لطالما تطلّب تحديث الشركات محاولات متكررة من التجريب والفشل إلى جانب استخدام بيانات الأداء الراهن من أجل تحسينه مستقبلاً. ولذلك من غير المفاجئ أن تسعى الشركات في عصر المعلومات هذا إلى الاستفادة من أكبر قدر ممكن من المعلومات لتحسين منتجاتها. ولكن هنالك نقاش مستجد على الساحة يدور حول الآثار التنافسية للبيانات الضخمة. إذ يجادل بعض المراقبين في أن الشركات التي تكدس كماً مبالغاً فيه من البيانات قد تعيق المنافسة، وأنه يتعين على أنظمة مكافحة الاحتكار اتخاذ إجراء احترازي بتخفيض حجم "البيانات الضخمة" المسموح بتخزينها وتحويلها إلى "بيانات متوسطة الحجم"؛ في حين يرى آخرون أن لا شيء جديد هنا، وأن قوانين المنافسة سارية المفعول وقادرة على التعامل مع أي مشاكل قد تنشأ.

ومن بين الأشخاص الداعمين لتشديد قوانين مكافحة الاحتكار في مجال البيانات أستاذ القانون "موريس شتوكة" ومحامي مكافحة الاحتكار "ألن غرونس"، اللذان عبّرا عن ثلاثة مخاطر مترابطة للبيانات الضخمة في كتابهما "البيانات الضخمة والسياسة التنافسية" (Big Data and Competition Policy). ينبع الخطر الأول كما يرى الكاتبان من أنّ السماح للشركات بالتحكم بكميات كبيرة من البيانات يشكل عقبات وحواجز في وجه المنافسين المحتملين الذين لا يمتلكون ما يكفي من البيانات لتطوير منتجات تنافسية. وانطلاقاً من هذا المنطق، ينبغي مكافحة صفقات الاستحواذ الكبرى كصفقة شراء تطبيق "واتساب" من قبل شركة فيسبوك، إذ إنّ السماح لشركة مسيطرة في امتلاك المزيد من البيانات من شأنه أن يفاقم سيطرتها على السوق.

وثانياً، يؤكد أنصار هذا الرأي أن قوانين مكافحة الاحتكار الراهنة لم تعد اليوم مناسبة لمكافحة الأخطار التي تهدد المنافسة، والناجمة عن الكم الهائل من البيانات المتراكمة لدى الشركات. ولعل من أهم الأسباب التي تجعل إجراءات مكافحة الاحتكار التقليدية تركز فقط على أسعار المنتجات والخدمات هو أن من مصلحة الشركات التي تستحوذ على حصة كبيرة من السوق أن تخفض الإمدادات وترفع الأسعار. ولكن مع وفرة الخدمات "المجانية"، قد تجد السلطات المختصة صعوبة أكبر في تقييم التبعات التنافسية غير عامل السعر، كعامل تخفيض جودة المنتج أو عامل حماية الخصوصية.

وأخيراً، يرى بعض من يخشون البيانات الضخمة من منظور مكافحة الاحتكار أن قوانين حماية المستهلكين لم تعد مناسبة، لأن إجراءات حماية الخصوصية نفسها تتبع لشدة المنافسة التي تواجهها الشركات، ولذلك يتعين على أنظمة مكافحة الاحتكار أن تشارك بشكل فعال في حماية الخصوصية.

غير أنّ البعض الآخر من اختصاصيِ مكافحة الاحتكار لا يرون داعياً للقلق من أن الشركات التي تمتلك كميات كبيرة من البيانات ستحصل بالضرورة وبشكل تلقائي على حصص أكبر في السوق. فعلى سبيل المثال، درست الباحثتان في مجال الاقتصاد "أنيا لامبريشت" و"كاترينة توكر" أنماط استخدام البيانات ولم تجدا أي "إثباتات وازنة على أن مجرد امتلاك البيانات الضخمة يمثل حماية كافية لمالك تلك البيانات في مواجهة العروض المنافسة الأفضل". وذلك لأن هنالك سوق نشطة لبيع وشراء جميع أشكال البيانات المختلفة، ولقد سهلت التكنولوجيا الحديثة على الوافدين الجدد إلى السوق جمع البيانات التي يحتاجونها وتخزينها وتحليلها. وعلاوة على ذلك، إذا كان امتلاك كميات كبيرة من البيانات ضرورياً بالنسبة لوافد جديد إلى السوق لكي ينافس بنجاح، فإن ذلك لا يشكل بالضرورة ميزة تنافسية غير منصفة. فكثير من القطاعات ترتب على الوافدين الجدد إليها تكاليف دخول كبيرة، فنحن لا نقول إن شركتي فورد ودايملر تمتلكان ميزة تنافسية غير منصفة، فقط لأنه يتعين على الشركات المنافسة أن تبني مصانع مكلفة جداً قبل أن تتمكن من بيع سيارة واحدة من إنتاجها في سوق السيارات.

وبالنسبة للخدمات المجانية، حيث لا مجال للتنافس بالأسعار، فبينما تمتلك شركات مثل فيسبوك وجوجل وتويتر حصصاً كبيرة جداً في الأسواق الاستهلاكية مقابل العروض الخدمية الضيقة التي توفرها تلك الشركات، إلا أن الأسواق بحد ذاتها لها وجهان – ولعل الوجه الذي يسمح لتلك الشركات بأن تكسب الجزء الأكبر من إيراداتها هو وجه الإعلانات التي تمتاز بالمنافسة الشديدة ومواجهة منافسين أقوياء وإجراء تقييمات الأداء النسبي فيما بين الجهات المعلنة بصورة مستمرة. ولذلك ففي هذه الحالة لا مبرر فعلاً لدواعي القلق التقليدية من خطر إساءة الاستخدام، كاللجوء إلى التسعير تحت هامش التكلفة وربط المنتج، بل على العكس من ذلك، حيث إنّ من شأن تلك الإجراءات أن تعزز المنافسة وتفيد المستهلكين.

وفيما يتعلق بالخصوصية، فإن أولئك الذين لا يؤمنون بأن مجرد امتلاك الكثير من البيانات هو أمر مخل بالمنافسة، يرون أن أنظمة مكافحة الاحتكار يجب أن تترك شأن الخصوصية لأنظمة وقواعد حماية المستهلك وصون خصوصيته، وبالنسبة للولايات المتحدة فإن الجهة المسؤولة عن ذلك هي لجنة التجارة الاتحادية، التي عملت حتى الآن على قاعدة التعامل مع كل حالة على حدة فيما يختص بسوء استخدام البيانات. وليس هنالك أي إثبات على أن مجرد امتلاك الكثير من البيانات يشكل مخاطر أكبر على حماية الخصوصية. بيد أنّ البيانات هي المحرك الرئيس للكثير من تكنولوجياتنا الحديثة الأكثر أهمية بما في ذلك السيارات ذاتية القيادة وترجمة النصوص وغيرها من الابتكارات القائمة على الذكاء الاصطناعي. كما إنه ليس هنالك من إثبات أيضاً على أن المستهلكين يرغبون في قدر أكبر من حماية خصوصيتهم في المنتجات التي يستخدمونها. بل إنّ غالبية المستهلكين مستعدون لتشارك كميات كبيرة من بياناتهم الخاصة مقابل حصولهم على الخدمات المجانية التي يقدرونها عالياً. ونراهم يعارضون تشارك تلك البيانات في حالات سوء الاستخدام الفعلي فقط، وهي حالات تعالجها أنظمة حماية الخصوصية من تلقاء ذاتها.

ما من شك أن التطبيق الصارم لأنظمة مكافحة الاحتكار يمثل إجراء حيوياً لضمان التنافس الشريف في الأسواق. ومن المسلم به أيضاً أن الشركات الغنية بالبيانات، مثلها مثل جميع الشركات الأخرى، قد تلجأ إلى التصرف على نحو مخل بالمنافسة الشريفة. وقد تحاول أيضاً استغلال عمليات الاستحواذ لتراكم قوتها في السوق بحيث تغدو قادرة على التأثير بالأسعار والضغط على منافسيها لإخراجهم من السوق. ومتى حصل ذلك يتعين على هيئات مكافحة الاحتكار اتخاذ الإجراءات المناسبة – مع ملاحظة أن القوانين الراهنة تمكنها من التعامل الفعال مع مثل هذه المخاطر. لكن يتعين على أنظمة مكافحة الاحتكار إثبات وجود تهديد حقيقي وواضح لكي تبرر إجراءاتها وخطواتها.

ليس المقصود من قوانين مكافحة الاحتكار حماية الشركات الضعيفة من نتائج المنافسة الشريفة والنزيهة أو تحقيق أهداف غير مرتبطة بالتنافس الشريف، كحماية الخصوصية. وفضلاً عن ذلك فإن مجرد امتلاك كميات كبيرة من البيانات لا يشكل مدعاة للقلق على الإطلاق. وفي كثير من الأحيان لا تستخدم الشركات هذه البيانات للوصول إلى منتج أفضل. ولا تشكل الشركات الغنية بالبيانات أي مخاطر اقتصادية، بل تمثل مصدراً مهماً للابتكارات الخلاقة. وإذا ما نظرت أنظمة مكافحة الاحتكار إلى مجرد امتلاك البيانات بوصفه عامل خطر جديد على التنافس الشريف، فإنّ ذلك سيشكل عامل إحباط للابتكارات التي يتعين على صانعي السياسات تشجيعها ودعمها، لا إعاقتها.

 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!