التنافس موجود في كل مكان؛ فنحن نرى تنافساً في الرياضة والعمل والدراسة، وفي أي ميدان حيث تكون هناك منافسة. وسواء كان تنافساً بين أشخاص (بيل غيتس ضد ستيف جوبز، وروجر فيدرر ضد رافائيل نادال)، أو بين مؤسسات (مثل فورد ضد جنرال موتورز) أو بين دول (على سبيل المثال، هل كان يجب على مشجعي كرة القدم الأميركيين أن يساندوا غريمتهم المكسيك في كأس العالم؟)، فإنّ هناك شيئاً قوياً على نحو فريد حول التنافس يميزه عن الأشكال الأخرى من العلاقات.

هناك العديد من القصص التي تسلط الضوء على فوائد التنافس، بداية من تحفيز المتنافسين بشكل أكبر إلى مساعدتهم على تقديم أداء أفضل. على سبيل المثال، يُعتقد أنّ المنافسة بين الفرقتين الموسيقيتين “ذا بيتلز” و”ذا بيتش بويز” دفعت كلتا الفرقتين للوصول إلى مستويات أعلى من الإبداع والأداء في كتابة أغانيهما. وبالمثل، يُعتقد أنّ التنافس بين شركتي إنتل وإيه إم دي (AMD) قد ساعد على تطوير تقنية صناعة رقاقات الحاسوب.

ولكن رغم وفرة الأدلة القولية، تُعد البحوث العلمية عن مثل هذه العلاقات التنافسية نادرة. ولهذا قضينا السنوات القليلة الماضية في دراسة ما يجعل التنافس فريداً من نوعه، وكيف يؤثر على سلوكنا، وكيف يؤثر على المؤسسات.

تدعم نتائجنا السابقة فكرة أنّ التنافس يمكنه تحفيز المتنافسين لتقديم مستويات أعلى من الأداء، وتكشف النتائج أنّ التنافس ينتج بفعل الخبرات المتشابهة والمنافسات المتكررة والمسابقات التي تُحسم بفوارق بسيطة. وفي بحثنا الأخير، أجرينا دراستين لدراسة تأثير التنافس على اتخاذ القرار والمجازفة. كان هدفنا هو تحديد ما إذا كانت مشاعر التنافس بين المتنافسين تؤثر على ميلهم للمخاطرة وكيف يحدث ذلك ولماذا.

في دراستنا الأولى، نظرنا إلى مجال يشهد منافسات شرسة ومعروفة وهو الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية. ومع الميزانيات والإيرادات السنوية التي تبلغ ملايين الدولارات، ومئات الموظفين المقسمين لفرق وتسلسلات هرمية، والرهانات الكبيرة على الأداء، يعتمد نجاح فرق الدوري الوطني بشكل كبير على القرارات التي يتخذها اللاعبون والمدربون. حلّلنا آلاف القرارات المتخذة في اللعبة لنرى ما إذا كانت الفرق تقوم بمجازفات أكثر في الملعب حينما تواجه منافسيها.

بدأنا بقياس شدة التنافس بين الفرق عن طريق حساب متوسط عدد قليل من التقييمات المختلفة، كتلك التي صممها خبراء الدوري الوطني (مثل قائمة الدوري الوطني لأفضل 10 منافسات بين الفرق)، وتلك التي جاءت من 56 مشجع لدوري كرة القدم الأميركية من ذوي الخبرة الذين استطلعنا آراءهم، ومن عدد نتائج البحث على جوجل عن كلمات مثل المنافسة بين فريقي “نيو إنغلاند باتريوتس” (New England Patriots) و”نيويورك جيتس” (New York Jets)، ثم جمعنا بيانات مفصلة عن حركات اللعب على مدار تسع سنوات (من 2002 إلى 2010)، وهو ما بلغ مجموعه نصف مليون حركة لعب مختلفة.

وبعد التحكم في مجموعة واسعة من العوامل التي قد تؤثر أيضاً على قرارات الفرق، بما في ذلك ميل الفرق للمخاطرة والوقت المتبقي في المباراة ونتيجة المباراة ورقم هذه الجولة من جولات الموسم، ومستويات القدرة النسبية للفرق (التي تُحدد وفقاً لتصنيف شبكة ESPN)، ووجدنا أنّ التنافس بين الفرق قد أدى إلى مجازفة أكبر. على وجه التحديد، وجدنا في أحد التحليلات أنّ الفرق كانت أكثر ميلاً بنسبة 37% لمحاولة إحراز نقطتين إضافتين وأكثر ميلاً بنسبة 7% لمحاولة إحراز نقاط إضافية في مبارياتها ضد منافسيها بالمقارنة مع المباريات ضد فرق غير منافسة لها. ولم نجد أنّ هذه المخاطرة الكبيرة أدت إلى أداء أو نتائج عامة أفضل أو أسوأ.

وبعد ذلك، أجرينا تجربة للتأكد من نتائجنا في بيئة محكمة ودرسنا أسباب زيادة التنافس للمخاطرة. دعونا 149 طالباً في جامعة ولاية أريزونا الأميركية للمشاركة في دراسة معملية عن اتخاذ القرار. وقيل للمشاركين إنهم سيتنافسون ضد مشارك آخر في مهمة لاتخاذ القرار. ودون علمهم، كان منافسهم في الواقع هو أحد أعضاء فريقنا البحثي، الذي لعب دور إما خريج حديث من جامعة كولورادو وإما خريج حديث من جامعة ولاية أريزونا، من خلال ارتداء قميص الكلية (وطلبنا أيضاً من المشاركين أن يرتدوا قمصاناً تمثل جامعاتهم كطريقة لتحديد هويتهم في المجموعة).

وكما هو الحال في العديد من المباريات الثنائية في الجامعات الأميركية الكبرى التي تقع في الولاية ذاتها، تعد جامعة أريزونا وجامعة ولاية أريزونا منافستين شرستين تتمتعان بتاريخ من المنافسة يعود إلى عام 1899 وكأس يذهب إلى الفائز بمباراتهما السنوية في كرة القدم الأميركية (كأس الإقليم). ولذلك جرى تكليف المشاركين عشوائياً للتنافس ضد عضو في مؤسسة منافسة أو غير منافسة.

ووجدنا أنّ المشاركين الذين كانوا متنافسين مع أحد خريجي جامعة ولاية أريزونا قد قاموا بمخاطرات أكبر في المتوسط مقارنة بالمشاركين الذين تنافسوا مع أحد خريجي جامعة كولورادو. وكان المشاركون أكثر ميلاً للمخاطرة بخسارة كل شيء مقابل جمع المزيد من النقاط.

وفي هذه التجربة، درسنا أيضاً لماذا زاد التنافس من المخاطرة. فعلنا ذلك بطريقتين: أولاً، قمنا بقياس مستوى الإثارة الفسيولوجية للمشاركين، من خلال قياس معدل نبضات قلبهم قبل مواجهة خصمهم وفي أثناء تنافسهم. وكانت البحوث السابقة قد ربطت بين الإثارة الفسيولوجية المرتفعة وزيادة المخاطرة. ووجدنا أنّ المشاركين الذين كانوا في مواجهة منافس لهم أظهروا زيادة أكبر في معدل ضربات القلب، من البداية وحتى بدء المنافسة، مقارنة بالمشاركين الذين لم يواجهوا منافساً لهم. وهذا يوضح أنّ المواجهة ضد خصم ترفع استجابة الإثارة الفسيولوجية، وهي ما تزيد بدورها ميل الأشخاص للمخاطرة.

ثانياً، استطلعنا آراء المشاركين بعد المنافسة لفهم طريقة تفكيرهم، ودرسنا ما إذا كانت إجاباتهم أكثر توافقاً مع ذهنية “التركيز على النهوض والترقي” (التي ربطتها البحوث السابقة بالمخاطرة وتعني أنّ الفرد أكثر تركيزاً على تحقيق نتائج مثالية) أم أكثر توافقاً مع ذهنية “التركيز على الوقاية” (التي تعني أنّ الفرد أكثر اهتماماً بتجنب النتائج السلبية). ووجدنا أنّ هؤلاء الذين واجهوا منافسين لهم كانت لديهم ذهنية “التركيز على النهوض والترقي” أقوى من هؤلاء الذين لم يواجهوا منافسين. وهذا يشير إلى أنّ التنافس زاد التركيز على الترقي وبالتالي زاد من المخاطرة. وهكذا، بدا أنّ التنافس يزيد من المخاطرة عن طريق تغيير فسيولوجية المشاركين ونفسيتهم.

وتحمل نتائجنا بعض المضامين الهامة بالنسبة للأفراد والمؤسسات، إذ لا تُعد المخاطرة جيدة أو سيئة بطبيعتها؛ فذلك يعتمد على السياق. في المؤسسات والصناعات التي يجري فيها تقدير قيمة التجارب والابتكارات والخطوات الاستراتيجية الجريئة والتفكير خارج الصندوق (مثل الصناعات التقنية)، يمكن أن يكون التنافس دافعاً مهماً للمخاطرة. وقد يعني هذا تأكيد المنافسات طويلة الأمد بين الشركات، أو تعزيز المنافسات (الودية) بين الموظفين، ربما من خلال إنشاء أنظمة تحفيز تتيح فرصاً متكررة للتنافس (وبالتأكيد، هناك مخاطر عند القيام بذلك ويجب أخذها في الاعتبار أيضاً).

ومن ناحية أخرى، تتطلب بعض الوظائف والصناعات نتائج موثوقة وخالية من الأخطاء (مثل المحاسبة). وفي هذا السياق يحرص المدراء من تلقاء أنفسهم على تقليل تأثير التنافس على قراراتهم وقرارات موظفيهم. ويجب على المدراء أولاً تقييم مدى رغبتهم في تشجيع سلوك المخاطرة أو كبحه، ثم إيجاد أساليب للتأكيد على التنافسية أو عدم التشديد عليها للوصول إلى المستوى المثالي للمخاطرة في المؤسسة. ومن المهم أيضاً النظر إلى التأثيرات الفسيولوجية للتنافسية، حيث يمكن أن تؤدي الفترات الطويلة من التنافس ضد منافسين إلى حدوث إرهاق ناتج عن إجهاد ذهني بسبب الإثارة المرتفعة بشكل مزمن.

تنتشر في عالم الأعمال قرارات من قبيل اتخاذ المخاطر والمجازفات من عدمها، وتحديد مستوى المخاطر، فتلك هي التي تقود استراتيجية الشركة والتسويق والبحث والتطوير، بالإضافة إلى قرارات الاستثمار الفردية. وتشير أبحاثنا إلى أنّ المنافسات مع المنافسين، بالإضافة إلى هوية من يتخذ القرار ونوع القرار الذي يُتخذ، يمكن أن يكون لها تأثير كبير على عملية اتخاذ القرار.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!