يتركز اهتمام الكثير من الإعلاميين والشركات على الموظفين في بداية أو نهاية السيرة المهنية الخاصة بهم، ذلك ما لاحظته من خلال تجربتي على الأقل. إذ يحظى الموظفون الذين لا زالوا يتعلمون طرق العمل على أكثر من حصتهم من وقت مدرائهم، ويجذب الموظفون الذين على مشارف التقاعد اهتمام المدراء لضرورة العمل على وضع خطط خلافة لهم.

ولكم ماذا عن شريحة الموظفين الواسعة في ما بينهما، والذين هم في منتصف سيرهم المهنية؟

إنّ "أزمة منتصف السيرة المهنية" هي ظاهرة حقيقية لدى الكثير من الموظفين. فقد بينت الأبحاث أنّ رضا الإنسان عن سيرته المهنية يصل إلى أدنى حد له عند منتصفها. وتكمن المشكلة بالنسبة للمدراء في مساعدة الموظفين على تجاوز هذه المرحلة.

لقد واجهت شركات كثيرة، بالإضافة إلى العديد من القادة، فشلاً في وضع خطط للموظف الذي تقدم في وظيفته ولكنه لم يعد يجد الكثير من الفرص في شركته. ويمكن أن يكون شعوره بأنه تم إغفاله أو نسيانه هو القشة التي تقصم ظهر البعير بالنسبة لشخص يرى بأنه قدم أفضل ما لديه للشركة ويصارع رغبة شديدة بتغيير وظيفته أو موقعه أو مهمته.

وكما أشار جوش بيرسن الذي يعتبر أهم شخص في شركة ديلويت، والذي يعتبر رأسمالها البشري الأساسي، فإنّ الموظفين هم أصول في الشركة وتزداد القيمة التي يقدمونها مع مرور الوقت. ويمكن أن يكون الجانب السلبي لخسارة هؤلاء الموظفين مدمراً للمدراء ومؤسساتهم، حيث أنّ خسارة معارف المؤسسة ومجموعة المهارات المصقولة وثقة الموظفين وتعاونهم اللذين يستحقهما الموظف عند وصوله إلى منتصف سيرته المهنية، هي خسارة مكلفة تصل قيمتها في بعض الحالات إلى نسبة 213 في المئة من راتب موظف واحد في عام واحد.

إليك ما يمكن أن يفعله المدراء المهتمّون في الاحتفاظ بموظّفيهم القيّمين الذين وصلوا إلى منتصف الطريق في سيرتهم المهنية:

إيجاد فرص موازية لمن يحتاج تحفيزاً ذهنياً

هناك مهنيون في منتصف المسيرة المهنية يشعرون براحة في مستوى مسؤولياتهم الحالية أو لا يرغبون في استلام الأعمال الإدارية، ولكنهم في الوقت ذاته يجدون أنفسهم يشعرون بالملل أو بحاجة للتحفيز، قد يكون هؤلاء بحاجة لتحد مواز، حيث يساعد القيام بشيء مختلف على إزالة حالة الإرهاق والملل التي نتجت عن التكرار والروتين.

لأجل جعل التغيير الموازي مستساغاً أكثر، يجب أن تقدم الشركات تدريباً إضافياً أو برنامجاً لتطوير المهارات، داخلياً وخارجياً، بالإضافة إلى تعقّب فرص التدريب الداخلي وبرامجه لمرحلة منتصف السيرة المهنية. وقد يكون الأهم هو الخطوة الأولى في إنشاء أقسام أو وظائف جديدة تستفيد من معارف الموظفين في منتصف السيرة المهنية الخاصة بهم، واستثمار خبراتهم في اتجاهات جديدة.

عملت ذات مرة مع شركة أتمتة متوسطة الحجم، كانت توزع نشاطات مواقعها الاجتماعية على الموظفين، وتضيف مهام النشر فيها على مهامهم الحالية. وعندما سألت المدراء عما إن لاحظوا فروقات في الأداء بين منشورات الموظفين قالوا: "لم نكن نتابع الأداء، نحن بحاجة لاستخدام المواقع الاجتماعية ولكننا لا نملك الوقت للتركيز عليها". لذلك، ناقشت معهم أهمية متابعة أي جهود يستثمرون الوقت فيها، وسألتهم إن كانوا يملكون موظفين مستعدين لمواجهة تحدّ جديد.

أدت جلسة تبادل أفكار سريعة إلى تسمية مديرة في منتصف سيرتها المهنية تعمل لدى الشركة منذ مدة تزيد عن 12 عاماً، وكان عملها دوماً ذا جودة عالية، إلا أنها بدت فاقدة لحماستها في الفترة الأخيرة. فاقترحوا عليها تغيير عملها وتسليمها المواقع الاجتماعية للشركة على شبكة الإنترنت، وأكدوا على ضرورة تحديد علامات مرجعية لأداء الشركة ووضع خطة عمل للمواقع الاجتماعية الخاصة بالاسم التجاري للشركة. وبعد مرور عام واحد استطاعت هذه الموظفة من الانسجام مجدداً في العمل بصورة ملحوظة، وأصبح التفاعل على صفحة الفيسبوك للشركة أكبر بنسبة 1,100 في المئة، وحققت الشركة الفائدة من حصولها على شخص يعرف اتجاه الشركة للقيام بإدارة حساباتها.

حاول إنشاء مهمة داخلية لمن هم بحاجة إلى هدف أعمق

إنّ إعلان الشراكة مع مؤسسة خيرية، أو تأسيس نشاط خيري لشركتك أو البحث عن عمل للصالح العام يمكن أن يساعد على زيادة انخراط المحترفين في منتصف سيرهم المهنية الذين يصارعون نظرة "ما الهدف من كل هذا على كل؟". ورؤية أنّ هذا العمل اليومي يدعم هدفاً أعمق، تحفز الموظف للاستمرار به، وترى 90 في المئة من الشركات التي تقدم فرصاً تطوعية العلاقة المشتركة بين مشاركة الموظف والانسجام المتزايد في العمل.

ولجعل هذا الأمر أكثر جاذبية للموظفين الذين وصلوا إلى مرحلة منتصف السيرة المهنية، يجب على الشركات أن تجعل جداول عمل الموظفين قادرة على استيعاب العمل مع منح إحساس بالمسؤولية في تحديد قضايا أو مؤسسات يستطيعون العمل معها (وبالأخص لغير الإداريين أو الذين ليسوا محطّ الأنظار، الذين يمكن ألا يشعروا بأنّ لديهم السلطة لفعل ذلك).

ابتكرت شركة سيلز فورس (Salesforce) خطة عمل تطلق عليها "نموذج 1-1-1 للعطاء" (1-1-1 model of giving) التي تقدم مثالاً عن برنامج يحتوي خيارات في أي مجال من مجالات اهتمام الموظفين. وتشمل فرص التطوع لدى الشركة برنامج تبرع "مستلهم من موظف"، والتطوع في أعمال الصالح العام وإجازة متطوع لتقديم المساعدة في مجالات أخرى. وشارك أكثر من 27,000 موظف في الشركة في فرصها التطوعية، ما خصص 1.4 مليون ساعة عمل من أجل أهداف هامة وعزيزة على قلوبهم.  

تشجيع أدوار الإرشاد والتوجيه

إن كنت محاطاً بموظفين محترفين في مرحلة منتصف السيرة المهنية ممن يملكون مهارات ومواقف وقدرات التفكير الناقد، وترغب بأن يكتسبها الموظفون الأقل خبرة، شجع الموظفين ذوي الخبرة على ممارسة دور الإرشاد أو أدوار التطوير الإداري.

ومن أجل تحقيق ذلك، يجب على الشركات تحديد الموظفين المناسبين لهذا الوصف والذين يتطلعون للتفاعل أكثر مع الآخرين في المؤسسة. أنشئ برنامجاً منظماً لتخطيط الإرشاد والخلافة كي يتمكن الموظفون من اختيار العمل في هذه البرامج أو يقوم المدراء بترشيحهم. وقدم تدريباً مستمراً أو نقاط تواصل دائمة مع المرشدين كي يشعروا بأنهم مدعومين في الوقت الذي يقدمون فيه الدعم للآخرين.

تذكر أنّ العديد من الموظفين في مرحلة منتصف السيرة المهنية قد يستفيدوا هم أيضاً من أدوارهم كمرشدين. فالمعلم الذي في منتصف سيرته المهنية على سبيل المثال يقدم الفائدة لكل من طلابه وزملائه المعلمين، ما يؤدي إلى إيجاد أساتذة مساعدين يخصصون 10 ساعات أسبوعياً للعمل بالإرشاد. بينما يمضي الأساتذة الأساسيون وقتاً أقل من ذلك قليلاً لأنهم يقومون بإرشاد الأساتذة المساعدين. تقوم جامعات من أمثال جامعة جونز هوبكنز بالتشجيع المباشر للأقسام من أجل إدخال المدرسين في منتصف سيرهم المهنية إلى برامج الإرشاد لديها. إذ أنّ فرص الإرشاد، سواء كانت في العمل كمرشد أو تلقي الإرشاد، قيمة جداً بالنسبة للموظفين في مرحلة منتصف السيرة المهنية الذين يملكون المعرفة التي يمكنهم نقلها للآخرين ولديهم المزيد من المعارف التي لا زال بإمكانهم اكتسابها.

يمكن للشركات استنساخ الجهود المبذولة من أجل دعم المدرسين ذوي العقود الدائمة، حيث تقدم شركة كي بي إم جي (KPMG) برنامجاً منظماً للغاية من أجل الإرشاد بخطة عمل شاملة، لكي تضمن أن ينجح موظفوها الجدد في مجالات تتعلق بالتفاصيل والالتزام. ومع وجود نقاط مرجعية ضمن الخطة التي تشمل برنامج مخيم تدريبي منظم مدته 4 أيام، ومجتمع إرشاد أكثر مرونة، أصبح بإمكان المحترفين في مرحلة منتصف السيرة المهنية رؤية النقاط المحددة التي يحتاج الموظفون الجدد الإرشاد فيها. نتجت عن البرنامج فائدة ذات شقين، حيث استطاع البرنامج على المدى الطويل إبقاء الموظفين ذوي العقود طويلة الأجل منغمسين في تغييرات القطاع، كما أنهم يغرسون في الوقت ذاته عادات العمل الناجح لدى الموظفين المبتدئين الذين يستلمون حمل العمل الزائد الذي يخلّفه الموظفون في مرحلة منتصف السيرة المهنية.

قم بنقل مكان العمل أو قدّم عملاً عن بعد لمن يحتاجون تغيير البيئة المحيطة بهم

يتصارع بعض الموظفين في منتصف العمر مع شعور أنّ الذي لا يحصلون عليه أفضل مما لديهم، ويرغبون بطقس أكثر دفئاً أو برحلات تزلج أكثر، أو الوجود قرب العائلة. يكون هؤلاء في غاية السعادة إن استمروا في القيام بنفس العمل، ولكن في موقع آخر ببساطة. بالنسبة لهؤلاء الموظفين، يمكن لجدول العمل عن بعد أن يرضي رغبتهم في تغيير حياتهم الشخصية والاحتفاظ بتقدمهم المهني في الوقت ذاته.

يمكن أن يتضمن تغيير المكان دوراً جديداً أو موسعاً للموظف. وإن كانت وظيفة في فرع آخر أو في قسم مستحدث تشكل خياراً منطقياً نسبة لأهداف الشركة المستقبلية، فالتوجه لموظف ذو خبرة ممن لا يزال لديه سنوات في حياته المهنية قبل الوصول إلى مرحلة التقاعد قد يثير حماسته من جديد ويساعد على حلّ مشكلة بالنسبة للمؤسسة.

وبما أنّ تغيير المكان يحمل بعض الخطورة بالأخص بالنسبة للموظفين الذين لديهم ارتباطات عائلية أو اجتماعية، ينبغي على الشركات أن تجعل الانتقال مستساغاً أكثر بالنسبة للموظفين عن طريق تقديم خدمات الانتقال وتوابعه، كاشتراك الإنترنت أو الكابل مثلاً، أو مساعدة الموظف في إيجاد أطباء أو عيادات بيطرية أو أطباء أسنان قريباً من المكان الجديد. يمكن لتبسيط الجوانب الشخصية للانتقال أن يحثّ الموظفين على القيام بقفزات مهنية، وبالأخص عند أخذ التكاليف الخفية للانتقال بالحسبان. ولأن معظم الشركات لا تملك هذه الموارد داخلها، تكون الطريقة الفعالة من ناحية الكلفة هي تأمين هذه الخيارات عن طريق مصادر خارجية.

قال لي مدير متوسط المستوى قدمت له الاستشارة مرة أنه كان على وشك الاستقالة من شركته عندما سأله مديره ما إذا كان مهتماً بمساعدة الشركة في إطلاق فرع جديد في أتلانتا. أثار التحدي اهتمامه ولكن فكرة نقل عائلته، بما فيها طفلين في المدرسة الابتدائية، كانت فكرة غير جذابة. وعندما أخبر مديره أنه لم يكن متأكداً من قدرته على نقل عائلته إلى مكان يبعد 1,500 ميل، قام مديره بوصله مع مؤسسات شريكة للشركة تساعد في مجال اللوجستيات. سعت المؤسسة في إيجاد منزل للآجار في حيّ يحتوي على مدرسة جيدة، وإيجاد خدمات بسعر أقل لتلبية ما تحتاجه العائلة. وخلال أسبوع، تمت تلبية متطلبات عائلة المدير ووافق على الانتقال. قال أنّ الوظيفة الجديدة كانت مرضية بصورة كافية لجعله يرى نفسه اليوم قادراً على الاستمرار فيها لسنوات.

إنّ الموظفين المبتدئين والذين على وشك التقاعد مهمون، ولكن إغفال الموظفين في منتصف سيرتهم المهنية يعرّض الشركة لخسارة معارف وخبرات قيّمة. ومن أجل حثّ هؤلاء الموظفين على البقاء مع أرباب عملهم إلى أن يصلوا إلى النصف السعيد الثاني لسيرهم المهنية، يجب على المدراء أن يضعوا خططاً لهم كي تتحقق الفائدة للشركة والموظفين على حد سواء.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!