هارفارد-بزنس-ريفيو-تواضع-القادة

جانين برايم وإليزابيث صليب – هارفارد بزنس ريفيو:

في سوق عالميّ تزداد فيه المشاكل تعقيداً، يستحيل إيجاد أجوبة على كلّ الأسئلة. ولهذا السبب بالتحديد، يفيد لازلو بوك، نائب رئيس أول لشؤون الموظفين في “غوغل”، بأن التواضع هو أحد الأوصاف التي يبحث عنها عند الموظفين المحتملين. وفي هذا الصدد، شرح بوك قائلاً، “تتمثل الغاية في نهاية المطاف بما يمكن إنجازه سوياً لحلّ المشاكل، بمعنى أن أساهم في حصّتي من العمل، ومن ثمّ أنسحب”. وأشار بوك إلى أنّ التواضع لا يقتصر على إفساح المجال أمام مساهمة الآخرين، بل “إنّه التواضع الفكري، لأنّه لن يتسنّى لنا أن نتعلّم من دون التواضع”.

لقد صدرت مؤخراً دراسة على موقع “كاتاليست” تؤكد هذه الفكرة، وتُظهِر أن التواضع هو من بين أربعة عناصر قيادية بالغة الأهمية تسمح باستحداث بيئة يشعر فيها الموظفون المنتمون إلى محيطات ديموغرافية مختلفة بأنّهم مشمولون في المجموعة. وفي سياق استطلاع لأكثر من 1500 عامل من أستراليا، والصين، وألمانيا، والهند، والمكسيك، والولايات المتحدة، اكتشفنا أنه عندما يلاحظ الموظفون سلوكاً غيرياً وغير أناني لدى المدير، يزيد الاحتمال بأن يشعروا بأنهم جزءاً من فريق العمل (وشاءت الصدفة أن يكون الأمر صحيحاً بالنسبة إلى النساء والرجال على حد سواء)، علماً بأنّ هذا السلوك الغيري وغير الأناني اتّصف بما يلي:

1. أفعال متواضعة على غرار التعلّم من الانتقاد والاعتراف بالأخطاء؛

2. تمكين الأتباع من التعلم والتطور؛

3. أفعال شجاعة على غرار المخاطرة الشخصية لخدمة الخير العام؛

4. مساءلة الموظفين عن النتائج.

إلى ذلك، قال الموظفون الذين لاحظوا تصرفات غيرية لدى المدير أنهم كانوا أكثر ابتكاراً، وطرحوا أفكاراً عن منتجات جديدة، وطرقاً للعمل بطريقة أفضل. وكذلك، لقد أفادوا بمعظمهم أنهم اتبعوا سلوكاً ينبع عن حسّ الانتماء إلى فريق العمل، كأن يتخطوا واجبهم ويأخذوا على عاتقهم إنجاز عمل زميل غائب – إلى جانب جميع التأثيرات المباشرة التي تنبع عن تزايد الشعور بأنهم مشمولون في المجموعات التي يعملون فيها.

وقد سمح لنا البحث أيضاً بالفصل بين من شعورين مستقلين، يمنحان الموظفين انطباعاً أكبر بأنهم مشمولون، ويتمثّلان بالتفرّد وحسّ الانتماء. فيشعر الموظفون بالتفرّد عندما يتم الاعتراف بالمواهب والمهارات التي تميّزهم عن غيرهم، والتي يأتون بها إلى فريق عملهم، وبالانتماء عندما تجمعهم قواسم مشتركة هامة مع زملائهم في العمل.

ويصعب على القادة إحقاق التوازن المناسب في هذا المجال، علماً بأنّ التركيز المبالغ على التفرّد قد يقلّل من حس الانتماء لدى الموظف. ولكننا وجدنا أنّ الغيريّة تكاد تُعتبر في جميع الأحوال من الأوصاف الأساسية للقادة القادرين على الحفظ على هذا التوازن لدى موظفيهم.

وبشكل عام، تسلط دراستنا الضوء على أثر شامل وشديد الشيوع، ألا وهو أنّ ترويج الشمولية وقطف ثمارها يتطلّب من القادة اعتماد أسلوب قياديّ غير أناني. وفي ما يلي بعض الطرق الملموسة للمباشرة في ذلك، بالاستناد إلى بحثنا الحالي وإلى دراستنا المستمرّة لممارسات تطوير القيادة في شركة “روكويل أوتوميشن”:

– شاركوا أخطاءكم مع الآخرين باعتبارها فرص لاستنتاج العبر: عندما يعرض القادة مسيرة نموهم الشخصي، يشرّعون النمو والتعلّم لدى الآخرين. ومن خلال إقرارهم بشوائبهم الخاصة، يجعلون الأخطاء مقبولة لدى الآخرين أيضاً. ويميل الناس إلى التواصل مع الأشخاص الذين يشاركونهم شوائبهم ومواطن ضعفهم – لأنّ هؤلاء يبدون أكثر “إنسانيةً”. وفي مجموعات العمل المتنوعة أكثر من غيرها، قد يساعد التواضع على تذكير أعضاء فريق العمل بالإنسانية التي تجمعهم وبأهدافهم المشتركة.

– أطلق حواراً بدلاً من النقاشات: تقضي طريقة أخرى لممارسة التواضع بالمشاركة الفعلية للآراء. فغالباً ما يركّز القادة على استبعاد الآخرين و”الفوز” في النقاشات. وعندما يتناقش الناس بهذه الطريقة، يزداد تركيزهم على إثبات مصداقية وجهات نظرهم، إلى حد يجعلهم يفوتون فرصة الاطلاع على وجهات نظر الآخرين. ومن المعلوم أن القادة الشموليين متواضعون بما فيه الكفاية لتعليق جداول أعمالهم ومعتقداتهم. وعبر قيامهم بذلك، لا يكتفون بتعزيز ما يتعلمونه، بل يعطون مصداقية للآراء الفريدة الصادرة عن متتبعيهم.

– تقبّل الشك: يرافق الغموض والشك بيئة الأعمال في أيامنا هذه. وبالتالي، لمَ لا نتقبّلهما؟ عندما يقرّ القادة بتواضع بأنهم لا يملكون الأجوبة كافة، يفسحون المجال أمام تقدّم الآخرين لاقتراح حلول. وكذلك، ويولّدون حسّاً بالترابط. ويفهم الأتباع أن الرهان الأفضل يقضي باعتماد الناس على بعضهم البعض، في سبيل التوصّل إلى حل للمشاكل المعقّدة التي أسيء تعريفها.

– كن مثالاً أعلى من خلال تحديد مكانة لنفسك على أنك “تابع”: يمكّن القادة الشموليون الآخرين لتتسنّى لهم ممارسة القيادة. ومن خلال عكس الأدوار، لا يكتفي القادة بجعل تطوّر الموظفين أكثر سهولة، بل ويوجهون تصرفاتهم ليعتمدوا وجهة نظر مختلفة، وهو أمر بالغ الأهمية للعمل بفعالية ضمن فرق عمل متنوعة.

وفي “روكويل أوتوميشن” الرائدة في مجال الأتمتة الصناعية وحلول التحكم والمعلومات، تتمتع ممارسة التواضع بهذه الطرق بدور حيوي للترويج لثقافة الشمولية –يعتبرها قادة “روكويل” ضرورية لدعم التنوع في أوساط القوى العاملة التابعة للشركة حول العالم.

وتقضي إحدى أهم الاستراتيجيات التي يعتمدها قادة “روكويل” لتصميم أسلوبهم القيادي باعتماد منهج مناقشات “حوض السمك” الذي يسهّل الحوار. وفي سياق اجتماع تقليدي من هذا النوع، تجلس مجموعة صغيرة من الموظفين والقادة ضمن دائرة في وسط الغرفة، في حين تجلس مجموعة أكبر من الموظفين في محيطها. ويتم تشجيع الموظفين على التحادث مع بعضهم البعض ومع القادة عن أي موضوع، وتتم دعوتهم إلى الحلقة الداخلية. وفي سياق هذه الأحاديث غير المسجلة، التي تجرى على امتداد العام في مجموعة من الأماكن، يُظهر القادة تواضعهم باستمرار – من خلال إقرارهم لموظفيهم بأنهم لا يملكون الأجوبة على جميع الأسئلة، ومن خلال مشاركة تجربتهم الشخصية، على صعيدي النمو والتطور.

وفي إحدى جلسات مناقشات “حوض السمك”، جرت بعد وقت قليل من تعريف الشركة عن مزايا الشركاء من الجنس نفسه في العام 2007، أعرب موظف متديّن جداً عن مخاوفه إزاء سياسة المنافع الجديدة – أمام مئات من الموظفين الآخرين. وبدلاً من اعتماد منهجية دفاعية، دخل أحد كبار القادة ببراعة في حوار مع الموظف، وطرح عليه أسئلة، وحاول أن يفهم وجهة نظره. ومن خلال الاستجابة بهذه الطريقة، منح القائد مصداقية لوجهة نظر الموظف وغيره من الأشخاص الذين كانوا يشاركونه رأيه. وتحدّث قادة آخرون عن المشاكل التي واجهوها وعن آرائهم حيال التشبث بالمعتقدات الدينية، مع اعتماد قيم الشركة على الرغم من ذلك، ومعاملة جميع الموظفين بإنصاف. وقد سمحت حوارات من هذا القبيل بظهور فارق ملموس في شركة “روكويل أوتوميشن”. وبات الموظفون أكثر ثقةً بقادتهم، وأكثر التزاماً، وازداد شعورهم بأنهم ينتمون إلى الشركة، على الرغم من فوارقهم.

وهكذا، يشير مثال شركة “روكويل” إلى أنه لا يجدر الالتباس بين قائد غير أناني وقائد ضعيف، إذ إن ممارسة التواضع بالطرق الموصوفة أعلاه تتطلّب شجاعة هائلة. ولكن للأسف، لا تكافئ المؤسسات هذا النوع من الشجاعة على الدوام. وبدلاً من اختيار الأشخاص المتميزين في مجال ترويج الذات، كما هو الحال في معظم الأحيان، قد يكون من الحكيم أن يتبع عدد متزايد من الأشخاص مثال شركات على غرار “غوغل”، و”روكويل أوتوميشن”، وغيرها من الشركات التي تعاود تحديد ملامح القيادة الفعالة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz