تُعد ممارسات التسعير الرديئة غاية في الخطورة، فهي تضر باقتصاديات الشركة، ومع ذلك يمكن ألا ينتبه لها أحد لسنين. وإذا فكرنا بحالة شركة كبرى تعمل في مجال السلع الصناعية، والتي كانت تكافح جاهدة مع هوامش الربح المنخفضة، مقارنة بكل من منافسيها، وسجل أدائها. نراها قد أرجعت معظم أسباب ذلك إلى عدم المواءمة بين حوافز المبيعات لديها واستراتيجيتها التسعيرية. إذ كانت الشركة تعوض ممثلي المبيعات بناء فقط على مقدار العائدات التي يحققونها. وهكذا لم يكن لدى ممثلي المبيعات سوى حافز ضئيل لتحقيق الأسعار المستهدفة أو تجاوزها في أية صفقة يقومون بإجرائها، وكان معظمهم ينجزون صفقاتهم عند أدنى هامش ربح مسموح به.

ومثل هذه الشركة، هناك شركات كثيرة للتجارة بين الشركات (B2B) لديها فرصة كبرى لتحسين موقفها فيما يخص الأسعار. لمساعدة الشركات في فهم حالة إمكانيات التسعير، وكيفية تحويلها إلى أداء، قامت شركة باين آند كومباني بإجراء مسح عالمي لقادة المبيعات، ونواب الرؤساء لشؤون التسعير، والرؤساء التنفيذيين، ورؤساء عمليات التسويق، وغيرهم من المسؤولين التنفيذيين في أكثر من 1,700 شركة تعمل في مجال التجارة بين الشركات. وقد قمنا بتجميع تقييمهم الذاتي لعدد 42 من إمكانيات ونتائج التسعير.

جاء رأي حوالي 85% تقريباً ممن شملهم المسح أنه بالإمكان تحسين قراراتهم بشأن تحديد الأسعار. في المتوسط، هناك فجوات كبيرة في الإمكانيات ضمن هيكل الأسعار والتخفيضات، وحوافز المبيعات، واستخدام الأدوات والتتبع، وهيكل فرق ومنتديات التسعير فيما بين الوظائف المتخلفة.

ما الذي يفعله قادة التسعير مختلفاً يميزهم عن الآخرين؟

لفهم الإمكانيات التي تحظى بأكبر قدر من الأهمية، قمنا بدراسة مجموعة فرعية من الشركات صاحبة أعلى أداء، وذلك بحسب الزيادة في الحصة السوقية، وقرارات التسعير الممتازة، وتنفيذ زيادات سعرية منتظمة. في حين أنّ إمكانيات التسعير المختلفة ربما تختلف بالنسبة لموقف على وجه الخصوص، فقد أظهر التحليل أنّ الشركات صاحبة أعلى أداء تجاوزت نظراءها بشكل أساسي في ثلاثة أوجه. فأصحاب أفضل أداء تزيد احتمالية قيامهم بما يلي:

  • توظيف سياسة تسعيرة مخصصة ومناسبة على مستوى العميل الفرد وعلى مستوى المنتج.

  • مواءمة حوافز موظفي المبيعات الذين يعملون في الخطوط الأمامية مع استراتيجية التسعير، وهو ما يشجع سياسات التسعير الحكيمة من خلال توازن ملائم بين نظام الإثابة الثابت والمتغير.

  • الاستثمار في التطوير المستمر للإمكانيات بين فرق المبيعات وفرق التسعير من خلال التدريب والأدوات.


كما كشف تحليلنا مدى ما يحققه التفوق في إمكانيات التسعير المتعددة من نجاح وتحقيق للنتائج المرجوة. ومن بين الشركات التي تفوقت في جميع الجوانب الثلاثة، كانت نسبة 78% من أصحاب أفضل أداء، في مقابل 18% من الشركات التي لم تتفوق في أي جانب من الجوانب الثلاثة التي شملها الاستطلاع. والآن لنتحول إلى استكشاف الأسباب التي تجعل هذه الجوانب الثالثة ذات تأثير كبير وقوي على فعالية التسعير.

التسعير بحسب مستوى واحد متوسط خطأ على الدوام

ليست هناك سياسة تسعيرية تناسب الجميع وتصلح لجميع الأغراض. إلا أنه من غير المعتاد بالنسبة للمسؤولين التنفيذيين في مجال المبيعات أن يقرّوا بأنّ قدرتهم على تخصيص وتكييف الأسعار على مستوى العملاء والمعاملات بدائية، أو أنهم لا يكادون يدركون مقدار هامش الربح الذي يضعونه على الصفقات التي ينجزونها.

على النقيض من ذلك، تقوم الشركات الأكثر تقدماً وتطوراً بتخصيص وتكييف سياستها التسعيرية بعناية لكل مجموعة من العملاء والمنتجات، وهم يعملون باستمرار لتعظيم هامش الربح الإجمالي. فهم يجعلون البيانات وذكاء الأعمال يرتبطان بهذه المتغيرات الثلاثة لأجل تحديد الأسعار المستهدفة:

  • السمات والمزايا التي تحظى بالتقييم الحقيقي من جانب العميل، ومقدار ما ينشأ من قيمة بالنسبة له.

  • البدائل وقوة المنافسة في المجال.

  • الربحية الحقيقية التي تحققها المعاملة بعد أن يؤخذ في الحسبان أموراً مثل الخصومات، ونولون الشحن، وآجال الصفقات، والاحتفاظ بالمخزون.


تعرضت شركة صناعية في أميركا الشمالية لمشاكل نتجت عن منهجها غير المتوافق في التسعير، إذ كانت هوامش ربحها تعتمد اعتماداً كبيراً على أسعار المواد الخام لديها. تم إجراء عملية تشخيصية لتخصيص التكاليف على مستوى المنتج والعميل بغية تحديد الربحية الحقيقية؛ فأظهرت هذه العملية التشخيصية أنّ الشركة تحدد أسعاراً أقل من المعتاد في كثير من الحالات، وعليه، فقد وفّرت عملية التشخيص للشركة ما كانت بحاجة إليه من دعم لرفع الأسعار (طالما كان ذلك ملائماً) في المفاوضات الخاصة بعقد لاحق، ما أدى إلى تحقيق معدل زيادة قدره 4% عن تلك الفرصة وحدها. وقامت الشركة بتعيين مسؤول تنفيذي ليكون مسؤولاً عن فرص هوامش الربح ذات الصلة، وتتبع حالة وتأثير كل زيادة سعرية. نتيجة لذلك، حسّنت الشركة من مكاسبها قبل احتساب الفائدة والضرائب والإهلاك والاستهلاك، بمعدل 7 نقاط في المئة.

الحوافز الرديئة تُضعف أفضل استراتيجيات التسعير

في الغالب يوجه المدراء اللوم لممثلي المبيعات عند خسارة أية صفقة، ولكن في النادر ما يلومونهم على انخفاض سعر الصفقة أكثر من المفروض، ولذلك يتعلم ممثلو المبيعات التضحية بالسعر في مقابل إنجاز الصفقة. علاوة على ذلك، نادراً ما تكافئ الشركات ممثلي المبيعات على تجاوز الأسعار المستهدفة، وهو ما يعني أنّ عدداً قليلاً من ممثلي المبيعات يخاطرون ويدفعون نحو تحقيق سعر أعلى. إلى جانب ذلك، تعمل الحوافز غير المتوافقة على دفع الأسعار نحو الانخفاض إلى أدنى سعر مسموح به.

وهنا يكمن الحل الناجع لتلك المشكلة في مواءمة التعويض مع الأهداف الاستراتيجية. في ما يلي بضعة مبادئ تستفيد منها خطط الحوافز:

  • توضيح الأهداف. (سواء كانت الأهداف نمو الإيرادات، أو مشاركة الأرباح، أو هوامش الأرباح، أو غير ذلك) والسلوكيات التي من شأنها أن تساعد على تحقيق هذه الأهداف.

  • تبسيط الأمور للحيلولة دون الإخفاق. ساعد ممثلي المبيعات على فهم عملية حساب المكافآت، وبسط هيكل الحصص والحوافز التكميلية، واجعل للجانب الإيجابي للتفوق في الأداء معنى ومغزى.

  • ضمان الشفافية. ينبغي أن يتمكن ممثلو المبيعات بسهولة من رؤية أثر سعر الصفقة على مكافآتهم الشخصية.

  • تتبع النتائج: وذلك من خلال المراجعات المنتظمة التي تُبرز المناطق التي يستطيع موظفو الخطوط الأمامية فيها التلاعب بالنظام.


بالعودة إلى حالة الشركة المصنعة للبضائع الصناعية التي تعرضنا لها بالوصف قبل ذلك، قامت الشركة أيضاً بإعادة صياغة وتأهيل برنامجها التحفيزي لموازنة الإيرادات مع الأرباح. فقد أنشأت أداة تسويق تجعل العمولة التي يحصل عليها ممثل المبيعات على كل صفقة ينجزها واضحة ومرئية أمامه. على سبيل المثال، "إذا نجحت في زيادة السعر بمعدل 2,000 دولار، فسوف أحصل على مبلغ إضافي قدره 700 دولار". بكل تأكيد، بدأ ممثلو المبيعات إنجاز مبيعات ذات هوامش ربحية أكبر. وقد أدت هذه التغييرات إلى زيادة في الأسعار قدرها 7%، وهو ما أضاف قرابة نقطة مئوية واحدة كجزء من 3.5 نقطة مئوية كمعدل تحسين في هامش الربح الإجمالي.

التدريب والأدوات (وتكونان غالباً معالجات لاحقة) يمكن أن يكون لهما المردود الكبير

تقوم الشركات صاحبة الأداء المرتفع بالاستثمار في بناء قدرات وإمكانيات فريق التسعير من خلال التدريب والمنتديات لمشاركة أفضل الممارسات. ويسير هذا عكس المعتاد في كثير من مؤسسات المبيعات بين الشركات، التي تقدم للعاملين فيها قدراً ضئيلاً من التدريب الرسمي على تحقيق الأسعار، هذا إن كان هناك تدريب رسمي من أصله.

علاوة على ذلك، تستطيع معظم الشركات زيادة تطوير وتحسين أعمالها من خلال اعتماد أدوات وبرمجيات التسعير. وبناء على الأداء في صفقات ماضية، فإنّ حلول البرمجيات (سواء كانت مطورة داخل الشركات نفسها أو يتم الحصول عليها من شركات البرمجيات) مثل فاندافو (Vendavo) أو بريس إف إكس (Price fx). يمكن أن توفر لممثلي المبيعات في الصفوف الأمامية ملاحظات بشأن التسعير في الوقت الحقيقي بناء على سمات وخصائص الصفقة التي يتم التفاوض بشأنها. وقد أظهر التحليل الذي أجريناه أنّ استخدام برمجيات التسعير المخصصة يرتبط بزيادة كبيرة في قوة عملية صنع القرار فيما يتصل بالتسعير. ومع ذلك، على الرغم من القيمة المثبتة لبرمجيات التسعير، فإنّ 26% فقط من الشركات التي شملها المسح استخدمت هذه البرمجيات.

وقد باتت قيمة تطوير الإمكانيات والقدرات حتمية بالنسبة لشركة إنتاج مواد كيميائية متخصصة ذات هوامش ربحية منخفضة. كان لدى الشركة مئات من المنتجات المختلفة، كل منتج منها يملك منافسيه المختلفين، وبدائله، وقواعد عملائه. لم يكن بمقدور الموظفين القائمين على المنتج وموظفي المبيعات تفسير قرارات التسعير، وكانوا في الغالب يلجؤون إلى قاعدة قياسية مجربة (rule of thumb) تعتمد على الخبرة يلخصها أحد مدراء المنتجات قائلاً: "إنني أقدّر أنّ بإمكاني زيادة السعر بمعدل أربعة سنتات لكل دولار". من غير المدهش، فقد رفع الأسعار بمعدل أربعة سنتات لكل دولار على مدار أربع سنوات متتالية، وهو بذلك لم يتفاوض إلى أقصى مدى.

وبتحليل المنتجات المختلفة وأسواقها، فقد وجدت شركة إنتاج المواد الكيميائية فرصاً تسعيرية مكنتها من زيادة مكاسبها قبل خصم الفوائد والضرائب بمعدل 35% في غضون عامين. ومما لا يقل أهمية عن ذلك، فقد خطت الشركات خطوات أكبر فيما يتصل بإمكانيات وقدرات التسعير. فقد أنشأت منتديات لمشاركة أفضل الممارسات، وقامت بتدريب مدراء المنتجات على تنفيذ تحليلات التسعير الأساسية، وقامت بتدريب مسؤولي المبيعات على كيفية التفاوض والنقاش بشكل أفضل مع عملائهم فيما يتصل بالأسعار. تقوم لوحات المتابعة الجديدة بمراقبة التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التسعير والأماكن التي تسترعي الانتباه، حيث يتسم فيها ممثلو المبيعات بالصرامة والحسم أكثر من اللازم، أو حيث لا يكونون بما يكفي من الصرامة والحسم. وأخيراً، عزز الرئيس التنفيذي هذه المقاييس من خلال طلبه بأن تقوم الفرق المسؤولة عن المنتجات وفرق المبيعات برفع التقارير بشأن إجراءات التسعير التي يتم اتخاذها، وكذلك النتائج، وذلك حتى يظل التسعير الفعال أولوية كبرى لدى الجميع. وقد رسّخت الشركة من مكانتها كرائدة في مجال التسعير ضمن أسواقها وواصلت تحسين هوامشها الربحية، وذلك من خلال رفع الأسعار، وكذلك (في حالة انتقائية) من خلال خفض الأسعار لتحقيق التوازن المناسب بين السعر وبين حجم المكاسب المحقق.

بصرف النظر عن نقطة بداية الشركة في التسعير، هناك قيمة هامة في بناء الإمكانيات والقدرات التي سُلط الضوء عليها وأبرزها تحليل الاستطلاع الذي نفذناه. وقد أثبتت المجالات الثلاثة التي ناقشناها هنا أنها الأكثر أهمية لتطوير وترقية الأدوات والموارد والسلوكيات. وفي ضوء ما قيل، فإنّ الشركات في معظم القطاعات والصناعات لم تستثمر بشكل كاف على وجه العموم في مجال التسعير. إنّ نهج "مشروع التسعير" العرضي يجعل الشركات لا تحقق كل قدراتها الكاملة. ولمّا كان ارتفاع هامش الأرباح على المحك، فليس بمقدور المدراء مواصلة التسعير مستخدمين القواعد القياسية المجربة (rules of thumb) أو مستخدمين النهج الموحد والتوجه الواحد بشأن التسعير عبر القطاعات الكاملة لأعمالهم ومشروعاتهم.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!