ركِّز على العادات بدلاً من الولاء. نظرية المتوسط التراكمي. بقلم آلان جي لافلي وروجر إل مارتن

يبذل المسوقون وقتاً مديداً وأموالاً طائلةً في محاولةٍ لإسعاد المستهلكين بمنتجاتٍ لا تفتأ تتجدد وتجذب انتباههم. ولكن، تبيّن أن عملاؤهم يتخذون أغلب قراراتهم الشرائية بشكلٍ تلقائي تقريباً. فهم يبحثون عن المألوف لهم والميسور شراؤه. وتستكشف مجموعة المقالات التالية هذه الفكرة والمعلومات العلمية التي تستند إليها، وتطرح فكرةً مضادةً، وتتضمن حواراتٍ مع الرئيس التنفيذي لشركة ليجو (LEGO)، ورئيس مجلس إدارة شركة إنتويت (Intuit).

ما هي الأيقونة؟


لاقت أيقونة إنستغرام التي على اليمين استهجان مجتمع الإنترنت، والتي باتت مستخدمةً بدلاً من الأيقونة التي على اليسار. وقد قام مسؤولوا إنستغرام بهذا التغيير انطلاقاً من اعتقادٍ خاطئ بأن صورة الكاميرا التقليدية لا تلائم أذواق المستخدمين الذين لم يمتلكوا واحدة أبداً.

في فترة متأخرة من ربيع عام 2016، تخلى تطبيق إنستغرام المعروف، المتخصص في مشاركة الصور والتابع لشركة فيسبوك، عن أيقونته الأصلية التي اتخذت شكل كاميرا عتيقةٍ مألوفةٍ لمستخدمي التطبيق الذين يربو عددهم على 400 مليون مستخدم، وأحلّ محلها تصميماً حداثياً مُسطحاً "يوحي بهيئة كاميرا"، على حد قول رئيس قسم التصميم. وفي الفترة التي كان فيها تطبيق إنستغرام عُرضةً لتهديدٍ متزايدٍ من منافسه سناب شات، قدّم رئيس قسم التصميم المنطق التالي ليبرر هذا التحول: أمست الأيقونة "لا تعبّر عن مجتمع المستخدمين، واعتقدنا أن باستطاعتنا أن نجعلها أفضل".

جاء تقييم مجلة آدويك AdWeek، الرائدة في صناعة التسويق، جلياً من عنوانه: "أيقونة إنستغرام الجديدة مُحاكاةٌ زائفةٌ للقديمة. أعيدوا إلينا القديمة! نتوسل إليكم!". وفي مقالة مجلة GQ الشهرية المعنونة "تغييرٌ أيقونة إنستغرام الذي لم يطلبه أحد"، وصف قسم المصممين بالمجلة الأيقونة الجديدة بـ "البشعة حقاً" و"القبيحة جداً" و"المبتذلة"، ولخّصوا التغير الذي طرأ على النحو التالي: "أمضت شركة إنستغرام سنواتٍ في بناء قيمة علامتها التجارية البصرية بأيقونتها الحالية، والآن بدلاً من استثمار ذلك نراها تتخلى عن كل ذلك لقاء شكلٍ يُكافئ الانفجار النجمي".

ما زال الوقت مبكراً جداً للجزم فيما إذا كان التغير الطارئ على الأيقونة سيكون له تبعاتٌ تجاريةٌ حقاً على إنستغرام، لكن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها شركةٌ ردة الفعل هذه تجاه عملية تغيير العلامة التجارية أو إعادة تدشين منتجٍ ما. فقد كان تدشين شركة بيبسي لمشروبها "بيبسي دايت" الخالي من مادة الأسبرتام — ككارثة مشروب كوكاكولا الجديد المشهورة — محاولةً فاشلةً لإعادة الابتكار والإبداع تمخضتْ عن خسائر مهولةٍ في الإيرادات، واقتضى الأمر إلغاءها. ولذلك، فالسؤال المثير الذي يطرح نفسه هو: لِمَ تستسلم الشركات الناجحة على نحوٍ روتيني لإغواء تغيير العلامة التجارية؟ يستطيع المرء أن يفهم إغواء التكيّف مع مثل هذه الاستراتيجية في مواجهة الكوارث، لكن شركات إنستغرام وبيبسي وكوكاكولا كانت أبعد ما تكون عن أية كارثةٍ (جديرٌ بالملاحظة أن شركة سناب شات التي أمست حصتها من السوق، خصوصاً بين الشباب، قويةً جداً الآن، التزمت بشدةٍ بأيقونة الشبح المألوفة خاصتها. توضيح: أيه جي لافلي هو أحد أعضاء مجلس إدارة شركة سناب إنك).

نعتقد أن الإجابة تضرب بجذورها في بعض التصورات الخاطئة حول طبيعة الميزة التنافسية. إن كثيراً من الأفكار الحديثة في مجال الإستراتيجية ترى أن الوتيرة السريعة للتغير في مجال الأعمال الحديث (وربما لا يتجلى ذلك بوضوح أكثر مما يتجلى في عالم التطبيقات) يعني أنه ما من ميزةٍ تنافسيةٍ مُستدامةٍ قط، وعليه يتعيّن على الشركات دائماً وأبداً تحديث نماذج عملها واستراتيجياتها واتصالاتها بغية الاستجابة الفورية للتعدد الرهيب في الاختيارات، الذي يواجهه مستهلكون أكثر حنكةً الآن. ولكي تتمكن من الحفاظ على مستهلكيك — واستقطاب مستهلكين جددٍ — فأنت بحاجةٍ إلى الحفاظ على وثاقة صلتك بصناعتك وتفوقك. وعليه، كانت شركة إنستجرام تفعل تحديداً ما كان من المفترض أن تفعله: التغيير الاستباقي.

هذه بالتأكيد فكرةٌ حاسمةٌ، غير أن هناك الكثير من الأدلة التي تُعارضها. لننظر إلى خطوط ساوث ويست الجوية ومجموعة شركات فانجارد وشركة آيكيا، التي تناولها مايكل بورتر في مقالته الكلاسيكية المنشورة عام 1996 تحت عنوان "ما هي الإستراتيجية؟"، كأمثلةٍ ساطعةٍ على الميزة التنافسية الطويلة الأجل. فبعد عقديْن كامليْن ما زالت تلك الشركات في المقدمة، كلٌ في صناعته؛ حيث تتبنى استراتيجياتٍ وعلاماتٍ تجاريةً ثابتةً لا تتغير. ورغم أن شركات جوجل أو فيسبوك أو أمازون ربما تتعثر وتتغلب عليها شركاتٌ ناشئةٌ، فإن المراتب التنافسية لتلك الشركات العملاقة تبدو راسخة وقوية. لنأخذ مثالاً من شركة بروكتر آند جامبل التي ينتمي أحد مؤلفي هذه المقالة إلى فريقها. سيستغرب مديرا العلامات التجارية لشركتيْ "تايد" و"هيد آند شولدرز" نوعاً ما إذ يتناهى إلى مسامعهم أن ميزاتهما الممتدة لنصف قرنٍ لم تكن مستدامةً، أو ليست مستدامةً في واقع الأمر (ولا شك أن مديري شركة "يونيليفر" التي تنتج منتجاتٍ استهلاكيةً مفضلةً وصامدةً منذ فترةٍ طويلةٍ في الصدارة، مثل صابون دوف ومايونيز هيلمان، سيشاركونهما الشعور عينه).

في هذه المقالة، نستفيد من معطيات الأبحاث السلوكية الحديثة لطرح نظريةٍ حول الجوانب التي تجعل الميزة التنافسية تصمد وتدوم. وتفسر المقالة العثرات الشائعة، كتلك التي أقدمت عليها شركة إنستجرام، وقصص النجاح، كقصة شركة تايد. وإننا نرى أن الأداء يُستدام لا بتقديم الخيار الأمثل للعميل، بل بتقديم الخيار السهل اليسير. وعليه، حتى وإن كانت القيمة المُقدَّمة (Value Proposition) هو أول ما استقطب العملاء، فهي ليست بضرورة الحال ما يجعلهم يعودون إليك المرة تلو الأخرى.

في سياق هذه الرؤية العالمية البديلة، نجد أن جوهر الحفاظ على العملاء ليس مسألة تكيفٍ على الدوام مع الاحتياجات المتغيرة لكي تظل الخيارَ الأمثل العقلاني أو الوجداني، بل يكمن في مساعدتهم على تجنب الاضطرار إلى اللجوء إلى خيارٍ آخر. ولكي يتحقق لك ذلك، عليك خَلق ما نُطلق عليه اسم "الميزة التراكمية".

لنبدأ باستكشاف آليات عمل أدمغتنا فعلاً عندما نقوم بالتسوق.

مخلوقات رهينة العادة


الحكمة السائدة عن الميزة التنافسية مفادها أن الشركات الناجحة تنتقي مكانةً لها وتستهدف مجموعةً من العملاء، وتصمم أنشطةً لخدمتهم على نحوٍ أفضل. والغاية وراءَ ذلك هي حث العملاء على مُعاودة الشراء من خلال التوفيق بين القيمة المُقدَّمة وبين احتياجاتهم. وبتفادي المنافسين من خلال التميز والتفرد والتخصيص المتطور على الدوام، تستطيع الشركة أن تحقق ميزةً تنافسيةً مستدامةً.

ثمة فرضيةٌ كامنةٌ في هذا التعريف مفادها أن العملاء يتخذون قراراتٍ مدروسةً، بل وربما عقلانية أيضاً. ربما كانت الأسباب التي تدعوهم لشراء المنتجات والخدمات عاطفية، غير أنها دائماً ما تَنتج عن منطقٍ واعٍ نوعاً ما. وعليه فالإستراتيجية السديدة هي التي تستبين هذا المنطق وتستجيب له.

لكن فكرة أن قرارات الشراء تنبع من اختيارٍ واعٍ تتلاشى في مواجهة الكثير من الأبحاث التي أُجريت على عِلم النفس السلوكي. فقد اتضح أن العقل ليس آلةً تحليليةً بقدر ما هو آلةٌ لملء الفراغات: فهو يستقبل المعلومات المشوشة المنقوصة من العالم، وسرعان ما يملأ الفراغات على أساس التجربة الماضية. والحدس — المُمَثَّل في الأفكار والآراء والتفضيلات التي تخطر على الذهن بسرعة وبدون تدبرٍ، غير أنها قويةٌ بالقدر الكافي للتصرف بناءً عليها — هو ناتج هذه العملية. لكن، ليس ما يُملأ وحسب هو الذي يُحدد أحكامنا الحدسية. فتلك الأحكام تتأثر بشدةٍ وبسرعةٍ بعملية ملء الفراغات نفسها وسهولتها، وهي الظاهرة التي يُطلق عليها علماء النفس "سلاسة المُعالجة". فعندما نحسّ بالراحة تجاه قرارنا، فهذا يعني أن المُعالجة التي أفضت إلى القرار كانت سلسةً.

إن سلاسة المُعالجة بحد ذاتها هي منتوج التجربة المتكررة، وتزداد تلك السلاسة بلا هوادةٍ بالتزامن مع عدد مرات مُعايشتنا للتجربة. فالاحتكاك المسبق بشيءٍ ما يُحسِّن من قدرتنا على إدراك ذاك الشيء وتعيينه. وكُلما ُعُرض علينا الشيء مراراً وتكراراً، تُثبط الخلايا العصبية التي تُرَمِّز الخصائص غير الضرورية لإدراك ذاك الشيء من ردود أفعالها، وتصبح الشبكة العصبية أكثر انتقاءً وكفاءةً في تعيين الأشياء. وبتعبيرٍ آخر، فإن المحفزات المتكررة لها حدود تعيينٍ إدراكيةٌ أقل، وتتطلب انتباهاً أدنى لملاحظتها، وأسرع وأدق في تسميتها وقراءتها. والأهم من ذلك أن المستهلكين يميلون إلى تفضيلها على المحفزات الجديدة.

ولذا فإن السبب المُحَفِّز لاختيار المنتج الرائد في السوق هو ببساطةٍ لأنه الخيار الأسهل. وفي أي منفذ توزيعٍ تتسوق فيه أياً كان، سيكون هذا هو العرض الأبرز بالنسبة لك. وسيهيمن هذا المنتج على الرف في السوبر ماركت أو الهايبر ماركت أو الصيدلية. علاوةً على ذلك، فمن المرجح أنك ابتعته من قبل من هذا الرف تحديداً. وتكرار هذا الفعل هو أسهل عملٍ يمكن أن تقدم عليه. والأمر لا يقتصر على ذلك وحسب، بل إنه في كل مرة تبتاع فيها منتجاً آخر من العلامة التجارية نفسها، فإنك تُسَهِّل على نفسك الإقدام على هذا الفعل، الأمر الذي يثني عليه عقلك.

وفي تلك الأثناء، يصبح من الأصعب على نحو طفيف جداً عليك شراء المنتجات التي لم يقع اختيارك عليها، فتتسع الفجوة مع كل عملية شراء — بالطبع طالما يُلبي المنتج المُختار توقعاتك ويرقى لمستواها. ويسري هذا المنطق على الاقتصاد الحديث بالقدر الذي يسري على الاقتصاد القديم أيضاً. فإذا جعلت موقع فيسبوك صفحتك الرئيسة، فسيكون كل عنصرٍ من عناصر هذا الموقع مألوفاً لك كلياً، ولن يختلف أثرها عليك عن أثر مواجهتك لجدارٍ مملوءٍ بمسحوق تايد في متجر، بل ربما يزيد.

إن شراء أشهر وأسهل علامةٍ تجاريةٍ يخلق دورةً تزداد فيها حصة القيادة باستمرارٍ وبمرور الوقت. ففي كل مرة تختار فيها منتجاً أو خدمةً بعينها وتستخدمها، تتراكم الميزة التي تتفوق بها على المنتجات أو الخدمات الأخرى التي لم تستخدمها.

إن نمو الميزة التراكمية — في غياب التغييرات التي تجبرنا على إعادة التقييم الواعي — أمرٌ حتمي ولا فكاك منه. منذ ثلاثين عاماً، حظي تايد بتفوقٍ طفيفٍ بنسبة 33% على "سيرف"، منتج شركة يونيليفر، الذي بلغت حصته 28% من سوق منظفات الملابس. في تلك الفترة، تشكلت لدى المستهلكين ببطء ولكن بإصرار عاداتٌ وضعت تايد في المقدمة متفوقاً على "سيرف". وفي كل عام، كان تمايز العادة يزداد، واتسعت فجوة حصة السوق. وفي عام 2008، انسحبت شركة يونيليفر من السوق وباعت علاماتها التجارية لشركة كانت تصنّع المنظفات لصالح علامات تجارية أخرى. ويتمتع تايد الآن بنصيبٍ من السوق يتجاوز 40%، مما يجعله المنتج الرائد بلا منازعٍ في سوق منظفات الملابس الأميركية. ويستحوذ منافسه ذي العلامة التجارية الأبرز من السوق على نسبة أدنى من 10%. (للاطلاع على نقاش لعلة صمود العلامات التجارية الصغيرة حتى في هذه البيئة، انظر الشريط الجانبي "الجانب المشرق الشاذ لغياب ولاء العملاء").

تتمة للاختيار


لا نزعم أن اختيار المستهلك ليس واعياً قط أو أن جودة القيمة المقدّمة ليست وثيقة الصلة. على العكس تماماً. فالناس لديهم سببٌ لشراء منتجٍ ما في المقام الأول. وأحياناً ما تُمَكِّن تقنيةٌ جديدةٌ أو قانونٌ جديدٌ شركةً ما من خفض سعر منتجٍ ما جذرياً أو عرض ميزاتٍ جديدةٍ أو حلٍ جديدٍ كلياً لسد حاجة عميلٍ بطريقة تقتضي اهتمام المستهلكين.

ولذلك، فإن الخيارات الخاصة باختيار المكان الذي تنافس فسه وكيفية المنافسة ما زالت محوريةً للاستراتيجية. ومن دون القيمة المُقدَّمة المتفوقة على قيَم الشركات الأخرى التي تحاول استمالة العُملاء أنفسهم، ليس لدى الشركة شيءٌ لتبني عليه.

ولكن إذا أرادت الشركة توسعة نطاق تلك الميزة التنافسية المبدئية، فإن عليها الاستثمار في تحويل عرضها إلى عادة بدلاً من خيار. وعليه يمكننا رسمياً تعريف الميزة التراكمية باعتبارها الطبقة التي تبنيها الشركة فوق ميزتها التنافسية المبدئية بجعل منتجها أو خدمتها الخيار الأيسر بديهياً للمستهلك.

إن الشركات التي لا تبني ميزتها التراكمية من الأرجح أن يُطيح بها المنافسون الذين ينجحون في المهمة نفسها. والمثال الساطع على ذلك هو شركة ماي سبيس (Myspace) التي غالباً ما يُستشهد بفشلها كدليلٍ على أن الميزة التنافسية ليست مُستدامةً ذاتياً. إن تفسيرنا لما حصل مع الشركة مُختلف نوعاً ما.

تأسست شركة ماي سبيس عام 2003 وأمست في غضون عامين الشبكةَ الاجتماعية الأولى في أمريكا، وفي عام 2006 أطاحت بشركة جوجل وأصبحت الموقع الأكثر زيارة في الولايات المتحدة الأميركية. ولكن بعدها بعاميْن فقط تفوق عليها موقع فيسبوك الذي أطاح بها على نحوٍ تنافسي لدرجة أن موقع ماي سبيس بِيع عام 2011 لقاء 35 مليون دولارٍ أميركي، وهو رقمٌ ضئيلٌ جداً بالمقارنة بالـ 580 مليون دولار التي دفعتها شركة نيوزكورب News Corp لقاء الموقع عام 2005.

لِمَ باء موقع ماي سبيس بالفشل؟ جوابنا هو أن الموقع لم يحاول حتى أن يحقق أية ميزة تراكمية. بادئ ذي بدءٍ، سمح الموقع لمستخدميه بإنشاء صفحات ويب عبّرت عن أسلوبهم الشخصي، وعليه بدت الصفحات الفردية مختلفة جداً للزائرين. ولقد وضعت إعلانات أيضاً بطرقٍ منفرةٍ، من بينها إعلاناتٌ لخدماتٍ بذيئةٍ أثارت حفيظة المراقبين. وعندما اشترت شركة نيوزكورب ماي سبيس، زادت بشدةٍ من كثافة المادة الإعلانية، مما أدى إلى تشويش الموقع بقدرٍ أكبر. ولإغواء المزيد من المستخدمين، أضاف موقع ماي سبيس ما وصفته مجلة "بلومبيرج بزنس ويك" الأسبوعية بأنه "كمية كبيرة من السمات الجديدة التي زادت من التشتّت للمستخدم: أدوات اتصالٍ كالتراسل الفوري، وبرنامجٌ للإعلانات المبوبة ومُشغل فيديو ومشغل موسيقى وآلة كاريوكي افتراضيةٌ، ومنصة إعلاناتٍ ذاتية الخدمة، وأدواتٌ لتحرير الملف الشخصي، وأنظمة أمنٍ وخيارات للخصوصية، وقوائم كتب ماي سبيس، وما إلى ذلك". ولذا، فبدلاً من أن تجعل الشركة الموقع خياراً أكثر راحةً وبديهيةً، أربكت مستخدميها وجعلتهم يتساءلون (إن لم يكونوا قلقين بلا وعيٍ) عما سيأتي لاحقاً.

قارن هذا المشهد بموقع فيسبوك. فمنذ أول يومٍ للموقع، عكفت شركة فيسبوك على بناء ميزةٍ تراكميةٍ لموقعها. حيث كان في بداية الأمر يتمتع ببعض السمات الجاذبة التي افتقر إليها موقع ماي سبيس، مما جعله عرضاً قيمياً ممتازاً، لكن الأهم لنجاح الموقع كان انتظام شكله وتجانسه. فالمستخدمون يمتثلون لمقاييسه المتشددة، ولا يمتثل فيسبوك في المقابل لأي شيءٍ ولا لأي أحدٍ. وعندما ابتكرت الشركة نسخةً جديدةً امتداداً لها من الحواسب المكتبية إلى الأجهزة المحمولة، حرصت كل الحرص على أن تتسق التجربة المحمولة للمستخدمين إلى حدٍ كبيرٍ مع تجربتهم على سطح المكتب.

لا شك أن شركة فيسبوك استحدثت بين الفينة والأخرى تعديلاتٍ على تصميم موقعها لتقوية قدراته الوظيفية، وتعرضت لنقدٍ لاذعٍ جراء ذلك. لكن استحداث خدماتٍ جديدةٍ لم يُهدد راحة المستخدمين وإلفتهم للموقع، وغالباً ما كانت الشركة تجعل تعديلاتها اختياريةً في مراحلها الأولية. وحتى اسم الشركة يستحضر إلى الذهن شيئاً مألوفاً من صنع الإنسان، ألا وهو سجل الطُلاب الجامعي، بينما لا يوحي اسم موقع ماي سبيس للمستخدم بأي شيءٍ مألوفٍ على الإطلاق.

فصلُ المقال أنه بواسطة البناء على فكرة الألفة، استغلت شركة فيسبوك الميزة التراكمية كي تصبح شبكة التواصل الاجتماعي الأكثر استحواذاً على اهتمام العالم، الأمر الذي جعل قرار شركة إنستجرام التابعة لها بتغيير أيقونتها غريباً جداً.

ضرورات الميزة التراكمية


تدلُّ حالة فيسبوك وماي سبيس بإحكامٍ على الحقيقتيْن الشقيقتيْن اللتيْن تفيدان بأن الميزة المستدامة ممكنةٌ وغير مضمونةٍ في آنٍ واحدٍ. كيف يمكن إذن لموقع ماي سبيس جديدٍ أن يُحَسِّن ويُوَسِّع نطاق ميزته التنافسية ببناء طبقة وقائية مُمَثَّلَة في ميزة تراكمية؟ إليكم أربع قواعد أساسية يتعين اتباعها:

  1. اكسب شعبية جماهيرية مبكراً. هذه ليست بالفكرة المبتكرة أبداً، بل هي موجودةٌ ضمناً في العديد من أفضل وأوائل الأعمال التي تناولت الاستراتيجية، ويمكننا أن نتلمسها في أفكار بروس هيندرسون مؤسس مجموعة بوسطن الاستشارية. حيث كانت ركيزة هيندرسون الأساسية على الأثر المفيد للناتج التراكمي على التكاليف — وهو ما يشتهر حالياً باسم منحنى الخبرة الذي مفاده أنه كلما زادت خبرة الشركة في صناعة شيءٍ ما، أمست إدارة تكلفته أكثر كفاءةً. ولقد احتج هيندرسون بأن الشركات ينبغي أن تُسعر منتجاتها بجرأة في مرحلةٍ مبكرةٍ — "قبل منحنى الخبرة" على حدِّ قوله — وبذلك تقتنص حصةً كافيةً من السوق تضمن للشركات تكاليف أقل وحصةً نسبيةً أعلى وربحيةً أعلى. كان المعنى الضمني واضحاً: وهو أن ميزة الحصة المبكرة مهمةٌ جداً.


الجانب المشرق الشاذ في عدم ولاء العملاء


إذا كان المستهلكون يخضعون لقوة العادات، فمن الصعب القول بأنهم مستهلكون "أوفياء"، بمعنى أنهم يرتبطون بعلامةٍ تجاريةٍ لأنها تلبي احتياجاتهم العقلانية أو الوجدانية. وحقيقة الأمر أن المستهلكين أكثر تقلباً بمراحل مما يعتقد كثيرٌ من المسوقين: غالباً ما تُحقق العلامات التجارية التي يُعتقد أنها تعول على ولاء المستهلكين أدنى درجات الولاء.

على سبيل المثال، تتربع العلامتان التجاريتان كولجيت وكريست على سوق معاجين الأسنان الأميركية؛ حيث تتقاسمان حوالي 75% من حصة السوق فيما بينهما. ومستهلكو العلامتيْن التجاريتيْن مخلصون 50% من الوقت فقط (تمثل علاماتهم التجارية المفضلة 50% من مشترياتهم السنوية من معاجين الأسنان). لمعجون أسنان طوم Tom، وهي علامة تجارية "طبيعية" تحتل مكانةً جيدةً في ولاية مين الأميركية، 1% من حصة السوق، ويُعتقد أن هناك ولاءً مطلقاً من المستهلكين لها. قد يتوقع المرء أن تثبت البيانات أن أولئك الـ 1% لا يشترون إلا هذا المنتج، لكن الحقيقة أن مستهلكي معجون الأسنان طوم مخلصون لهذه العلامة التجارية 25% من الوقت فقط؛ أي نصف معدل وفاء مستهلكي العلامات التجارية الكبرى.

فما السر وراء صمود علاماتٍ تجاريةٍ هامشيةٍ مثل معجون الأسنان طوم؟ ربما من المفارقة أن الجواب يتلخص في أنه في ظل بقاء معدلات الولاء للعلامات التجارية الكبرى عند حدود الـ 50%، فهناك ما يكفي من المستهلكين لشراء منتجات علامات تجاريةٍ غير معروفة من آنٍ لآخر بما يضمن لها البقاء والصمود. لكن العلامات التجارية الصغيرة لا تستطيع أن تتغلب على حاجز الألفة، ورغم أن ثمة علاماتٍ تجاريةً جديدةً كلياً تقتحم الأسواق وتصبح رائدة، فمن النادر جداً أن تتغلب علامةٌ تجاريةٌ هامشيةٌ صغيرةٌ بنجاحٍ على علامةٍ تجاريةٍ رائدةٍ وراسخةٍ.

لطالما استوعب المسوقون أهمية الفوز في مرحلةٍ مبكرةٍ. وتُعدُّ العلامة التجارية تايد الأبرز والأنجح والأكثر ربحيةً لشركة بروكتر آند جامبل، حيث تم إطلاقها أساساً لخدمة سوق الغسالات الأوتوماتيكية المتسارع النمو. وعندما ظهرت عام 1946، ونالت على الفور أوسع وصول إعلاني في فئتها. وحرصت شركة بروكتر آند جامبل أيضاً على ألا تُباع غسالةٌ واحدةٌ في أمريكا بدون علبة تايد مجانيةٍ للبدء في ترسيخ عادات المستهلكين. وسرعان ما فازت العلامة التجارية تايد بسباق الشهرة مبكراً، ولم تضعف منذ ذلك الحين.

لطالما كانت عينات المنتج الجديد المجانية على سبيل التجربة تكتيكاً شائعاً لدى المسوقين. ويُعدُّ التسعير الجريء – التكتيك المفضل لدى هيندرسون – شائعاً بالقدر ذاته. ولقد بزغ نجم شركة سامسونج باعتبارها الشركة الرائدة في سوق الهواتف الذكية على مستوى العالم، إذ قدمت هواتف أندرويد ميسورة التكلفة جداً يمكن لشركات تشغيل شبكات المحمول عرضها مجاناً مع عقود الخدمة المقدمة للعملاء. وبالنسبة لشركات الإنترنت، تُعد العروض المجانية التكتيك المحوري لترسيخ العادات لدى المستهلكين. إن جميع قصص النجاح الكبرى على شبكة الإنترنت – والأمثلة على ذلك شركات إي باي وجوجل وتويتر وإنستجرام وأوبر وآير بي إن بي – تشتمل عملياً على خدمات مجانية بحيث يكتسب المستخدمون عاداتهم وترسخ لديهم تلك العادات، وبعدها يُبدي مزودو الخدمات أو المعلنون استعدادهم للدفع لقاء الوصول إلي هؤلاء المستخدمين.

  1. صَمِّم من أجل ترسيخ العادة. كما رأينا من قبل، فإن النتيجة المثلى هي عندما يصبح اختيار منتجك هو ردة الفعل التلقائية للمستهلك. وعليه، صَمِّم لتدرك هذه الغاية — ولا تدع النتيجة النهائية رهينة الصدفة البحتة كلياً. لقد رأينا كيف تستفيد شركة فيسبوك من عنايتها بالتصميم الثابت المُرَسِّخ للعادة، الذي جعل استخدام الشبكة يتجاوز ما نعتبره عادةً: فقد أمسى التحقق من التحديثات الجديدة ضرباً من الهوس لمليار شخص. وبالطبع تستفيد شركة فيسبوك من آثار شبكتها الضخمة على نحوٍ متزايدٍ. لكن الميزة الحقيقية تكمن في أن فيسبوك أصبح إدماناً يصعب التخلي عنه.


ولعل شركة بلاكبيري الرائدة في صناعة الهواتف الذكية هي المثال الأفضل لشركةٍ صممت منتجها بغية إدمان المستهلك له. فقد ابتكر مؤسس الشركة مايك لازاريديس الجهاز بحيث جعل دورة الإحساس برجّة في جراب الهاتف وإخراجه منه، والتحقق من الرسالة والنقر على لوحة المفاتيح الصغيرة للرد على الرسالة الواردة، مُسببةً للإدمان قدر الإمكان. ولقد أحرز نجاحاً كبيراً لدرجة أن الهاتف اكتسب الكنية CrackBerry (لأن الإدمان على استخدامه مشابه للإدمان على المخدرات). كانت العادة التي اكتسبها الناس راسخةً جداً لدرجة أنه حتى بعد أن لحقت الشركة تيار الهواتف الذكية المعتمدة على التطبيقات والشاشات اللمسية، نجحت مجموعةٌ محوريةٌ من عملاء شركة بلاكبيري — والتي رفضت بإصرارٍ التكيف مع التطورات التقنية الجديدة على الساحة — في مناشدة إدارة الشركة إنتاج جهاز بلاكبيري يشبه أجهزتهم المنتمية للجيل السابق. ومُنح الجهاز الجديد اسم "التقليدي" (Classic).

وكما أوضح لنا آرت ماركمان، العالم النفساني بجامعة تكساس، يتعيّن احترام قواعد بعينها في أثناء التصميم بغية ترسيخ عادةٍ ما. بادئ ذي بدءٍ، يتعين عليك الحفاظ على ثبات عناصر تصميم المنتج التي يمكن رؤيتها عن بُعدٍ بحيث يستطيع المشترون العثور على منتجك بسرعة. فالأشكال والألوان المميزة، كاللون البرتقالي الفاقع لمسحوق تايد وشعار شيبس دوريتوس، تحقق ذلك.

وينبغي عليك أن تجد سبلاً لكي تجعل المنتجات مناسبةً لبيئات الناس لتشجيعهم على استخدامها. عندما طرحت شركة بروكتر آند جامبل المنتج "فيبريز"، راقت للمستهلكين الطريقة التي عمل بها المنتج، غير أنهم لم يستخدموه كثيراً. واتضح أن جانباً من المشكلة كان يكمن في أن عبوته كانت أشبه بزجاجة مُنظف الزجاج، مما أوحى بأنه ينبغي الاحتفاظ بها أسفل حوض غسيل الصحون. وفي نهاية المطاف، أُعيد تصميم الزجاجة بحيث يُحتفظ بها على رف أو في خزانةٍ يسهل رؤيتها فيها بقدرٍ أكبر، وزادت هذه الخطوة من  معدل الاستخدام بعد الشراء.

من سوء الطالع أن التعديلات التي تُدخلها الشركة على التصميم ينتهي بها الأمر أغلب الظن إلى تعطيل عادات المشترين بدلاً من تعزيزها وترسيخها. ابحث عن التعديلات التي تعزز العادات وتشجع على إعادة الشراء. يمثل زر Dash على موقع أمازون مثالاً ممتازاً: بابتكار وسيلةٍ بسيطةٍ للناس لإعادة طلب المنتجات التي يطلبونها بشكل متكرر، ساعدتهم أمازون على اكتساب عاداتٍ جديدةٍ وألزمتهم بقناة توزيعٍ بعينها.

  1. ابتكِر داخل إطار العلامة التجارية. على غرار ما لاحظناه سلفاً، تنخرط الشركات في مبادرات بغية "إعادة تدشين" أو "إعادة تغليف" أو "إعادة تأسيس" منتجها أو خدمتها بشيءٍ من المخاطرة. فجهودٌ كهذه يمكن أن تؤدي إلى نبذ المستهلكين لعاداتهم. بالطبع على الشركات أن تحافظ على حداثة منتجاتها، غير أن التغييرات في التقنية أو غيرها من الخصائص والسمات ينبغي إدخالها بطريقةٍ تسمح للنسخة الجديدة من المنتج أو الخدمة بالاحتفاظ بالميزة التراكمية لنسختهما القديمة.


وحتى أبرز المخططين للميزة التراكمية وأنجحهم على الإطلاق أحياناً ما ينسون هذه القاعدة. على سبيل المثال، اضطرت شركة بروكتر آند جامبل، التي زادت من ميزتها التراكمية لمنتجها تايد على مدار 70 سنة عبر تغييرات مهولة، إلى تعلُّم دروسٍ قاسية خلال مسيرتها. يزعم البعض أن تطوير المنظفات السائلة هو أول ابتكارٍ عظيمٍ في عالم المُنظفات بعد إطلاق مسحوق تايد. وكانت أول ردة فعل لشركة بروكتر آند جامبل تُجاه هذه المنظفات أن أطلقت علامةً تجاريةً جديدةً باسم "Era" عام 1975. وبدون أية ميزةٍ تراكميةٍ تدعمها، أخفقت العلامة التجارية الجديدة في التحوّل إلى علامةٍ تجاريةٍ كبرى، رغم انتقال المستهلكين المتزايد لاستخدام المنظفات السائلة.

انطلاقاً من الإقرار بأن تايد هي العلامة التجارية الأبرز في فئتها، ارتبط المنتج بشدةٍ بالمستهلك وبميزةٍ تراكميةٍ قويةٍ، وقررت شركة بروكتر آند جامبل إطلاق منتجها "تايد السائل" عام 1984 في عبوةٍ مألوفةٍ عليها شعارها الثابت. وانطلق المنتج حتى أصبح المُنظف السائل الأبرز على الإطلاق، رغم اقتحامه السوق متأخراً. وبعد هذه التجربة، حرصت شركة بروكتر آند جامل على ضمان اتساق المبتكرات الجديدة مع العلامة التجارية لتايد. وعندما توصل علماء الشركة إلى كيفية دمج المُبيض في المُنظف، تم تسمية المنتج "تايد بلاس بليتش" (Tide Plus Bleach). وظهرت تقنية التنظيف على البارد الثورية في منتجها "تايد كولدووتر" (Tide Coldwater)، وتم إطلاق المنتج الحبيبي الذي يحوي ثلاثة عناصر في منتجٍ واحدٍ تحت مسمى "تايد بودس" (Tide Pods). كانت العلامة التجارية بأيسر وأوضح أشكالها: فها هو منتج تايد الذي تعشقه وقد أضيف إليه مبيِّض للغسيل على البارد على هيئة حبيبات. إن هذه الابتكارات التي تضجُّ ألفةً وراحةً عززت من الميزة التراكمية للعلامة التجارة بدلاً من أن تقوضها. واحتفظت المنتجات الجديدة كلها بشكل عبوة تايد التقليدية – اللون البرتقالي اللامع وشعار نقطة الهدف. وفي المرات القليلة خلال تاريخ تايد التي تغيرت فيها هيئته — كما في العبوة الزرقاء المقترحة لتدشين "تايد كولدووتر" – كان الأثر المترتب على ذلك سلبياً إلى حدٍ كبيرٍ، وسُرعان ما تم التراجع عن هذا التعديل.

لا شك أن التغيير أحياناً ما يكون ضرورياً جداً للحفاظ على الملائمة والتميز. وفي مثل هذه المواقف، يجب أن تُكرس الجهود الذكية للشركات للنجاح بمساعدتها العملاء على الانتقال من العادة القديمة إلى العادة الجديدة. بدأت شركة نتفليكس كخدمةٍ توصيل أفلام DVD للعملاء من خلال البريد. فلو أنها حاولت تعزيز استمراريتها بنبذ التغير، لكانت قد أفلست في وقتنا هذا. لكنها تحولت بنجاحٍ إلى خدمة بثٍ للأفلام على الإنترنت.

ورغم أن شركة نتفليكس تُسَوِّق منصةً مختلفةً كلياً للترفيه الرقمي تنطوي على مجموعةٍ جديدةٍ من الأنشطة، فقد وجدت سبلاً لمساعدة عملائها من خلال تعزيز ما لم يتعين تغييره. فهي ما زالت تمتلك الشكل نفسه، وهي مستمرة بتقديم خدمتها من خلال نموذج الاشتراك الذي يقدم للناس إمكانية الوصول إلى أحدث البرامج والأفلام الترفيهية دون أن يُغادروا منازلهم. ولذا يمكن أن يتعامل عملاء الشركة مع الجوانب الضرورية للتغيير مع الحفاظ على أكبر قدرٍ ممكنٍ من عاداتهم. إن كلمة "مُحَسَّن" تبدو بالنسبة للمستهلكين أفضل بكثير وأريح من كلمة "جديد"، ولو أن كلمة "الجديد" المبهر يبدو أكثر إغراءً لمديري العلامات الجارية ووكالات الدعاية والإعلان.

  1. حافظ على بساطة التواصل. وصف أحد رواد العلوم السلوكية، ويُدعى دانيال كانيمان، عملية صنع قرار اللاوعي والمدفوع بالعادة بـ "التفكير السريع"، وصنع القرار الواعي بـ "التفكير البطيء". وغالباً ما ينحصر تفكير المسوقين والمُعلنين في وضع التفكير البطيء. ويُجازَون بشهرتهم في الصناعة التي ينتمون إليها بسبب براعتهم التي يحيكون بها المنافع العديدة للمنتج أو الخدمة الجديدة ويسلطون الضوء عليها. صحيحٌ أن الإعلانات الذكية التي لا تُنسى تحث المستهلكين أحياناً على تغيير عاداتهم، فالعقل الواعي البطيء التفكير، إذا قرر صاحبه الانتباه لما حوله، قد يُحدِّث صاحبه قائلاً "يا للروعة، هذا أمرٌ مبهرٌ! ولا يسعني الانتظار!".


أما إذا لم يكن المشاهدون منتبهين (كما هي حالة الغالبية العظمى منهم)، فمن الممكن أن يأتي التواصل الحذق بنتائج عكسيةٍ. فكِّر في ذاك الإعلان الذي ظهر منذ عاميْن لهاتف سامسونج Galaxy S5. بدأ الإعلان بعرض مجموعةٍ من الصور الموجزة المتعاقبة لهواتف ذكيةٍ عاديةٍ تخفق في (أ) إثبات مقاومتها للماء؛ (ب) حمايتها ضد إرسال الأطفال الصغار لرسائل محرجةٍ بمحض الصدفة؛ (ج) إتاحة إمكانية التبديل اليسير للبطارية. وبعدها أوضحت الشركة بلهجة المنتصر نصراً مؤزراً أن هاتفها طراز S5، الذي بدا إلى حدٍ كبيرٍ أشبه بالإصدارات الثلاثة السابقة، تجاوَز كل هذه العيوب. وربما اقتنع المشاهدون الواعون ذوو التفكير البطيء، إذا شاهدوا الإعلان بالكامل، بأن الهاتف طراز S5 كان مختلفاً عن بقية الهواتف ومتفوقاً عليها. غير أن الاحتمال الأكبر غالباً هو أن المشاهدين السريعي التفكير سيربطون بلا وعيٍ ما بين الطراز S5 والمشكلات الثلاث التي ذكرها الإعلان. وعندما يتخذون قراراً بالشراء، ربما يتأثرون بنداءٍ داخلي لا إرادي يقول "لا تشتروا الهاتف الذي ينطوي على مشكلاتٍ تتعلق بالمقاومة للماء، والتحصين ضد الرسائل الشاردة، وتغيير البطارية". وحقيقة الأمر أن هذا الإعلان يمكن حتى أن يحثهم على شراء منتجٍ منافسٍ – كالهاتف آي فون 7 – تتسم رسالته الخاصة بمقاومة الماء ببساطةٍ أكبر يسهُل استيعابها.

لا تنس أن العقل كسولٌ. فهو لا يودُّ أن يشحذ انتباهه لاستيعاب رسالةٍ ذات مستوى عالٍ من التعقيد. وإن إظهار مقاومة الهاتف سامسونج S5 للماء — أو الأفضل حتى من ذلك إظهار مستهلكٍ يشتري سامسونج S5 ومندوبو المبيعات يقولون له إنه مقاومٌ للماء كلياً — كان سيبدو أقوى بكثيرٍ. كان السيناريو الأخير سيخبر المفكرين السريعين ما تريد منهم القيام به: اذهبوا إلى المتجر واشتروا جهاز سامسونج S5. وبالطبع كان من المستبعد أن ينجح هذان الإعلانان في الفوز بأية جوائز من عالم الإعلان الذي يبحث خبراؤه عن براعة فكرة الإعلان بالدرجة الأولى.

لقد بولغ إلى حدٍ كبيرٍ في الحديث عن هلاك الميزة التنافسية المستدامة. فالميزة التنافسية مستدامةٌ كما كانت دوماً. وما جدّ عليها في عصرنا الحالي، هو أنه في عالم من الاتصالات والابتكارات اللامحدودة، يبدو أن كثيراً من الخبراء الاستراتيجيين على قناعة بأن الاستدامة يمكن تحقيقها فقط بجعل القيمة المُقدَّمة للشركة دوماً الخيار الإرادي العقلاني أو الوجداني الأول للمستهلك. وإما أنهم نسوا أو لم يفهموا قط هيمنة اللاوعي في عملية صنع القرار. بالنسبة للمفكرين السريعين، سنجد أن المنتجات والخدمات التي تُعزز عادات الشراء المريحة ستطيح بمرور الوقت بالبدائل المبتكرة غير المألوفة، التي ربما كان من الأصعب العثور عليها وتتطلب اكتساب عاداتٍ جديدةٍ.

لذا، حذارِ من السقوط في فخِّ تحديث عرضك القيمي دوماً وتجديد علامتك التجارية. ويمكن لأي شركةٍ، سواء أكانت قديمةً وراسخةً في السوق أو محافظةً على مكانتها أو وافدةً حديثاً على السوق، استدامةُ ميزتها الأولية التي يضمنها لها عرضها القيمي المميز باستيعاب واتباع القواعد الأربع للميزة التراكمية.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!