تابعنا على لينكد إن

شغل خبر الصفقة التي جرت بين شركة أمازون وسلسلة هول فودز (Whole Food) والتي وصلت قيمتها إلى 14 مليار دولار اهتمام الكثيرين، كما طرح هذا الخبر عدة أسئلة مهمة تتصل بانعكاس الصفقة على الصعوبات التي تعاني منها هول فودز مع وول ستريت، فيما يتصل بنموها وأرباحها، ومدى توافق الصفقة مع رؤية الرئيس التنفيذي لشركة أمازون جيف بيزوس (Jeff Bezos) بأن تصبح شركته “المتجر الذي يحوي كل شيء”.

بالنسبة لي، يتمثل السؤال الأكثر أهمية هنا في نتائج هذه الصفقة على الأعمال التجارية والعلامة التجارية والثقافة المؤسساتية للكيان الجديد الناشئ. بمعنى آخر، هل ستشير هذه الصفقة إلى بداية النهاية لما يسمى “الاقتصاد الجديد”، أم إلى بزوغه؟، هل هي علامة على قوة من يؤمنون بوجود طرق أكثر ذكاءً وشمولية واستدامة لخلق قيمة اقتصادية وبناء مؤسسات تقوم على القيم الإنسانية، أم أنها علامة تحذير؟، وما الدروس التي يمكننا استخلاصها مما سبق في سياق استراتيجية الأعمال والممارسات؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، دعوني أعود بالذاكرة قليلاً إلى ما قمت به لحظة رؤيتي الإعلان الرسمي عن الصفقة في تويتر. وقتها، عدت إلى أرشيف مجلة فاست كومباني (Fast Company)، وهي مجلة شاركت أنا وآلان ويبر (Alan Webber) في تأسيسها بعد مغادرتنا هارفارد بزنس ريفيو. إذ قمنا في بدايات المجلة، عام 1996، بإجراء تحقيق واسع عن سلسلة متاجر بقالة جديدة وغريبة واستثنائية وغير معروفة يقع مقرها الرئيسي ضمن مدينة أوستن، في تكساس. حيث أعجبنا في تلك الشركة التزامها ببيع الأغذية العضوية، وطرقها في إحياء الاستدامة، إلا أننا في الوقت ذاته، تعجبنا من مبادئ أعمالها. وقلنا وقتها: “تُعتبر شركة هول فودز إحدى أكبر سلاسل متاجر البقالة في الولايات المتحدة، كما أنها إحدى أكثر التجارب اختلافاً في الرأسمالية الديمقراطية. إلى جانب ذلك، تتحدث الكثير من الشركات الحديثة عن التمكين والاستقلالية والعمل الجماعي، وغالباً ما تكون شعاراتها رنانة، إلا أنّ هول فودز عملت خلال عمرها البالغ 16 عاماً على تحويل تلك الشعارات إلى نموذج أعمال قوي ومربح للغاية”.

وبعد فترة وجيزة، قابلت شخصياً رائد أعمال مثابر ترك عمله المريح في نيويورك لإنشاء متجر كتب على الإنترنت في سياتل. كان هذا الرجل هو جيف بيزوس، إذ التقيته على الغداء ضمن أحد أوائل مؤتمرات التجارة الإلكترونية التي نُظّمت على الإطلاق. وأدركت خلال دقائق من جلوسي معه أنّ عليّ تسجيل ما يقوله على مسجل الكاسيت (دعونا لا ننسى أننا كنا في التسعينيات). ولم يكن بيزوس وقتها معروفاً شخصياً، بل كانت شهرته مستمدة من اسم عائلته، في حين كانت كلمة “أمازون” ترمز إلى منطقة ونهر كبير في أميركا الجنوبية. ولمست خلال لقائي معه بُعد نظره ورؤيته، وأتذكر أنني كتبت وقتها للقراء: “قد لا يبدو ما يقوم به بيزوس للوهلة الأولى كتأسيس إمبراطورية، لكنها ستكون إمبراطورية تتجاوز بكثير حجم الأُخريات التقليدي”.

ومع مرور عقدين من الزمان وأكثر، نرى الآن صفقة تجارية أعتقد أن تأثيرها سيتجاوز بكثير الحجم المعلن عنها. وبدوري، سأقدم خلال الأسطر التالية رأيي بشأن شركتي أمازون وهول فودز ومستقبل الاقتصاد الجديد.

من رحم المشاكل الكبيرة تأتي المسؤوليات الهائلة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بوول ستريت

أثار إعجابي على مر السنوات الماضية الطريقة التي كانت تنمو فيها هول فودز، وكيفية اكتسابها ملايين العملاء ممن يتسوقون منتجاتها التي تُعبّر عن وجهة نظرها في مجال التغذية العضوية والأغذية المستدامة، كما أنها لا تزال تحافظ على تلك الثقافة العالية حتى الآن. وكان هناك أمر واحد ينقص هذا العالم المتكامل، ألا وهو علاقة السلسلة مع وول ستريت. إذ كانت الشركة تحقق نمواً كبيراً خلال السنوات الماضية، ودخلت مدناً مختلفة وغزت أسواقاً جديدة، لكن لم يرتقِ مؤسسها ورئيسها التنفيذي، جون ماكي، إلى ما كانت تتوقعه منه وول ستريت. حيث كان يبدو تائهاً دون هدف، ولعل هذا زاد بعد تسريب تسجيل له يتحدث فيه  عن الأسهم في جلسة مغلقة محورها القضايا المالية. كما يمكن اعتبار ماكي شخصاً استفزازياً ومتهوراً، وأبرز مثال على ذلك وصفه قانون الرعاية الصحية الأميركي (أوباماكير) بالفاشي. بالتالي، عندما بدأ أداء الشركة يراوح في مكانه، لم يكن هناك من هو قادر على تقديم الأعذار له. حيث أنّ إدارتك لشركة يريد الجميع تداول أسهمها يعني استعدادك للعمل مثل الكبار، خصوصاً إذا كنت ترغب بإرساء معايير جديدة في صناعتك. ولم يكن هذا أمراً متوقعاً من ماكي على الإطلاق. إذ كتب بوب ديلان ذات مرة: “لكي تعيش بشكل غير تقليدي، عليك أن تكون صادقاً”. يمثل هذا درساً للمبتكرين في كل مكان، وخصوصاً من يطمحون لقيادة الشركات ذات الأسهم المتداولة. بعد تلك الصفقة، ستقوم أمازون بالإشراف على جميع احتياجات هول فودز، والتأكد من إدارتها بالشكل الملائم.

تحقيق النجاح لوحده لا يكفي، عليك دائماً التفكير في كيفية التفوق على ما حققته من نجاح

قدمت هول فودز للعالم رمز نجاح يتمثل في نموها ورؤيتها، فضلاً عن تقديمها المواد والتغذية العضوية، والتي أثرت على حياة الكثيرين، كما جعلت متاجر أُخرى ترتقي بأدائها لتكون قادرة على المنافسة. إذ قامت سلسلة متاجر بقالة ترايدر جوز (Trader Joe’s) على سبيل المثال بتطوير نسختها من الرسالة التي قدمتها هول فودز، في حين عملت سلاسل متاجر بقالة عملاقة وعريقة أُخرى على زيادة جودة منتجاتها وطريقة عرضها إلى حد كبير. ويمكننا القول أنّ هول فودز قامت حقاً بتغيير معايير الصناعة، ما انعكس على أسهمها ورغبة المستثمرين في الاستثمار فيها، لكنها ارتكبت خطأً كبيراً تمثّل بعدم محاولتها التفوق على نفسها وتقديم ابتكارات جديدة. وكانت العبرة المستفادة هنا “أن الاستمرار في النجاح يعني القيام على الدوام بتنفيذ أفكار جديدة واستثنائية”. لكن للأسف، لم تتمكن هول فودز من الاستجابة ومواجهة حالة التقليد التي قامت بها المتاجر الأُخرى رداً عليها، ولم تتمكن من إعادة ابتكار نفسها للبقاء في الطليعة.

في الماضي كانت لدينا “إما… أو”، لكن الآن لدينا “كلاهما… و”

تُمثل شركتي هول فودز وأمازون أيقوناتاً فريدة في صناعتيهما ورموزاً للاقتصاد الجديد، إلا أنهما على طرفي نقيض فيما يتعلق بالرسالة التي يوصلونها لعملائهم. فمن ناحية، تقوم تجربة هول فودز على وجود مكان فيزيائي يُعطيك القدرة على رؤية وشم وتذوق المنتجات أمام موظفين تُغطي أجسادهم الوشوم والثقوب، فضلاً عن الأسعار المرتفعة التي عليك دفعها لقاء ذلك. أما تجربة أمازون فترتبط بالراحة والنقرة الواحدة وأقل الأسعار التي يمكنك تخيلها. إذ أطلقت هول فودز مؤخراً سلسلة متاجر أصغر حجماً وأقل تكلفة، دعتها “365 من قبل هول فودز” (365 by Whole Foods)، والتي تأتي مع خيارات أقل، وعدد محدود من الموظفين، والكثير من الأتمتة. في الوقت نفسه، بدأت أمازون بافتتاح مكتباتها المادية ودخول عالم المتاجر الفعلية في عدد من المدن. فلم تعد التسميات التقليدية قابلة للتطبيق بعد الآن، وهو درس كبير آخر علينا النظر إليه. حيث انتقلنا من اقتصاد يقوم على التفضيل والاختيار “إما… أو” إلى اقتصاد يحاول تقديم كل شيء لك “كلاهما… و”.

يتطلب معرفة كل ذلك قيادة استثنائية حقاً

تبدو هذه العبارة بديهية ومعروفة، لكنها غير مطبقة على نحو واسع. وأنا لست من المعجبين بفكرة “القائد العظيم” في مدرسة القيادة، لكن علينا رؤية الأمثلة على هذا والمتمثلة فيما فعله ستيف جوبز مع آبل والنجاح الذي حققه، وفي فيما فعله ترافيس كالانيك (Travis Kalanick) مع أوبر والتخبط الذي تعاني منه. وبالنظر إلى ما سبق، من الصعب عزل دور الرئيس التنفيذي في تطوير أو تحطيم أي شركة على المدى الطويل. أما بالنسبة للشركات ذات البيئات الصعبة غير المستقرة، أعتقد أنّ وجود ذاك “القائد العظيم” أمر لا بد منه مقارنة بتلك الأكثر استقراراً. كما لا أعتقد أنّ العديد من المدراء التنفيذيين قادرين على القيام بما يطمح بيزوس إلى القيام به مع أمازون، من الجمع بين نطاق أعمال ضخم جداً وواسع النطاق. إلى الأسعار المنخفضة والاهتمام الكبير بالعملاء. إضافة إلى الرغبة في تنفيذ مشاريع جديدة وريادية على الدوام. ولا يمكن النظر إلى بيزوس على أنه رئيس تنفيذي تقليدي، تماماً كما لا يمكننا رؤية وارن بافيت كمستثمر تقليدي، أو بيل غيتس كمُحسن خيري تقليدي.  

بغض النظر على مدى تقديرنا لقوة الأفكار أو التمويل أو العلامة التجارية أو الثقافة، لا يمكن إنكار أهمية وجود قائد قوي صاحب رؤية كبيرة ورغبة في الفوز وعقلية منفتحة حول طرق النجاح. ربما  يكون هذا الدرس الأهم على الإطلاق.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن اقتصاد عالمي

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "أمازون وهول فودز ومستقبل الاقتصاد في العالم"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Abdallh.Muhamad
Member
Abdallh.Muhamad
11 شهور 22 أيام منذ

منهم من يصنع ولا يحافظ على ماصنع

wpDiscuz