تابعنا على لينكد إن

منذ بداية الأبحاث في مجال الإدارة، وضّحنا أن الديناميات الاجتماعية تؤثر على أداء الأشخاص في أماكن عملهم. في الواقع، أحد الأسئلة المحورية في استبيان “غالوب” (Gallup) الشهير والمتعلق بمشاركة الموظف، يسأل فيما إذا كان المجيبون على الاستبيان يملكون أصدقاءً مقربين في العمل أم لا. وفي حين أن هناك افتراضاً قوياً يقول: “الصداقة في العمل دائماً ما تكون أمراً إيجابياً”، تشير دراسة أُجريت مؤخراً إلى أن وجود صديق مقرّب في مكان العمل يكون أمراً نسبياً  أكثر ما نفترض. وبالطبع هناك فوائد لوجود الأصدقاء ولكن هناك أيضاً بعض السلبيات.

قام بإجراء البحث مجموعة من الأساتذة بقيادة جيسيكا ميثوت (Jessica Methot) من جامعة “روتغرز” (Rutgers). إذ تعاونت مع زملائها جيفري ليبين (Jeffery Lepine) وناثان بودساكوف (Nathan Podsakoff) وجيسيكا سيجيل كريستيان (Jessica Siegel Christian) بدراسة تطور العلاقات المتعددة داخل الشركات لتحديد مدى فائدتها أو ضررها على الأداء. وتشير العلاقة المتعددة إلى “كيف يمكن أن يكون لصداقة واحدة عدة سياقات”. وعلى سبيل المثال، شخصان يعرفان بعضهما كصديقين وزميلي عمل، ما يعني سياقين مختلفين للدراسة.

وكان عدد الموظفين الذين شملهم الاستبيان 168 موظفاً في شركة تأمين جنوب شرق الولايات المتحدة. حيث شجّعت الشركة موظّفيها على التعارف مع أشخاص آخرين في الشركة عن طريق السماح للموظفين بتبادل مناصبهم مؤقتاً وبشكل أفقي، والعمل مع فرق أُخرى بالإضافة لفِرَقهم المعتادة. إذ سأل الباحثون جميع الموظفين الذين شملهم الاستبيان عن أسماء لما يصل إلى 10 زملاء عمل يطلبون منهم المساعدة في تحديات العمل. ثم طلبوا من المشارِكين إدراج أسماء لما يصل إلى 10 ممّن يعدّونهم أصدقاء وتربطهم معهم علاقة شخصية، ومن خلال السؤالين، كان الباحثون قادرين على تحويل القائمتين إلى شبكتَين، ومن ثم تحويل هاتين الشبكتين إلى صورة متعددة للشركة. كما قاموا بطرح أسئلة على الموظفين حول الإنهاك العاطفي وبيئة العمل نفسها. وأخيراً، بعد مرور أربعة إلى ستة أسابيع من الاستبيان، طلب الباحثون من المشرفين على الموظفين ملء تقييم أداء لهؤلاء الموظفين.

وبجمع كل ما سبق، استطاعت ميثوت بالتعاون مع زملائها (بعض هؤلاء الزملاء تعدّهم ميثوت أصدقاء) دراسة شبكة الشركة وتأثيرها على الأداء ومعدل الإنهاك ومدى إيجابية أو سلبية بيئة العمل. كما وجدت أن العلاقات المتعددة، والتي سببها وجود الكثير من زملاء العمل الذين أصبحوا في النهاية أصدقاء، حسّنت أداء الموظفين بشكل كبير، بحسب رأي مشرف الموظفين. ومنه، نجد أن أحد الأسباب المحتمَلة لهذه النتيجة هو سعي الناس وراء النصيحة، فإذا كان لديك أصدقاء في الشركة، سيكون من السهل عليك طلب المساعدة دون أن تخاف الحُكم عليك بضعف الأداء. بالإضافة إلى ذلك فإن وجود أصدقاء في الشركة، وخاصة إذا كانوا يعملون في أقسام مختلفة، سيمنحك الوصول إلى معلومات من خلال شبكات غير رسمية ربما لا تحصل عليها بطريقة أخرى. وهناك سبب آخر معنوي: حيث أفاد الموظفون ممن لديهم أصدقاء مقربين في الشركة كونَهم بمزاج جيد في كثير من الأحيان، والذي له آثار إيجابية على العمل الذي يقومون به.

ولكن صداقة العمل لها سلبيات أيضاً، وربما يكون أكبرها هو الإلهاء، فالنقاشات الارتجالية والفواصل الطويلة لأغراض اجتماعية  تسرق الوقت ببطء، ما يجعل إتمام العمل أكثر إرهاقاً عندما نركز عليه. كما أن وجود الأصدقاء في العمل أثار معدلاً مرتفعاً من الإنهاك العاطفي. حيث أن مواكبة المزيد من العلاقات الأعمق يُعدّ أمراً صعباً. كما يمكن لهذه العلاقات أن تكون مصدراً  للضغط عند وجود الترقيات، وذلك لزيادة احتمال أن نشعر بالحسد نحو المقربين أكثر من غيرهم. وفي حين أن التأثيرات العاطفية هذه خفضّت مستوى الأداء، إلا أن المكاسب الإيجابية من وجود زميل صديق تفوقت على السلبيات.

وفي دراسة للمتابعة، أُجريت في شركات متعددة وبمجالات متعددة، وجد الباحثون تأثيراً مشابهاً. يقتضي بأن وجود زملاء وفي نفس الوقت أصدقاء ربما يسبب استنزافاً عاطفياً بعض الشيء، لكنه يجعلنا أكثر إنتاجاً بشكل عام. حيث كتب الباحثون: “يؤثر أصدقاء العمل على الأداء بشكل أفضل من العلاقات القائمة على الصداقة تماماً.”

أما بالنسبة للشركات والقادة أيضاً، فإن التحدي في هذا البحث هو كيفية إحداث توازن بين فوائد تشجيع الموظفين على تكوين صداقات في العمل وبين السلبيات المحتمَلة للإرهاق العاطفي.

إذ يجب أن يكون المدراء أكثر وعياً تجاه الشبكات غير الرسمية داخل شركاتهم، فالموظفون لا يستخدمون هذه الشبكات للحصول على النصيحة والمساعدة في الأداء وحسب، بل من أجل تطوير صداقاتهم أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، تُعدّ هذه الشبكات غير الرسمية مجالات لحدوث محادثات مرهقة عاطفياً.

أما بالنسبة للأفراد فإن نتيجة هذا البحث هي حاجتنا جميعاً إلى أن نكون أكثر وعياً نحو كيفية ومكان قضائنا للوقت. لذلك فإن استثمار الوقت في تنمية صداقات العمل هو أمر له فوائد، وخاصة عندما تكون محادثة قصيرة قادرة على إعادة تحفيزنا مرة أخرى. ولكن الكثير من المحادثات القصيرة أو التحدث عن الموضوع الخاطئ مثل حسد زميل آخر يمكن أن يحوّل الفوائد إلى سلبيات.

عموماً، يبدو أن إيجابيات وجود صديق مقرّب في العمل يفوق سلبياته. عن طريق التعامل مع الأمر بشكل مدروس، إذ يمكن للمدراء والأفراد أن يقلبوا الموازيين لتحقيق مكاسب أكبر من هذه أيضاً. وخلاصة القول، يمكن للعمل أن يستفيد من العلاقات الشخصية، إذا تمت ممارسة الأمور بشكل صحيح.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz