"انطلقوا وابحثوا عن شغفكم!" هذا ما قاله هاني لأولاده عندما وصل كل واحد منهم إلى أواخر سن المراهقة وأوائل العشرينيات. "اكتشفوا ما تحبون عمله خارج نطاق أعمال العائلة". على قدر ما تبدو هذه الكلمات ملهمة، إلا أن هاني ، وهو الأب صاحب الشركة الناجحة في مجال قطع غيار السيارات، لم يكتف بنصيحة أولاده بأن يتبعوا أحلامهم فحسب، بل دفعهم نحو تحقيق ذلك.

بعدما رأى هاني كيف أنّ العديد من أصحاب الشركات العائلية الأخرى يأتون بأطفالهم إلى شركاتهم في وقت مبكر و"يلحقون بهم الضرر"، على حد تعبيره، أو يقومون بإفسادهم بالدلال الزائد ويجعلون الحياة سهلة جداً أمامهم؛ كان من جهته خائفاً من فعل الأمور ذاتها مع أطفاله. كان يؤمن كثيراً أنّ أفضل أسلوب لجعلهم يتطورون هو "إبعادهم عن الشركة" وجعلهم يختبرون الحياة خارجها. لذا كان يراقب بفخر كيف أنّ كل واحد من أولاده قد شق طريقه المهني، فكان منهم المحامي والفنانة والمصرفي الناجح. 

ومع ذلك، لم يفكر هاني كثيراً في الأدوار الوظيفية التي قد يشغلها أولاده في الثلاثينيات والأربعينيات من أعمارهم وما يلي ذلك داخل شركتهم العائلية الكبيرة والمتوارثة. بدا الأمر وكأنه فكر وخطط للنصف الأول من حياتهم فحسب. أما في النصف الثاني، فقد وجد أنّ عليه أن يغير نصيحته السابقة إلى العكس، إذ كان عليه أن يعثر على طريقة ليجذب بها أولاده (الأكبر سناً الآن والناجحين في أعمالهم) إلى الشركة العائلية، وهو نفس المكان الذي أبعدهم عنه بشكل واضح في السابق. ولقد اتضح له أنّ هذه الخطوة هي الأصعب والتي لا تقل أهمية عن سابقتها.

كان هاني يعلم أنّ الشركات العائلية يتم توارثها عبر الأجيال فقط في حال عمل فيها مالكوها. حتى أفضل أعضاء مجلس إدارة الشركة، والذين هم من خارج العائلة كانوا يفتقرون إلى المنظور طويل المدى الذي يمتلكه أصحاب الشركة الكبار بشكل فطري. يقول هاني: "أنا لا أتعامل أبداً مع سيارة قمت باستئجارها على أنها ملكي". ولكن على الرغم من أنّ أولاده قد "يمتلكون" تلك الشركة في يوم من الأيام، إلا أنه لم يكن واضحاً بعد بالنسبة لهاني كيف سيعمل على تطوير مواهبهم داخل الشركة، وكيف يضمن أنّ جميعهم سوف يجدون أعمالاً تناسبهم فيها. وكان يقول لنفسه: "ما الدور الوظيفي الذي يمكن أن تشغله ابنتي الفنانة في شركتنا العائلية؟ أما أبنائي فأنا أعلم أنهما سيتنافسان فيما بينهما كشقيقين".

إنّ التخطيط للانتقال يمكّن الجيل القادم من شق طريقه الخاص، ثم العودة بنجاح إلى شغل الأدوار الوظيفية في مجال عمل الشركة العائلية، وهو أمر بالغ الأهمية لمستقبل شركتك التي عملت فيها بجهد لتأسيسها والمحافظة عليها. 

من خلال خبرتنا في مجال تقديم المشورة لأصحاب الشركات العائلية، وجدنا أنّ هناك خمسة عناصر قد نجحت في إرشاد الجيل القادم للعودة إلى العمل داخل الشركة العائلية. وإليك كيفية القيام بذلك بشكل صحيح: 

ساعد أولادك في العثور على أدوارهم الوظيفية الصحيحة. يركز أصحاب الشركات في كثير من الأحيان على جعل أحد أولادهم يشغل دوراً وظيفياً واحداً فقط، وهو الرئيس التنفيذي المستقبلي للشركة، ولكن يشوب تلك النظرة الكثير من القصور. إذ تعتبر الأدوار الوظيفية الأخرى أساسية لإدارة الشركة العائلية بفاعلية، وهي الأدوار التي لا يمكن استقطابها من الخارج. مثل أن يكون الفرد عضواً في مجلس إدارة العائلة، ويدير مكتب العائلة، ويترأس "غرفة صاحب الشركة"، ويقود أفراد العائلة داخل الشركة، ويترأس مجلسها.

دعهم يشكلون مجموعة عمل ديناميكية. من واقع خبرتنا، وجدنا أنه من الضروري إدارة كيف سيعمل أصحاب الشركة من الجيل القادم ويتواصلون مع بعضهم البعض. فعند دخولهم الشركة، سيجلبون معهم أموراً من مرحلة الطفولة، وسيشغلون وظائف مهنية مختلفة هناك، ومن المحتمل أن تربطهم علاقات متباينة مع شركتهم العائلية. لذلك، خصص وقتاً لهم ليتمكنوا من التعرف على بعضهم البعض مرة أخرى ضمن هذه البيئة الجديدة، وليتمكنوا أيضاً من التعرف على أدوارهم كمالكين للشركة، وذلك من دون وجودك بينهم. اطلب منهم مناقشة اهتماماتهم وعُمق التزاماتهم (الشخصية، والأسرية والعائلية، والمهنية، وأدوارهم ضمن الشركة العائلية).

ساعدهم على تكوين هدف مشترك. عندما يصبح أولادك هم المالكين للشركة في نهاية المطاف، سوف يُطرح عليهم سؤالاً من قبل أفراد مجلس الإدارة حول ما يريدونه من الشركة: هل النمو؟ أم العوائد؟ أم المبيعات؟ وضّح لهم أنه إذا كانت أهدافهم متضاربة، فإنّ قوتهم كمالكين سوف تتلاشى. عيّن عضواً حالياً في مجلس إدارة الشركة للعمل معهم من أجل تكوين هدف مشترك كمالكين. اطلب منهم مناقشة المصالح الخمس المتضاربة عادة لدى المالكين: تعظيم قيمة الشركة على المدى الطويل وتحصيل الأرباح قصيرة الأجل، التركيز على الأعمال الخيرية وتوظيف أفراد العائلة وبناء التوافق العائلي.

أنشئ برنامجاً لتطويرهم. تقوم الشركات العائلية الرائدة بتطوير برامج لمساعدة أولادهم على أن يصبحوا مالكين فاعلين للشركة وقادة محتملين في المستقبل. وقد وجدنا من خلال خبرتنا، أنّ هذه البرامج تركز على خمسة أهداف رئيسة وهي: صقل مهارات وقدرات امتلاك شركة، ومعرفة مبادئ وممارسات الشركات العائلية، ومعرفة أصول الشركة العائلية، وفهم تاريخ وقيم العائلة، وتطوير الكفاءات القيادية الشخصية. وعادة ما يقود هذا البرنامج عضو المجلس المالك للشركة، معتمداً على خبراء وتنفيذيين من خارج العائلة لدعم عملية التعليم.

امنحهم مساحة للعمل. تعمل أفضل الشركات العائلية على تشكيل نموذج عقلي مكون من أربع "غرف" مختلفة: غرفة صاحب الشركة وغرفة العائلة وغرفة الإدارة وغرفة اجتماعات مجلس الإدارة. تأكد أنّ جميع المالكين يفهمون قواعد كل غرفة ويدركون إلى أي غرفة ينتمون في مختلف الأوقات. ومع مرور الوقت، اعرض عليهم "تأثيث" كل غرفة بالأشخاص وعمليات اتخاذ القرار التي ستحقق طموحاتهم في نهاية المطاف على أفضل وجه. وتذكر أنّ ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها، إذ إنّ عملية التأسيس السليمة قد تستغرق من خمس إلى عشر سنوات للحصول على نتيجة إيجابية. 

عندما تضع استراتيجية ملائمة لدمج أولادك البالغين في العمل، قد تتفاجأ كيف أنّ تجاربهم المهنية خارج شركتك قد صقلتهم ليتمكنوا من تحقيق النجاح. إذ إنّ الهدف لن يكون فقط تقديم المساعدة للجيل القادم لتطوير مهاراتهم القيادية، بل أيضاً لبلورة المسؤولية السيكولوجية للشركة. وأنت لن تستطيع أن تخمّن ما سيحدث أبداً، فقد تفاجئك ابنتك الفنانة بما تستطيع أن تقدمه للشركة كمالكة لها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!