facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

قد نجهل الخسائر طويلة الأجل الناجمة عن جائحة فيروس كورونا، لكن أثرها على نظام الرعاية الصحية والاقتصاد كان كارثياً بالفعل، وعلى الرغم من تفشي المخاوف من ارتفاع معدلات البطالة وتدهور الاقتصاد ووجوب معالجتها اليوم قبل الغد، فلا بد لأصحاب العمل أيضاً من البدء في التفكير في كيفية إعادة بناء الموظفين العائدين إلى قوة العمل أو المستجدين.

انضم إلى شبكة عالمية من المبتكرين. رشح نفسك الآن إلى جائزة مبتكرون دون 35 من إم آي تي تكنولوجي ريفيو..

ويشمل ذلك "الجيل زد" باعتبارهم أصغر الموظفين سناً في قوة العمل وأولئك الذين لا يزالون في المرحلتين الثانوية والجامعية، فقد تعرض الكثير ممن بدؤوا للتو حياتهم المهنية للتسريح أو الفصل من العمل، وحُبس طلاب المدرسة فجأة في منازلهم. يعاني كل هؤلاء بصفة عامة أكبر أزمة وطنية منذ الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية.

وفي النهاية، يستلزم إعداد قوة العمل من أجل المضي قدماً وتحقيق النجاح من أصحاب العمل أن يعالجوا التداعيات الناجمة عن جائحة "كوفيد-19" بالنسبة للموظفين الأصغر سناً والموظفين المستقبليين.

كيف تتأثر الأجيال بالأحداث الطارئة؟

لاحظ "مركز بيو للأبحاث" (Pew Research Center) أن النظر إلى الأحداث العالمية وغيرها من التجارب التأسيسية عبر عدسة الأجيال يساعد على فهم الكيفية التي يشكِّل بها الناس آراءهم في العالم من حولهم. وقد أُطلق على الشباب الذين نشؤوا في فترة الكساد الكبير ودافعوا عن وطنهم في الحرب العالمية الثانية اسم "الجيل الأعظم"، وبمجرد تجاوز الأزمات التي عصفت بالبلاد خلال هذه السنوات العصيبة تشارك هذا الجيل بعض السمات مثل حب الوطن الذي تجلى في تبجيل القيم الأميركية والإيمان بأهمية الحوكمة، والاقتصاد في النفقة الذي وُلد من رحم العوز الشديد.

وبالنسبة إلى جيل الألفية، فقد مثلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول والأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت عام 2007 أحداثاً كارثية غيرت حياة هذا الجيل، فبينما كان العديد منهم يجلسون في فصولهم، انتشرت بينهم أخبار الطائرات التي اصطدمت ببعض الأبراج، ولم يتمكن المعلمون المرعوبون ولا أفراد الأسرة ولا الأصدقاء من تقديم التطمينات المعتادة بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وباتت الفوضى الناجمة عن ذلك هي معيار الحكم على المستقبل بعد أن ظلت الهجمات الإرهابية المحتملة حاضرة دائماً في أذهان المنتمين إلى جيل الألفية وطريقة تفاعلهم مع العالم من حولهم.

وعندما بدؤوا لاحقاً في شق طريقهم إلى أماكن عملهم، انهار الاقتصاد، فأُلغيت عروض التوظيف، وتحولت فرص العمل بدوام كامل إلى وظائف بدوام جزئي دون مزايا، وكان أول من تعرض للفصل هم الموظفين الجدد، واضطر موظفو هذا الجيل، الذي لاحقته ظلماً سمعة عدم الولاء، إلى تغيير وظائفهم مراراً وتكراراً حتى يتمكنوا من دفع ما عليهم من الفواتير الأساسية وسداد ديون الدراسة الخاصة بهم، وهكذا أسهمت كل هذه التجارب معاً في تكوين جيل أكثر ميلاً إلى البحث عن النظام في عالمه وعن المغزى في عمله.

وبما أن أثر جائحة فيروس كورونا اليوم قد طال الجميع بلا رحمة، فمن المرجح أن تكون تداعياته طويلة المدى على "الجيل زد" وخيمة للغاية.

وسيظل "الجيل زد" محتفظاً في ذاكرته الجماعية طوال حياته بهذه الفترة التي توقف فيها العالم، إذ أثارت هذه اللحظات الحاسمة في حياة هذا الجيل مخاوف عميقة لديه بشأن مستقبله الغامض، إذ فقدوا بين عشية وضحاها تفاعلهم اليومي مع المعلمين الذين ربوهم، والمدربين الذين وجَّهوهم، والأندية التي احتوتهم، والأصدقاء الذين دعموهم خلال محن فترة الشباب المؤلمة. ولعل الأنشطة البارزة، مثل حضور الحفلات والمسرحيات وممارسة ألعاب القوى وحفلات التخرج، ضرورية للتطور الاجتماعي والعاطفي، حيث تُعد كل تجربة منها طقس مرور للمرحلة التالية في الحياة، وقد تلاشت سريعاً هذه الأنشطة التي تميز مرحلة المراهقة خلال دورة الحياة والتي كانت يرتقبها الشباب ويشاركون فيها بحماس.

كيف يمكن للشركات دعم موظفيها من "الجيل زد"؟

ربما سيستغرق الأمر سنوات حتى تتوافر بيانات كافية لتحديد حجم الآثار الكاملة لهذه التجربة على هذا الجيل، ولكن يمكن للبحوث الحالية مساعدة أصحاب العمل على معرفة ما يجب أن يتوقعوه وعلى معرفة الكيفية التي يمكنهم بها إدارة موظفيهم من "الجيل زد" اليوم ومستقبلاً.

ويمثل البحث في ثلاثة جوانب نقطة انطلاق جيدة لهذا التحليل: تنمية المهارات، والتعامل مع التوتر، وبناء الذكاء العاطفي.

1. تنمية المهارات

لقد تعطلت العملية التعليمية لـ "لجيل زد" لأن المدارس لم تكن مهيأة لإدارتها في ظل أوضاع كهذه، ولجأت بعضها إلى شرح المناهج إلكترونياً عبر الإنترنت بواسطة معلمين وأساتذة جامعيين غير مدربين على التدريس من خلال المنصات الإلكترونية، فيما راح آخرون يقللون من أسلوب التلقين المباشر، وأخذوا يحثون الطلاب أو أولياء الأمور (حسب مستوى الصف) على اللجوء إلى تنفيذ المشروعات المستقلة أو الاعتماد على المصادر الرقمية.

وجرت محاولات التعلم في معظم الأحيان بحضور أفراد الأسرة بأكملهم الموجودين في المنزل، ويضطلع كل منهم بمسؤوليات مختلفة، وهذه بيئة لا تساعد على التدريس دون أي تحضير. وتم إلغاء نظام الدرجات والاستعاضة عنه بنظام النجاح والرسوب، وتم التخلي عن الاختبارات وتمديد المواعيد النهائية.

قد تكون هذه الخيارات مناسبة في الوقت الحالي، ولكنها ستكون مكلفة في المستقبل على الأرجح، خاصة أن الأبحاث أثبتت أن "الجيل زد" يعاني بالفعل تحولاً ثقافياً صعباً عند الانتقال من المرحلة الجامعية إلى العالم المهني، وهو ما يفقدهم البوصلة ويجعلهم يشعرون بالارتباك، والآن بعد أن انقلبت العملية التعليمية الخاصة بهم رأساً على عقب، فقد يحتاج أصحاب العمل والموظفون القدامى إلى التحلي بمزيد من الصبر إلى أن يتكيف هذا الجيل مع العالم المهني، كما يجدر بهم توجيه مزيد من التركيز إلى التوجيه والدعم المتبادل بين الأجيال.

كما يجب على أصحاب العمل التفكير بشأن البرامج المصممة بعناية من أجل تسهيل عملية انتقال "الجيل زد"، على سبيل المثال، من خلال إعادة التفكير في برامج التوجيه والمهمات الأولى وإرشادهم إلى التركيز على تطوير الخبرات، فعلى سبيل المثال تتألف برامج التوجيه بصفة عامة من التعريف المختصر بالكتيبات الإرشادية وأنظمة الكمبيوتر وغيرها من أساسيات مكان العمل، ومن ثم يمكن لنهج آخر أكثر شمولاً أن يوسع نطاق التوجيه بحيث يشمل خبرة العمل برمتها في السنة الأولى ويتيح فرصة التناوب على جميع قطاعات المؤسسة ويشتمل على برامج تساعد الموظفين الجدد على الاندماج في ثقافة العمل، كما يمكن للبرمجة تلبية متطلبات الوظيفة الأساسية وتقديم الدعم الوظيفي الاستراتيجي وتوفير التدريب على أهداف المؤسسة وأهدافها النهائية، وهو ما يمكِّن الموظفين من معرفة المكان الذي يناسبهم وسبب تفضيلهم إياه.

وقد يكون التوجيه أيضاً وسيلة قوية للاستفادة من تنوع الأجيال، إذ أثبتت الأبحاث أن المهنيين الجدد الذين تلقوا تدريباً جيداً يتطورون على نحو أسرع لأنهم تلقوا تعليماً يعتمد على الدعم والتوجيه، ولزيادة فرص نجاح برامج التوجيه يتعين على أصحاب العمل التأكد من إدراك المدراء لفوائد العلاقات القوية بين الأجيال، وتبديد الصور الذهنية السلبية التي قد تجعل الموظف الجديد يتوانى عن الاندماج، وتوفير ما يلزم من الوقت الموارد، وتتمثل إحدى وسائل تحقيق مثل هذه الدرجة من الإدماج في تضمين برامج التوجيه العكسي، حيث يساعد الموظفون الشباب كبار العاملين على تنمية مهاراتهم في التقنيات التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثم يمكن لهذا التعاون المتبادل أن يعزز خبرة موظفي "الجيل زد" وأن يسهِّل عملية انتقالهم إلى مكان العمل، وهو ما يوفر لأصحاب العمل ميزة إضافية متمثلة في ترسيخ ثقافة عمل أقوى تصلح لمختلف الأجيال.

وبطبيعة الحال، فإن التعديل الأهم الذي تعيَّن على أماكن العمل إجراؤه وربما يظل مستمراً خلال هذه الجائحة هو تنفيذ إجراءات العمل عن بعد، فقد فرضت الأزمة هذا التحول المفاجئ على أصحاب العمل، لكن لطالما دعا خبراء أماكن العمل إلى مزيد من المرونة بناء على تغير التركيبة الديموغرافية فيما يخص النوع والعمر، وظهور الشركات العالمية والتقدم التكنولوجي، وعندما تبدأ الشركات في إعادة النظر في كيفية فتح أبوابها، يتعين عليها كذلك النظر بعين الاعتبار إلى إتاحة فرص جديدة للتعلم والانتقال إلى ثقافة تحترم المرونة التي يبحث عنها العاملون الشباب.

2. التعامل مع التوتر

لاحظ الباحثون لأكثر من عقد من الزمان اتجاهاً ينذر بالخطر، متمثلاً في ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب عند "الجيل زد" مقارنة بغيره من الأجيال، كما تشير الدراسات إلى أن تعرض الأطفال لقدر هائل من التوتر قد يعطل نمو الدماغ ويؤثر سلباً على النمو العقلي والاجتماعي، فإذا كان هذا الجيل بطبيعته يعاني مستويات أعلى من التوتر، فكيف ستكون آثار هذه الجائحة عليه عندما يتأثر عمل موظفيه وحياتهم المهنية؟

تدرك معظم الشركات أن عدم التعامل مع ما يعانيه الموظف من توتر وقلق قد يؤدي إلى التغيب عن العمل وارتفاع معدلات الدوران الوظيفي وانخفاض الإنتاجية، حيث تشير البيانات الحديثة إلى أن التكلفة السنوية للتوتر في أثناء مزاولة العمل لدى الشركات الأميركية تتجاوز 300 مليار دولار، غير أن عدداً قليلاً للغاية من الشركات اتجه إلى وضع برامج فاعلة من أجل مساعدة موظفيها الذين يعانون مشكلات في الصحة النفسية. وتشير الدراسات في الواقع إلى أن تبني سياسة فاعلة للتعامل مع التوتر في أثناء مزاولة العمل يؤتي ثماره على المستويات الثلاثة: الموظف ومكان العمل والمؤسسة، حيث تؤدي المنهجيات التنظيمية على وجه الخصوص إلى نتائج أكثر استدامة من النتائج الناجمة عن التدخلات الموجهة للأفراد فقط.

وبما أن الموظفين من "الجيل زد" قد بدؤوا حياتهم المهنية بمستويات أعلى من القلق والتي تفاقمت بسبب جائحة فيروس كورونا، فبإمكان أصحاب العمل استغلال الأبحاث الحالية وأفضل المنهجيات المطبقة من أجل إعداد برامج مخصصة للموظفين الشباب، وقد يشمل ذلك مجموعات التقارب للمقبلين على بدء حياتهم المهنية والتي تشجع على إجراء محادثات مفتوحة في بيئة داعمة، كما يمكن أن تعزز التدخلات التوجيهية ثقة الفرد بقدرته على النجاح وتقليل شعوره بالقلق، وهو ما يساعد على الحيلولة دون تفاقم مشكلات الأداء الطفيفة وتحولها إلى حوادث كبيرة تضر بالمستقبل المهني.

3. الذكاء العاطفي

تشير الأبحاث إلى أن الذكاء العاطفي عنصر مهم من عناصر القيادة الفاعلة، ويتألف الذكاء العاطفي من الوعي الذاتي والتنظيم الذاتي والتحفيز والتعاطف والمهارات الاجتماعية، ويتميز بإمكانية تعلمه وتعليمه للغير، حيث يمكن للموظفين الذين يطورون ذكاءهم العاطفي أن يوفروا أساساً راسخاً لبيئة عمل يسودها الاحترام وتضم عدداً من أفضل الكفاءات والمواهب من المدراء في المستقبل القريب، ومن ثم يقدم هذا الجانب من البحث كلاً من التحديات والفرص الماثلة أمام أصحاب العمل من "الجيل زد".

لقد واجه هذا الجيل عملية الإغلاق التي ابتُليت بها الحياة الاقتصادية في هذه السن المبكرة، وهو ما تسبب بدوره في تعطيل قدرات العديد من أفراده وعجزهم عن اكتشاف ما يحفزهم ويلبي طموحاتهم، لذا سيحتاجون إلى مزيد من الوقت في سنوات شبابهم لإجراء هذا الاستكشاف الذاتي، ويمكن لأصحاب العمل أن يساعدوا على سد هذه الفجوة بتقديم البرامج التي تساعد على بناء الذكاء العاطفي لديهم منذ بداية مسيرتهم المهنية، وليس قبل عدة سنوات من نهايتها. ملحوظة: أوصي بإلغاء مصطلح "المهارات الشخصية"، فهو مصطلح يشوه في الحقيقة أهمية التدريب والتطوير في هذه الجوانب المهمة.

وسوف يستفيد أصحاب العمل على الأرجح من زيادة فرص انضمام "الجيل زد" إلى أماكن العمل بمستوى أكبر من التعاطف والقدرة على التكيف، وهاتان الصفتان تمثلان جوهر الذكاء العاطفي، فبعد أن عانى أفراد هذا الجيل كل هذا الكم من الزعزعة في حياتهم وكل هذه الآلام على أصدقائهم وأحبائهم الذين أصابتهم هذه الجائحة، فسيكونون أكثر حرصاً على احترام مشاعر الآخرين في العمل.

إن الفرصة سانحة أمام الشركات لمساعدة أفراد "الجيل زد" ليصبحوا جيل القادة العظماء المقبل، إذ سيمكِّنهم تعرضهم لهذه المحن في هذه السن الصغيرة من جلب مزيج خاص من الصمود والإنسانية إلى مكان العمل، ومن ثم يمكن لأصحاب العمل الاستفادة من هذه التجارب التكوينية الفريدة من خلال توفير الدعم الممنهج لموظفيهم الأصغر سناً، وهو ما سيسهل عملية انتقالهم ويضمن لهم مكانهم في سوق العمل بوصفهم أعضاء يضيفون قيمة لا تقدر بثمن.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!