طلبت منا مؤخراً مديرة الموارد البشرية بإحدى شركات الرعاية الصحية تحديد أفضل إطار جديد للقيادة يمكن أن تستخدمه لتدريب مجموعة صغيرة من الموظفين ذوي الإمكانات العالية وتطويرها. وقالت إنّ التحدي يتمثل في أنّ هؤلاء المدراء كانوا بارعين للغاية في اختصاصاتهم مثل الشؤون المالية والتسويق والأبحاث والرعاية السريرية وتعويضات التأمين، وأثبتوا أنّ بإمكانهم إدارة الأشخاص في هذه المجالات، لكنها احتاجت إلى أن يكونوا قادة "أفضل". وسألتنا ما هي أحدث الأفكار عن تطوير القيادات التي هم بحاجة إلى تعلمها لقيادة وظائف متعددة، أو التأثير على جميع قطاعات المؤسسة، لاسيما في عالم الرعاية الصحية سريع التغير؟

كان سؤال مديرة الموارد البشرية يتضمن افتراضاً صريحاً بأنّ أحدث الأفكار عن تطوير القيادة لا بد أن تحتوي على شيء جوهري. بعد كل شيء، هناك مئات الكتب التي تُنشر عن القيادة كل عام، إضافة إلى آلاف الكتب المتوفرة بالفعل على موقع أمازون. هناك أيضاً أدوات تقييم جديدة تعتمد على التقدم في علم الدماغ والذكاء الاصطناعي ونمذجة العلاقات السببية؛ وأيضاً الخوارزميات الجديدة بمساعدة الحاسوب لصناعة القرار ومحاكاة الواقع الافتراضي؛ بالإضافة إلى مجموعة من البرامج التجريبية الجديدة والدورات التدريبية على الإنترنت والشهادات الجامعية التي تمنح في هذا المجال. وفي ظل هذه الموجة من التطورات، لا بدّ أن تكون هناك بعض الأساليب الجديدة المفيدة للتفكير في القيادة.

لكن الواقع مختلف بعض الشيء. صحيح إنّ صناعة تطوير القيادة مزدهرة، وهناك الكثير من الأفكار الجديدة والمثيرة للاهتمام التي قد يكون بعضها مفيداً، لكن على الرغم من العديد من التغييرات في ظروفنا، حيث أصبحت المؤسسات أكثر ديمقراطية وترابطاً، إلا أنّ أساسيات القيادة لم تتغير مع مرور الوقت. ما زالت القيادة هي حشد الأشخاص داخل المؤسسة حول أهداف مشتركة لتحقيق التأثير المطلوب على نطاق واسع.

ترسخ هذا المنظور المجرّب والحقيقي عن القيادة في أذهاننا خلال العام الماضي، إذ أجرينا أبحاثاً وكتبنا كتيب "القيادة" الخاص بمجلة هارفارد بزنس ريفيو. أجرينا مقابلات مع أكثر من 40 قائداً ناجحاً من بين مجموعة متنوعة من المؤسسات (الشركات الكبرى والمؤسسات غير الربحية والشركات الناشئة) التي تعمل في قطاعات صناعية مختلفة، ثم راجعنا مقالات نُشرت على مدى عقود عدة في مجلة هارفارد بزنس ريفيو لفهم الرسائل المتكررة من الأكاديميين والممارسين عما ينبغي للقادة فعله. وكان استنتاجنا من هذا البحث، ومن خلال سنوات خبراتنا بصفتنا مستشارين للمؤسسات ومستشارين في القيادة، هو أنّ أفضل القادة الذين يتمتعون بالتأثير الأكبر دائماً ما يتبعون هذه الممارسات الأساسية التقليدية الست:

1- توحيد الأشخاص حول رؤية مثيرة وطموحة.

2- بناء استراتيجية لتحقيق هذه الرؤية من خلال اتخاذ القرارات بشأن ما يجب فعله وما لا يجب فعله.

3- استقطاب أفضل المواهب الممكنة وتنميتهم لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

4- التركيز باستمرار على النتائج في سياق هذه الاستراتيجية.

5- تطوير عملية ابتكار مستمرة تساعد في إعادة ابتكار الرؤية والاستراتيجية.

6- قيادة نفسك: أي معرفة نفسك وتنميتها حتى تتمكن من قيادة الآخرين بفعالية أكبر وتنفيذ هذه الممارسات.

من المؤكد أنّ نقطة البداية تختلف في بعض الأحيان، أو أنّ إحدى هذه الممارسات الست تتطلب تركيزاً أكثر من غيرها، أو أنّ تسلسل الأنشطة قد يختلف. نعم يتبع القادة هذه الممارسات بأساليب مختلفة اعتماداً على شخصياتهم وأوضاعهم، لكن المجموعة ذاتها من الممارسات تكون حاضرة دائماً.

على سبيل المثال، عندما انضمت سيرينا ماسيا (واحدة من القيادات التي أجرينا مقابلات معها) إلى شركة إكس إل الأميركية للتأمين (XL Insurance) عام 2010 لتترأس قسم التأمين على الممتلكات والحوادث في أميركا الشمالية بها، كانت الشركة مستقرة لكن بطيئة النمو. وبينما كانت تتعرف على الأرقام وعلى المؤسسة التي تعمل بها وعلى الأسواق، تصورت سيرينا أنه يمكن تحويل الشركة إلى شركة أسرع نمواً وأكثر ربحية من خلال تقديم مجموعة أوسع من عروض المنتجات. وكان حشد فريقها معاً حول هذه الرؤية وإيضاحها بمساعدتهم، وهي الممارسة الأولى من الممارسات الأساسية الست الذي ذكرناها آنفاً، هو محور تركيزها في أيام عملها الأولى في الشركة.

ولترجمة هذه الرؤية إلى أفعال، تحدت سيرينا فريقها لزيادة مستوى أقساط التأمين ثلاثة أضعاف في غضون ثلاث سنوات دون التضحية بجودة اشتراكات التغطية التأمينية، وطلبت من كل منهم تطوير استراتيجية سريعة حول كيفية تحقيق ذلك في مناطق بيع المنتجات التأمينية وكيفية الاستفادة بشكل أمثل من التغطية التأمينية ووظائف الدعم الأخرى المتوفرة بالشركة من أجل القيام بذلك. ثم عملت سيرينا مع كل مدير على حدة لمساعدته في صياغة هذه الاستراتيجية وفي اتخاذ القرارات اللازمة بشأن كيفية توزيع الموارد وأماكن تركز العمل ومدى سرعة التقدم في هذا المسار. وهذا هو جوهر الممارسة الأساسية الثانية التي ذكرناها في بحثنا، ألا وهي بناء الاستراتيجية لتحقيق الرؤية.

وعندما عانى بعض أعضاء فريق سيرينا في التوصل إلى استراتيجيات مدروسة، أو لم يتمكنوا من الانتقال إلى العمل سريعاً، أبدت سيرينا ردود فعل قاسية تجاههم ودفعتهم للخروج من مناطق راحتهم، وقدمت لهم مساعدة تنموية حسب الحاجة، وفي بعض الحالات استبدلتهم أو نقلتهم إلى مناصب أخرى. كانت هذه الإجراءات كلها في خدمة بناء أفضل فريق لتنفيذ هذه الاستراتيجية، وهو ما يمثل الممارسة الثالثة المتعلقة بتوظيف أفضل المواهب.

ثم تمكن هذا الفريق القوي من الاستجابة لدوافع سيرينا الحثيثة لتحقيق النتائج من خلال اختبار أفكار جديدة سريعاً، والتفاعل مع الوسطاء المحليين، وتوسيع الأسواق المستهدفة، ومجموعة أخرى من خطوات العمل المحددة التي كانت تهدف جميعها إلى التركيز على النتائج، وهو ما يمثل الممارسة الرابعة. ومع ظهور النتائج، حثت سيرينا الفريق على إعادة تقييم خططهم والتعلم من تجاربهم والابتكار والتحسّن المستمر، وهو ما يمثل الممارسة الخامسة، أي الابتكار. على سبيل المثال، قامت بعض الفرق بتجربة إرسال مندوبي التأمين إلى الميدان للعمل مع وسطاء التأمين، بحيث يرسل الوسطاء إلى المندوبين الأعمال التي يفضل تنفيذها من جانب شركة إكس إل، وهو ما يعد خروجاً كاملاً عن الممارسات السابقة، ولكنها ممارسة تبين أنها مفتاح نجاح للشركة.

وفي أثناء اتخاذ هذه الإجراءات، كانت سيرينا تتعرف أيضاً على طريقة قيادتها الخاصة وما الذي نجح معها وما الذي كانت تحتاج إلى القيام به بشكل مختلف. وتعلمت سيرينا تدريجياً كيفية تخصيص وقتها بشكل أفضل وكيفية تأمين الدعم من أقسام أخرى في الشركة وما هي المقاييس الأكثر فائدة وكيفية اتخاذ قرارات أسرع حول الأشخاص، وكل ذلك يعد جزءاً من ممارسة "قيادة نفسك".

الأهم من ذلك، ومن خلال جمع هذه الممارسات الست معاً، نجحت سيرينا في مضاعفة مستوى أقساط التأمين المربحة في غضون عامين ورؤية خليفتها (بعد أن رحلت لشغل وظيفة أخرى) يصل إلى الهدف الأصلي بزيادة أرباح الشركة إلى ثلاثة أضعاف في العام التالي.

ولنقل مؤسساتهم إلى مستوى أعلى، اتبع جميع القادة الذين تحدثنا معهم هذه الممارسات، وهي ممارسات مدعومة بالعديد من الدراسات والمقالات التي لا يُعد الكثير منها جديداً.  وعلى الرغم من أنّ هؤلاء القادة كانوا يعملون في قطاعات صناعية ومناطق جغرافية مختلفة ويستخدمون تقنيات وهياكل تنظيمية جديدة، فقد كانوا يتعاملون مع أشخاص بحاجة إلى العمل معاً لتحقيق هدف مشترك، وهو ما كانت القيادة تدور حوله. لذلك عندما يحين الوقت للتفكير في تطوير قادة كبار – مثلما أرادت مديرة الموارد البشرية في شركتنا – نعتقد أنّ السر لا يكمن في البحث عن إطار عمل جديد، بل في مساعدة القادة على إتقان الممارسات المجربة والحقيقية الموجودة بالفعل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!