم يراه الناس دائماً في أفضل حالاته. أما في "المؤسسات التي تمارس التطوير بشكل مدروس"، فإنّ هذا يعتبر أكبر عامل لتبديد الموارد في حياة أي مؤسسة.

تخيل لو أنك عملت في مكان لا تعتبر فيه النواقص الموجودة فيك معيبة، وإنما ينظر إليها على أنها طاقة كامنة من أجل النمو المتواصل، حيث تعتبر تحديات العمل بمثابة فرص جديدة لقياس مدى قدرتك على اتخاذ مقاربة أكثر فعالية في حل المشاكل، وبوسعك مهما كنت فعالاً في عملك، أن تواصل تحسين قدراتك إلى مستويات لا نهاية لها.

إحدى الخلاصات التي توصلنا إليها من خلال العمل مع الشركات التي تتطلع إلى بناء ثقافة رفيعة الأداء، تتلخص في هذا السؤال: هل ستقتصر في تطوير موظفيك على جلسات تدريبية تقام لمرة واحدة فقط، وبرامج لرفع القدرات وما شابهها، إذا كان بمقدورك جعل عمليات مؤسستك بحد ذاتها مناهج تدريسية وجعل شركتك واحدة من أجمل الصفوف الدراسية الممكنة في قطاعك؟

ليس من السهل دائماً أن يكون المرء جزءاً من هكذا مؤسسة. غير أنّ البيئة التي تنشأ من خلال التركيز على تطوير مكان العمل بصورة شاملة (لجميع المراتب والوظائف) ومتواصلة (وبالتالي تأخذ شكل العادة) يمكن أن تطلق العنان لبعض الصفات المفاجأة مثل التعاطف وفحص الذات والتضامن المؤسسي. هذه الصفات تقود إلى نوع مختلف من الحيوية في مكان العمل: أي تحقيق التكامل بين العمل والحياة الشخصية عوضاً عن الموازنة بينهما.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!