هل أصابتكم الدهشة عندما سمعتم بأنّ شركة أمازون ستفتتح متجراً للإسمنت ومواد البناء؟ نعم، إنّ أكبر متجر على شبكة الإنترنت، والذي يشكل تهديداً كبيراً لمتاجر التجزئة التقليدية، يخطط لافتتاح متجر في قلب مدينة نيويورك، على بعد خطوات فقط من متجر ميسيز (Macy’s) الضخم.

ولكن في حقيقة الأمر، ليس هناك من داع إلى هذا القدر من الدهشة. فكما شرح داريل ريغبي وهو الشريك في شركة باين آند كومباني، في مقالة له مؤخراً في هارفارد بزنس ريفيو، فإنّ العديد من متاجر التجزئة تحاول الجمع الآن ما بين حضورها في العالم الرقمي والعالم الفعلي لتمنح زبائنها تجربة جديدة. وقد رأينا هذا الأمر يحصل لسنوات، لكن الأمر الأكثر شيوعاً هو قيام متاجر التجزئة التقليدية بإنشاء مواقع لها على شبكة الإنترنت. يقول ريغبي: "في الأيام الأولى للثورة الرقمية، بذل العديد من قادة الشركات المعروفة والقديمة قصارى جهدهم لتجاهل هذا الانقلاب الكبير، إذ كانوا مقتنعين بأنّ التهديد القادم من هذا النوع من التكنولوجيا الجديدة لن يكون له تأثير متزايد أبداً". وأضاف: "ولكن بعد أن ثبت بأنّ هذا الافتراض خاطئ، غيّر الكثيرون آراءهم، مستنتجين بأنّ العالم الرقمي سيقود حتماً إلى تدمير مواقعهم. لذلك تعيّن عليهم التوقف عن ضخ المال في الشركات القديمة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإطلاق مواقع رقمية مستقلة. اعتقدوا أنّ الوحدات القائمة قد لا تنجو بنفسها، لكن الشركات الرقمية التي وجدت لتنافسها ما يمكنها من خلاله أن تحل مكان الأقسام الإلكترونية في محفظة الشركة".

إلا أننا جميعاً نعلم كيف سارت الأمور بعد ذلك. (وأنا هنا أستذكر متجر سيرز الشهير). فالشركات الرقمية لا تميل عادة إلى القضاء على الشركات ذات المباني الفعلية.

تكمن المشكلة في هذا النوع من التفكير الثنائي القائل (أنه سيكون لدينا إما عالم رقمي أو عالم فعلي، ولكن ليس كلا العالمين)، بأنّ الزبائن يمزجون العالمين المادي والرقمي معاً دون أي تمييز بينهما ويرغبون من الشركة أن تفعل الشيء ذاته. فهم يتوقعون أن يدفعوا مقابل الحصول على جهاز تلفزيون في متجر أكام للأجهزة (Acme Appliances) السعر ذاته الذي سيدفعونه عند شرائه من موقع الشركة ذاتها على الإنترنت (acmeappliances.com). غير أنّ الحقيقة كما يوضح ريغبي، هي أنّ بعضاً من أكبر قصص النجاح في قطاع التجزئة تظهر استراتيجيات تجمع ما بين التجربتين الرقمية والفعلية. ولنأخذ شركة ميسيز على سبيل المثال، التي باتت الآن تسمح للزبائن بطلب البضاعة التي يريدونها عن طريق الإنترنت ومن ثم استلامها في المتجر. وبعد فترة قصيرة فإنّ متجرها الشهير في هيرالد سكوير سيضم تطبيقات وأدلة إرشادية إلكترونية وتفاعلية توجّه المتسوقين عبر المتاجر. فالتكنولوجيا الرقمية باتت الآن تغيّر طريقة عمل الشركات ذات المباني الفعلية، دون أن تقضي عليها.

وبالتالي، فإنّ تحرك أمازون يبدو منطقياً أكثر. فكما أشار آخرون، فإنّ شركات التجزئة الرقمية مثل واربي باركر (Warby Parker) وبونوبوس (Bonobos) كانت قد افتتحت متاجر فعلية لها. وقد أخبر آندي دون، الرئيس التنفيذي لشركة بونوبوس ريغبي بما يلي: "كنا مخطئين في البداية. ففي عام 2007، أطلقنا الشركة وقلنا: العالم كله يتّجه نحو الإنترنت فقط. وبالتالي كل ما سنفعله هو أننا لن نكون حاضرين إلا على شبكة الإنترنت". لكن ما تعلّمناه مؤخراً هو أنّ تجربة الناس خارج عالم الإنترنت ولاسيما لمس الملابس باليد وتقليبها، هي تجربة لن تنتهي". وفي حالة أمازون، فإنّ متجر نيويورك سيكون في البداية مكاناً لاستلام الطلبيات وإرجاعها – ما يسهّل الأمر أكثر على الزبائن في المدينة، ولاسيما لتلبية احتياجات اللحظة الأخيرة خلال موسم العطلات – لكن المتجر يمكن أن يتطور ليصبح أقرب إلى المتجر التقليدي الذي يبيع أجهزة كيندل (Kindle) والهواتف الذكية فاير (Fire) وهي أجهزة قد يرغب الناس في تجريبها قبل شرائها. فهل سيثبت بأن رؤية آندي دون، ستكون صحيحة تجاه المجموعة الواسعة لمنتجات أمازون؟ ربما نعرف الإجابة قريباً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!