أفضل الاستراتيجيات تتبنى رؤية واسعة وليس رؤية بعيدة المدى فحسب

6 دقائق
أفضل الاستراتيجيات
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: التغيير والسرعة وعدم اليقين والزعزعة والمفاجآت هي جميعها ثوابت في بيئة الأعمال اليوم. وهي التي منعت القادة واضعي الاستراتيجيات من التخطيط للأحداث التي يتوقعونها على المدى الطويل. ويجب عليهم بالتالي تبني رؤية واسعة لإعداد أنفسهم للتهديدات والفرص التي قد تظهر في أي لحظة ومن أي اتجاه. ويشرح مؤلفا هذه المقالة أهمية تبني أفضل الاستراتيجيات وتبنّي وجهة نظر واسعة للاستراتيجية، ويقدمان توصية للقادة الذين يرغبون في تبنّي رؤية واسعة بأن يفكروا في ثلاثة مجالات مهمة بشكل مختلف، ألا وهي التركيز على الأنظمة بدلاً من القطاعات، والسيناريوهات بدلاً من التوقعات، والأدلة الإرشادية بدلاً من الخطط.

 

لطالما قيل للقادة إن التفكير بشكل استراتيجي يعني تبنّي رؤية طويلة المدى والتركيز على المستقبل الذي يتجهون إليه. وتعكس الأدوات المعاصرة ذلك التركيز بالفعل، كإطار الآفاق الثلاثة. لكن يجب على القادة في عالم اليوم الأكثر ترابطاً وسرعة تطوير استراتيجيات لا تركز على الرؤية الطويلة المدى بل على الرؤية الواسعة أيضاً، التي تشمل مجموعة كاملة من الفرص والتهديدات التي تظهر في كل مجال.

وينطوي التحول إلى رؤية واسعة للاستراتيجية على 3 تداعيات رئيسية للقادة. أولاً، إن هذا التحوّل يعني أن يركز القادة على توقع التغييرات السياقية التي قد تعيد تنظيم بيئة الأعمال بشكل كبير وسريع، وهو ما يعني ضرورة أن يعملوا مع الآخرين لخلق قيمة مشتركة. ثانياً، يعني التحوّل أيضاً أن يتخيل القادة آفاقاً زمنية مختلفة وأن يستخدموها لوضع خطط للمستقبل ولاكتساب وجهات نظر أوسع حول الحاضر على حد سواء. وثالثاً، يعني أنهم بحاجة إلى إعداد أنفسهم للتكيف مع الظروف المتغيرة بسرعة، من خلال تعزيز مرونتهم وخلق خيارات جديدة لأنفسهم.

وركزنا في استشاراتنا في مجال الاستراتيجية مع الشركات والمؤسسات الحكومية، بما فيها “المنتدى الاقتصادي العالمي” وبرنامج “أوكسفورد للسيناريوهات”، على الأهمية المتزايدة للرؤية الواسعة، وتعلمنا أن تصميم الاستراتيجية وتنفيذها بشكل صحيح يتطلب من القادة تغيير طريقة تفكيرهم في 3 مجالات أساسية. وسنناقش كلاً منها بالتفصيل أدناه.

التركيز على الأنظمة بدلاً من القطاعات

قد يجعل التفكير الضيق في القطاعات أو الصناعات أو المناطق الجغرافية التقليدية أداء المؤسسة محدوداً أو يقوّض أداءها. ويتمثّل النهج الأفضل في التفكير في الأنظمة. فالتفكير فيها مفيد في توعية القادة بشأن التغييرات الواسعة في السياق ويتيح لهم جمع الجهات الفاعلة من العديد من القطاعات، ما يخلق بدوره قيمة جديدة. كما يتمثّل الهدف الاستراتيجي منها في تصميم “أنظمة خلق القيمة” وتطبيقها وتوليد رأس مال اجتماعي من خلال بناء علاقات جديدة.

ومن الأمثلة على فائدة الأنظمة في خلق قيمة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً وفي توليد جمهور جديد بالكامل أو مجموعة من الزبائن، بطولة “إيه بي بي فورميولا إي” (ABB Formula E) العالمية، وهي بطولة جديدة لأصحاب الأداء العالي من سائقي السيارات الكهربائية ذات المقعد الواحد التي تديرها شركة “فورميولا إي هولدينغز” (Formula E Holdings).

طوّرت شركة “فورميولا إي هولدينغز” عند إدارة البطولة نظاماً يجمع مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة، بمن فيها الفِرق والشركات المصنعة للسيارات المتسابقة، والمدن التي تقام فيها السباقات، وجهات البث التي تتولى تغطية السباقات وقصة نجاح شركة “فورميولا إي”، ومختلف الشركاء الذين يقدمون مجموعة واسعة من التقنيات والخدمات، والجمهور.

كما سعت شركة “فورميولا إي هولدينغز” عبر ذلك النظام إلى بناء آليات محددة لتعظيم الخلق المشترك للقيمة. على سبيل المثال، قدّمت للفرق في البداية شركة واحدة من عدد محدود من شركات الامتياز، ما جعل هذه الفرق على يقين بالتأهل إلى البطولة (مقارنة بالحاجة إلى القيام بذلك كل موسم)، كما قدمت لهم أحد الأصول الذي ستزداد قيمته مع تطور البطولة. بالإضافة إلى ذلك، يؤدي تحديد سقف للتكلفة إلى زيادة المنافسة بين الفرق وإظهار مستوى الاستثمار المطلوب. ولجمع جمهور لهذا الحدث الجديد، طورّت الشركة أنواعاً جديدة ومبتكرة لإشراك عامة الشعب، من بينها إدارة السباقات على الطرق في المدن، بحيث يكون المتفرجون قريبين من الحدث، والسماح للجمهور بالتأثير على نتيجة السباق من خلال منح السائقين طاقة إضافية عبر إجراء استطلاع على الإنترنت.

ويجب على القادة التركيز على 4 أسئلة رئيسية عند التعامل مع الاستراتيجية من منظور الأنظمة: ما المنتجات والخدمات الجديدة التي يمكنك خلقها نتيجة التفكير في الأنظمة بدلاً من القطاعات فقط؟ ما المؤسسات والأفراد الجدد الذين يمكنك الوصول إليهم لفهم التغييرات الناشئة من حولك ولتحقيق أفضل تعاون معهم؟ هل تُبدي مؤسستك أهمية لتكوين رأس مال اجتماعي جديد مماثلة للأهمية التي تُبديها لتكوين رأس مال مالي وبشري؟ وما المهارات الجديدة التي يجب على مؤسستك تنميتها لتصميم أنظمة خلق القيمة وإدارتها؟

التركيز على السيناريوهات بدلاً من التوقعات

تسعى التوقعات وتطبيقات النماذج إلى التنبؤ “بالمستقبل” من خلال إجراء استقراء خطي من البيانات المعروفة. ولتلك التوقعات استخداماتها بالطبع، لكنها غير ذات جدوى في تفسير التطورات المفاجئة أو التغيير المفاجئ. من جهة أخرى، تساعد عملية تطوير السيناريوهات واستخدامها القادة على إنشاء استراتيجيات قوية في مواجهة حالة عدم اليقين. كما تساعدهم على التكيّف مع التغييرات المزعزعة، واستكشاف التحولات المطلوبة في الهوية المؤسسية، وتتبع التغييرات في الشركات وبيئة العمل. وتُصمم السيناريوهات عادة ضمن مجموعات تضم سيناريوهين إلى 4 سيناريوهات، وتمكن السيناريوهات القادة من إجراء تحول مفاهيمي مهم، فهي تجبرهم على التوقف عن التفكير في الاستراتيجية وعن وضع خطط للمستقبل، وتتيح لهم بدلاً من ذلك تعلم الدروس من العديد من السيناريوهات المستقبلية المعقولة لسياق المؤسسة التي يمكنهم تطبيقها في الوقت الحالي.

على سبيل المثال، استخدمت شركة الطاقة “بي بي” (BP) السيناريوهات كجزء من تقرير توقعات الطاقة لعام 2020، وهو تحليل سنوي لنظام الطاقة العالمية. يمرّ ذلك النظام في مرحلة انتقالية كبيرة تُلغي الاعتماد على الوقود الأحفوري، ما يخلق كثيراً من الشكوك للشركات في قطاع الطاقة.

لكن شركة “بي بي” طورّت 3 سيناريوهات وضعت افتراضات مختلفة حول أثر العوامل السياقية الأوسع مثل التكنولوجيا والسياسات الحكومية والتحولات في القيم الاجتماعية، وحول سرعة تأثيرها ودلائلها بالنسبة للشركات. وساعدت السيناريوهات الشركة على ابتكار استراتيجية جديدة تضمنت تحولاً في هويتها. وصرّحت في عام 2020: “نحن في خضم وضع استراتيجية جديدة من شأنها أن تساعدنا في التحول من شركة نفط دولية تركز على إنتاج الموارد إلى شركة طاقة متكاملة تركز على تقديم الحلول للزبائن”. ومن السمات الرئيسية لاستراتيجية الشركة الجديدة هي الشراكة مع البلدان والمدن والقطاعات لإنشاء حلول طاقة متكاملة حسب الطلب. كما تراقب الشركة سيناريوهاتها ووتيرة انتقال الطاقة العالمية بانتظام لجعل استراتيجيتها قوية وراسخة في مواجهة الشكوك المستمرة.

ويجب على القادة التركيز على 4 أسئلة رئيسية عند استخدام السيناريوهات لتطوير رؤية واسعة للاستراتيجية: ما الجوانب التي تولد إحساساً عميقاً بعدم اليقين في بيئة مؤسستك؟ مَن الأشخاص الذين يمكنك التعاون معهم، أو ما المعلومات التي يمكنك الحصول عليها لفهم نطاق آثار حالة عدم اليقين بشكل أفضل، وكيف يمكنك تطبيقها في سيناريوهاتك؟ كيف يمكنك تكييف استراتيجية مؤسستك للاستفادة من الفرص الجديدة وضمان أن تتسم بالقوة في مختلف السيناريوهات؟ ما الإشارات الرئيسية التي تقترح السيناريوهات استخدامها لتتبع التغييرات في بيئة مؤسستك؟

التركيز على الأدلة الإرشادية بدلاً من الخطط

تعتمد فرق أندية كرة القدم في أميركا الشمالية على الأدلة الإرشادية، وهي مجموعات الحركات أو “الحيل” التي يبتكرها المدربون مسبقاً لاستخدامها في أثناء المباريات استجابة للظروف المتغيرة. ويخدم دليل الاستراتيجية الإرشادي الغرض نفسه في المؤسسات، فتوقع مجموعة متنوعة من سيناريوهات المستقبل المعقولة يمكّن القادة من توليد مخزون واسع من المبادرات والاستجابات الاستراتيجية مسبقاً، وهو ما يمكّنهم من إعداد دليل إرشادي يتيح لهم التكيف وإعادة التمحور بسرعة ونجاح مع تغير الظروف. ولا تُعتبر الخطط وحدها كافية لتنفيذ الاستراتيجية في سياق ديناميكي ومعقد بشكل متزايد.

على سبيل المثال، قدمت شركة “بيليون” (Pelion)، وهي شركة تابعة لشركة “آرم” (Arm) المتعددة الجنسيات والمتخصصة في تصميم البرمجيات وأشباه الموصلات دليلاً إرشادياً للاستراتيجية لتوجيه أنشطتها صوب تطوير المنتجات وعقد الشراكات في سوق إنترنت الأشياء، وهي بيئة عمل متقلبة تمتاز بالتغيرات التكنولوجية والتنظيمية والجيوسياسية السريعة. يُتيح وجود دليل إرشادي لشركة “بيليون” في هذه البيئة المتقلبة التفكير بمرونة في السيناريوهات البديلة؛ وتحديد الآثار المترتبة على استراتيجية الشركة المتعلقة بأهدافها، وأصحاب المصلحة الرئيسيين، وشبكات خلق القيمة، والعمليات؛ إضافة إلى تحديد الحيل التي سيجري استخدامها في أي لحظة. ويتضمن الدليل الإرشادي أيضاً إشارات الإنذار المبكر التي تتيح للشركة توقع وقت تطبيق الحيل المختلفة والظروف التي ستُطبّق فيها. وتمكّنت الشركة نتيجة لذلك من التكيف بسرعة ونجاح مع متطلبات السوق المتغيرة.

ويجب على القادة التركيز على 4 أسئلة رئيسية عند تصميم دليل الاستراتيجية الإرشادي: ما الجوانب التي يمكن معالجتها بشكل أفضل باستخدام الدليل الإرشادي مقارنة بالخطط عند تنفيذ الاستراتيجية؟ ما “الحيل” المعقولة في السيناريوهات المختلفة؟ ما الخيارات التي يمكنك تولديها لتلك الحيل ليجري تطبيقها بحسب الضرورة؟ كيف ستراقب التطورات لتقديم تحذير مسبّق بشأن ماهية الحيل التي سيجري تطبيقها؟

تمارس الشركات أنشطتها التجارية اليوم في عالم عرضة لمفاجآت مستمرة. وقد يؤدي تبنّي رؤية طويلة المدى للقطاعات أو المناطق الجغرافية التقليدية إلى جعل القادة غافلين عن التهديدات والفرص الناشئة خارج نطاق رؤاهم المعتادة. ويعتبر اتخاذ وجهة نظر واسعة أمراً مهماً، كما قد يساعد التفكير في الأنظمة والسيناريوهات والأدلة الإرشادية القادة على تحقيق ذلك بنجاح.

ملاحظة: تلقينا المساعدة في إعداد أمثلة هذه المقالة من الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة “فورميولا إي” مايك باباديمتريو، ونائب رئيس الاستراتيجية (المركزي) في شركة “بي بي” نيكولا آدامز، وكبير مدراء المنتجات الفنية سابقاً في شركة “بيليون” ليون بوفيت.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .