أمازون وهوول فودز ومستقبل الاقتصاد في العالم

5 دقائق
مستقبل الاقتصاد في العالم
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليك هذا المقال عن مستقبل الاقتصاد في العالم تحديداً. شغل خبر الصفقة التي جرت بين شركة “أمازون” وسلسلة “هوول فودز” (Whole Food) التي وصلت قيمتها إلى 14 مليار دولار اهتمام الكثيرين، كما طرح هذا الخبر عدة أسئلة مهمة تتصل بانعكاس الصفقة على الصعوبات التي تعاني منها “هوول فودز” مع وول ستريت، فيما يتصل بنموها وأرباحها، ومدى توافق الصفقة مع رؤية الرئيس التنفيذي لشركة “أمازون” جيف بيزوس (Jeff Bezos) بأن تصبح شركته “المتجر الذي يحوي كل شيء”.

بالنسبة لي، فإن السؤال الأكثر أهمية هنا هو ما نتائج هذه الصفقة على الأعمال التجارية والعلامة التجارية والثقافة المؤسساتية للكيان الجديد الناشئ؟ بمعنى آخر، هل ستشير هذه الصفقة إلى بداية النهاية لما يسمى “الاقتصاد الجديد”، أم إلى بزوغه؟ هل يمكننا معرفة مستقبل الاقتصاد في العالم بالفعل؟ هل هي علامة على قوة من يؤمنون بوجود طرق أذكى وشاملة ومستدامة لخلق قيمة اقتصادية وبناء مؤسسات أساسها القيم الإنسانية، أم أنها علامة تحذير؟، وما الدروس التي يمكننا استخلاصها مما سبق في سياق استراتيجية الأعمال والممارسات؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، دعوني أعود بالذاكرة قليلاً إلى ما فعلته لحظة رؤيتي الإعلان الرسمي عن الصفقة في “تويتر”. وقتها، عدت إلى أرشيف مجلة “فاست كومباني” (Fast Company)، وهي مجلة شاركت أنا وآلان ويبر (Alan Webber) في تأسيسها بعد مغادرتنا “هارفارد بزنس ريفيو”. في بدايات المجلة، عام 1996، أجرينا تحقيقاً واسعاً عن سلسلة متاجر بقالة جديدة وغريبة واستثنائية وغير معروفة يقع مقرها الرئيس ضمن مدينة أوستن، في تكساس. حيث أعجبنا في تلك السلسلة التزامها ببيع الأغذية العضوية، وطرقها في إحياء الاستدامة، إلا أننا في الوقت ذاته، تعجبنا من مبادئ أعمالها. وقلنا وقتها: “تعد شركة “هوول فودز” إحدى أكبر سلاسل متاجر البقالة في الولايات المتحدة، وهي أيضاً إحدى أكثر التجارب اختلافاً في الرأسمالية الديمقراطية. بالإضافة إلى ذلك، تتحدث الكثير من الشركات الحديثة عن التمكين والاستقلالية والعمل الجماعي، وغالباً ما تكون شعاراتها رنانة، إلا أن “هوول فودز”، عملت منذ تأسيسها وعلى مدار 16 عاماً، على تحويل تلك الشعارات إلى نموذج أعمال قوي ومربح للغاية”.

وبعد فترة وجيزة، قابلت شخصياً رائد أعمال مثابر ترك عمله المريح في نيويورك لإنشاء متجر كتب على الإنترنت في سياتل. كان هذا الرجل هو جيف بيزوس، الذي التقيته على الغداء ضمن أحد أوائل مؤتمرات التجارة الإلكترونية التي نُظّمت على الإطلاق. وأدركت خلال دقائق من جلوسي معه أنه عليّ تسجيل ما يقوله على مسجل الكاسيت (تذكروا أننا كنا في التسعينيات). ولم يكن بيزوس وقتها معروفاً شخصياً، بل كانت شهرته مستمدة من اسم عائلته، في حين كانت كلمة “أمازون” ترمز إلى منطقة ونهر كبير في أميركا الجنوبية. ولمست خلال لقائي معه بُعد نظره ورؤيته، وأتذكر أنني كتبت وقتها للقراء: “إن ما يعمل عليه بيزوس قد لا يبدو للوهلة الأولى تأسيساً لإمبراطورية، لكنها ستكون إمبراطورية تتجاوز بكثير حجم الأُخريات التقليدي”.

ومع مرور عقدين من الزمان وأكثر، نشهد الآن صفقة تجارية أعتقد أن تأثيرها سيتجاوز بكثير الحجم المعلن عنها. وسأقدم خلال الأسطر التالية رأيي في شركتي “أمازون” و”هوول فودز” ومستقبل الاقتصاد الجديد.

من رحم المشاكل الكبيرة تأتي المسؤوليات الهائلة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بوول ستريت

أثار إعجابي على مر السنوات الماضية الطريقة التي كانت تنمو فيها “هوول فودز”، وكيفية اكتسابها ملايين العملاء ممن يتسوقون منتجاتها التي تُعبّر عن وجهة نظرها في مجال التغذية العضوية والأغذية المستدامة، وما تزال تحافظ على تلك الثقافة العالية حتى الآن. وكان هناك أمر واحد ينقص هذا العالم المتكامل، ألا وهو علاقة السلسلة مع وول ستريت. إذ كانت الشركة تحقق نمواً كبيراً خلال السنوات الماضية، ودخلت مدناً مختلفة وغزت أسواقاً جديدة، لكن لم يرتقِ مؤسسها ورئيسها التنفيذي، جون ماكي، إلى ما كانت تتوقعه منه وول ستريت. فقد كان يبدو تائهاً دون هدف، خاصة بعد تسريب تسجيل له يتحدث فيه عن الأسهم في جلسة مغلقة محورها القضايا المالية. ويمكن اعتبار ماكي شخصاً استفزازياً ومتهوراً، وأبرز مثال على ذلك وصفه قانون الرعاية الصحية الأميركي “أوباماكير” بالفاشي. لذلك، عندما بدأ أداء الشركة يراوح في مكانه، لم يلتمس له أحد الأعذار. حيث إن إدارتك لشركة يريد الجميع تداول أسهمها يعني استعدادك للعمل مثل الكبار، خصوصاً إذا كنت ترغب بإرساء معايير جديدة في صناعتك. ولم يكن هذا أمراً متوقعاً من ماكي على الإطلاق. إذ كتب بوب ديلان ذات مرة: “لكي تعيش خارج المألوف، عليك أن تكون صادقاً”. يمثل هذا درساً للمبتكرين في كل مكان، وخصوصاً من يطمحون لقيادة الشركات ذات الأسهم المتداولة. وبعد تلك الصفقة، ستشرف “أمازون” على جميع احتياجات “هوول فودز”، والتأكد من إدارتها بطريقة صحيحة.

تحقيق النجاح وحده لا يكفي، عليك دائماً التفكير في كيفية التفوق على ما حققته من نجاح

قدمت “هوول فودز” للعالم رمز نجاح يتمثل في نموها ورؤيتها، فضلاً عن تقديمها المواد والتغذية العضوية، التي أثرت على حياة الكثيرين، كما جعلت متاجر أُخرى ترتقي بأدائها لتكون قادرة على المنافسة. إذ طورت سلسلة متاجر بقالة “تريدر جوز” (Trader Joe’s)، على سبيل المثال، نسختها من الرسالة التي قدمتها “هوول فودز”، في حين عملت سلاسل متاجر بقالة عملاقة وعريقة أُخرى على زيادة جودة منتجاتها وطريقة عرضها إلى حد كبير. ويمكننا القول إن “هوول فودز” غيرت حقاً معايير الصناعة، ما انعكس على أسهمها ورغبة المستثمرين في الاستثمار فيها، لكنها ارتكبت خطأ كبيراً في عدم محاولتها التفوق على نفسها وتقديم ابتكارات جديدة. وكانت العبرة المستفادة هنا “أن الاستمرار في النجاح يعني دائماً تنفيذ أفكار جديدة واستثنائية”. لكن للأسف، لم تتمكن “هوول فودز” من الاستجابة ومواجهة حالة التقليد التي قامت بها المتاجر الأُخرى رداً عليها، ولم تتمكن من إعادة ابتكار نفسها للبقاء في الطليعة.

في الماضي كانت لدينا: “إما… أو”، لكن الآن لدينا: “كلاهما… و”

تُمثل شركتا هوول فودز وأمازون أيقونتين فريدتين في صناعتيهما ورمزين للاقتصاد الجديد، إلا أنهما على طرفي نقيض فيما يتعلق بالرسالة التي يوصلانها للعملاء. فمن ناحية، تعتمد تجربة هوول فودز على وجود مكان فيزيائي يُعطيك القدرة على رؤية وشم وتذوق المنتجات أمام موظفين تُغطي أجسادهم الوشوم، فضلاً عن الأسعار المرتفعة التي عليك دفعها لقاء ذلك. أما تجربة أمازون فترتبط بالراحة والنقرة الواحدة وأقل الأسعار التي يمكنك تخيلها. إذ أطلقت هوول فودز مؤخراً سلسلة متاجر أصغر حجماً وأقل تكلفة، دعتها “365 من قبل هوول فودز” (365 by Whole Foods)، وهي تأتي مع خيارات أقل، وعدد محدود من الموظفين، والكثير من الأتمتة. في الوقت نفسه، بدأت أمازون بافتتاح مكتباتها المادية ودخول عالم المتاجر الفعلية في عدد من المدن. فلم تعد التسميات التقليدية قابلة للتطبيق بعد الآن، وهو درس كبير آخر علينا النظر إليه. حيث انتقلنا من اقتصاد يقوم على التفضيل والاختيار: “إما… أو” إلى اقتصاد يحاول تقديم كل شيء لك: “كلاهما… و”.

يتطلب معرفة كل ذلك قيادة استثنائية حقاً

تبدو هذه العبارة بديهية ومعروفة، لكنها غير مطبقة على نحو واسع. وأنا لست من المعجبين بفكرة “القائد العظيم” في مدرسة القيادة، لكن علينا رؤية الأمثلة على هذا فيما فعله ستيف جوبز مع “آبل” والنجاح الذي حققه، وفي فيما فعله ترافيس كالانيك (Travis Kalanick) مع “أوبر” والتخبط الذي تعاني منه. وبالنظر إلى ما سبق، من الصعب عزل دور الرئيس التنفيذي في تطوير أي شركة على المدى الطويل أو تحطيمها. أما بالنسبة للشركات ذات البيئات الصعبة غير المستقرة، أعتقد أن وجود ذلك “القائد العظيم” أمر لا بد منه مقارنة بتلك الأكثر استقراراً. كما لا أعتقد أن العديد من المدراء التنفيذيين قادرين على فعل ما يطمح بيزوس إلى عمله مع “أمازون”، من الجمع بين نطاق أعمال ضخم جداً وواسع النطاق. إلى الأسعار المنخفضة والاهتمام الكبير بالعملاء. إضافة إلى الرغبة في تنفيذ مشاريع جديدة وريادية على الدوام. ولا يمكن النظر إلى بيزوس على أنه رئيس تنفيذي تقليدي، تماماً كما لا يمكننا رؤية وارن بافيت مستثمراً تقليدياً، أو بيل غيتس مُحسناً خيرياً تقليدياً.

بغض النظر عن مدى تقديرنا لقوة الأفكار أو التمويل أو العلامة التجارية أو الثقافة، لا يمكن إنكار أهمية وجود قائد قوي صاحب رؤية كبيرة ورغبة في الفوز وعقلية منفتحة حول طرق النجاح. ربما يكون هذا الدرس الأهم على الإطلاق الذي يمكننا من استشراف مستقبل الاقتصاد في العالم بالفعل.

اقرأ أيضاً:

 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!