تابعنا على لينكد إن

تعامل الفنان الإيطالي الشهير مايكل أنجيلو، مع حرفة النحت بقناعة وإيمان راسخين، مع قناعة أنّ القطعة الفنية الجميلة والفريدة من نوعها تكون موجودة أصلاً في الحجر، وأنّ عمله لا يتعدى إظهار ذلك الجمال الخفي. ونحن نعتقد أنّ أفضل المرشدين يقدمون فنهم بالطريقة نفسها التي انتهجها النحات الإيطالي.

يؤكد علماء النفس الاجتماعيين أنّ أفضل العلاقات العاطفية، تلك التي ينحت فيها الشريكان بعضهما البعض بطريقة تجعل كل منهما أقرب إلى الذات المثالية التي يفضلها الشريك في ذهنه، أي الشخص المثالي الذي يريد كل منهما أن يكون مثله. ويطلق العلماء على هذا الأمر بـ”ظاهرة مايكل أنجيلو”، إذ يُصبح الشريك البارع والرصين ملتزماً في البداية بفهم الشريك الآخر، ومن ثم تثبيت أو رسم النموذج المثالي له. وهنا يمكن القول أنّ المرشد البارع يستطيع تأكيد الذات المثالية والفريدة من نوعها والواعدة للمتلقي، على الرغم من أنها ربما تكون مخفية وغير ظاهرة.

كيف يمكن للمرشد أن يطور من نظرة الذات المثالية للمتلقي؟ كما اتضح لنا سابقاً، يعتمد الأمر على معرفة المرشد  لفن التأكيد، وتكشف الأدلة أنّ هناك عنصرين هامين يلعبان دوراً رئيسياً في تأكيد التوجيه. العنصر الأول: هو التأكيد الإدراكي الحسي. إذ يتعمد المرشدون الجيدون اختيار الوقت المناسب لرؤية متلقيهم، وذلك لفهم وتقبل ذات المتلقي الحقيقية والمثالية، وفهم تصورات المتلقي المهنية المستقبلية. وهذا الأمر يتطلب الكثير من الوقت والصبر، لأن المرشد عليه كسب ثقة المتلقي، وعليه أن يكون منفتحاً ومستمعاً جيداً، وهنا يكمن مفتاح النجاح، فعندما تتوضح الذات المثالية للمتلقي، على المرشد  أن يؤيد رؤيته باستمرار.

أما العنصر الثاني: فهو التأكيد السلوكي. وذلك من خلال مساعدة المتلقي في الانخراط بسلوكيات تتماشى مع ذاته المثالية. وبعد أن يتمكن المرشد من فتح النافذة التي يستطيع من خلالها رؤية أحلام المتلقي وذاته المثالية، تُصبح مهمته متمثلة في فتح الأبواب أمام الأخير واستحضار الفرص، التي من شأنها مساعدته للوصول إلى هدفه. على سبيل المثال: عندما تنسجم تصورات وسلوكيات رامي مع الذات المثالية للمتلقية روان، فإنّ الأول بإمكانه التعرف على ذاتها، وبالتالي القيام بسلوكيات وتصرفات تلائم وتتفق معها. وبالنتيجة، يمكن القول أنّ التفاعلات المتكررة التي يثيرها رامي، والتي تنسجم مع ذات روان، ستؤدي إلى نجاح الأخيرة واقترابها من الشخصية التي ترغب أن تكون مثلها.

ربما يشكّل تطبيق نهج مايكل أنجيلو تحدياً بالنسبة للمرشدين، في حال كان المتلقي من جنس آخر، أي إذا ما كان المرشد رجلاً والمتلقي امرأة، وهو الأمر الأكثر شيوعاً وليس العكس. ولا يخفى على الجميع أنّ الرجال ما زالوا مسيطرين على المناصب العليا في الشركات، لذلك، فإنّ أغلب المرشدين هم من ذكور.

أكد بحث حول التوجيه والإرشاد بين جنسين مختلفين، أنّ النساء يواجهن  عوائق أكبر في إيجاد المرشد المناسب، وحتى إن وجدنه، لا يحصلن منه على فوائد مهنية ونفسية كثيرة. ربما يكون أحد الأسباب الجوهرية المتعلقة بهذا الأمر هو افتقاد الرجل لإحدى المهارات الأساسية في التعامل مع الآخرين وهي “الاستماع”، حيث يعاني الرجال أحياناً من مشكلة الاستماع للمتلقية بشكل مستمر، ما يجعلهم غير قادرين على الكشف عن ذاتها المثالية.

وهنا يجدر بنا السؤال: هل يمكن للرجال أن يتبعوا نهج مايكل أنجيلو في توجيه النساء بهذا الكم من التواضع والصبر الذي تحدثنا عنه؟

كشفت دراستنا التي أجريناها على المرشدين الذكور والمتلقين الإناث في العمل، أنّ الجواب هو “نعم”، لكن فقط إذا عمل الرجال بجد لفهم ملامح الذكورة الاجتماعية، التي دائماً ما تؤثر على التوجيهات الجيدة بين الجنسين. بداية، يمكن القول أنّ معظم المرشدين لديهم ميل إلى استنساخ ذواتهم في المتلقين الذين يشرفون عليهم، وهذا يعني أنهم في كثير من الأحيان ومن دون وعي يقنعون المتلقي بمسارات وظيفية، ويدفعونه إلى اتخاذ قرارات حياتية ومهنية تعكس ذواتهم الشخصية.

صحيح أنّ إرضاء ذات الموجه أبعد بكثير من عبقرية أنجيلو، إلا أنّ الأول يمكنه إتباع نهج النحات الإيطالي من خلال “التأكيد”.

وفي حين أنّ هذا الأمر ينطبق على المرشدين الذكور والإناث على حد سواء، فبحسب تجربتنا، ربما يصعب على المرشدين الذكور التغلب على هذه المشكلة تحديداً، وذلك بسبب الطريقة التي ينتهجها الذكور والإناث من حيث الاستماع والنظرة الاجتماعية، إذ تتجه المرشدات إلى الاهتمام بإنشاء علاقات، بينما يركّز الذكور على التوجيهات التي تشدد على المهام.

ولتجنب هذا الاستنساخ والتوجه الغريزي، على المرشدين الذكور العمل بجد لتطوير مهارة الاستماع إلى الإناث خلال التدريب، ويتوجب عليهم على إنشاء العلاقات بشكل أكبر من مناقشة الأمور المتعلقة بالمهام. كما أنّ المرشدين الذكور يميلون بشكل كبير إلى إصلاح، وإيجاد حلول للمشاكل التي يواجهونها أثناء المحادثات مع المتلقيات الإناث، أكثر من التركيز على الاستماع لهن وفهمهن وتقديرهن ومعرفة وجهات نظرهن.

يمكن للرجال الذين يتطلعون إلى نهج طريقة مايكل أنجيلو في توجيه النساء، التخلص من الافتراضات الاجتماعية المزعجة المتعلقة بالجنسين حول المتلقين. إذ يقع الرجال فريسة لهذه الافتراضات، فإذا كنت من الرجال الذي يقرؤون هذا المقال حاول إكمال الجمل التالية: (هي تريد أن….، هي تخطط لـ….، غالباً لديها اهتمام بـ….) في حال كانت إجاباتك غير منطقية فلا تيأس، أنت لست وحيداً، إذ أنّ أفضل الافتراضات التي تقترحها في الأجوبة يمكن أن تكون نتائجها عكسية.

وهنا نسرد لكم مثالاً ذكره لنا روبرت لايتفوت، القائم بأعمال مدير وكالة “ناسا”، حول كيف أنّ الافتراضات التي اقترحها أثرت عليه ووضعته خارج المسار في مسألة ما.

ذكر لايتفوت أنه كان محظوظاً في بداية حياته المهنية، إذ تعرض لتجربة شكلت نقطة تحول في عمله: “كنت عضواً في لجنة اختيار موظفين، وكانت إحدى زميلاتي في اللجنة مرشدة سابقة لي، وتوصلت اللجنة إلى توافق في الآراء بشأن إحدى المرشحات للوظيفة، وعندما ناقشنا الأمر، علقت قائلاً: هذه الوظيفة تتطلب السفر بشكل متواصل، والمنتخبة للوظيفة أنجبت للتو طفلاً، أعتقد أنّ هذا الأمر سيكون صعباً عليها إذا ما تم توظيفها.

في تلك الأثناء ولحسن الحظ بعد أن أنهيت حديثي، نظرت مرشدتي السابقة وزميلتي في اللجنة نحوي وقالت بشكل واضح وصريح: “هذا ليس قرارك لتتخذه بمفردك، فهي تعرف أنّ عليها أن تسافر كثيراً، وتعلم أنها أنجبت طفلاً للتو، لا تتخذ القرار بالنيابة عنها”. لقد أثرت كلماتها في نفسي لدرجة أنني شعرت بصدمة شديدة. من جانب آخر، يُعد التواضع الحقيقي بين الجنسين عنصراً حاسماً في طريق التأكيد على رؤية الذات والمهنة المثالية للمتلقي. ويطلق على ذلك “فن التواضع والوعي الذاتي” بخصوص كل شيء لا تعرفه عن المرأة بشكل عام، وعن تجربتها كمتلقية بشكل خاص. فالتواضع الحقيقي بين الجنسين يتطلب فضولاً صادقاً حول خبرتها واهتماماتها الفريدة من نوعها، ويتطلب الشفافية حول قصر فهمك كمرشد ذكر لبعض الأمور، بالإضافة إلى القدرة على التعبير عن التعاطف، فكلما شعرت المتلقية بالراحة ستعبر عن أحلامها بشكل واضح.

وهنا يجدر بنا التحذير، هل يجب أن تظهر المتلقية أهدافاً صغيرة وأن تقلل من نفسها لتمكن المرشد المتابع لشأنها من رسم رؤية ملهمة وطموحة لإمكاناتها، بما في ذلك الاحتمالات غير المتأملة؟ يمكننا القول أنّ الموجهين العظماء دائماً ما يصيغون الأمور بجرأة حتى في التصورات المغامرة التي تمكّن المتلقية من الدخول في مهنتهم.

وفي هذا الإطار، تخبرنا ساندي ستوزس، وهي ضابطة في خفر السواحل الأميركي عن تجربتها وتقول: “قدم لي المرشدان فرصة لم أفكر بها قط، وهي التفكير ملياً وبعيداً عما كنت أفضله وهو أن أصبح ملاحة في خفر السواحل وقائدة لسفينة في يوم ما، وساعداني على بناء رؤية أكبر وأوسع، لأصبح عضواً هاماً في خفر السواحل ومسؤولة عن قسم بأكمله. بهذه الفكرة استطاع المرشدان اللذان أشرفا على تدريبي توجيهي نحو أمر لم أفكر به أبداً، وإدراكي لأمور لم أتخيليها، ليس فقط الإبحار في مياه المحيط أو البحر، وإنما رؤى كنت أظنها مستحيلة”.

في النهاية، يمكننا القول أنّ المرشد العظيم سيحترم الذات المثالية والحلم الوظيفي للمتلقي، ولن يقترح عليه الأمور التي يشعر بأنها تناسبه أو أفكاراً تعكس حياته المهنية. إذ يستخدم الموجهون البارعون أدوات مثل الاستماع الصبور، والاستجواب السقراطي وهو (استجواب منضبط يمكن استخدامه لمتابعة الفكر في عدة اتجاهات ولأغراض كثيرة)، والقبول غير المشروط، والتأكيد السخي، كل ذلك لمساعدة المتلقي على رسم حلمه والإفصاح عنه بصوت عال ومن ثم الاعتماد على جهوده للوصول إلى الهدف المنشود.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz