شركة إنشاءات عالمية تقيم مخاطر التطرف في الإدارة اللامركزية.


روجر مايس لم يذكر في خطاب بداية العام أي إشارة لـ «الهولوكراسي»

أو الإدارة الذاتية للفريق.

لقد شعر ديريك ميليس، صديق روجير مايس وكبير المدراء الماليين في كونتكت (Contect) بقدر كبير من الارتياح. فقد قام صديقه روجير وهو الرئيس التنفيذي لشركة كونتيكت العالمية للإنشاءات بخطوة انسجمت مع توقعاته. فبعد أشهر من البحث مع فريق المديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة حول فكرة انتقال الشركة للاعتماد على نظام "الهولوكراسي" وهو التنظيم الذاتي اللاهرمي في الإدارة.

كان ديريك غير محبذ للفكرة على الدوام، وقد رأى أنه من الخطر حقاً أن يترك أمر اتخاذ القرارات حتى لو كانت كبيرة لمكاتب الشركة وفروعها التي تتجاوز 200 حول العالم بعيداً عن المقرالرئيسي للإدارة في مدينة أيندهوفن الهولندية. ولكن روجير كان يرى أن هذا النظام سيعزز من ولاء الموظفين وأدائهم، ولمح إلى أنه قد يستغل فرصة الاجتماع العام لكافة موظفي الشركة عام 2017 للإعلان عن الأهداف الجديدة والاحتفال بإنجازات السنة الماضية، ولكي يعرض كذلك هذا التغيير المقترح.

لكن ما حصل وبعث الارتياح في نفس ديريك هو أن الرئيس التنفيذي لم يحد كثيراً عن جملته المعهودة كل عام: "لقد نجحنا مجدداً في تحقيق نمو كبير هذه السنة. لقد ارتفعت عائداتنا بمقدار 14%، كما ارتفعت الأرباح قبل احتساب الفائدة والضريبة والاهتلاك والاستهلاك بنسبة 12%، وشهدت الطلبيات على خدمات الشركة زيادة بمقدار 13%. لقد تجاوز أداؤنا توقعات المساهمين، وقد تحقق كل ذلك بفضلكم أنتم! تذكروا دائماً أنه مهما كبرنا في كونتيكت فإننا سنحافظ على عزيمتنا وجهدنا. أشكركم جزيلاً، على أمل أن نستمر في العام 2017 بهذا النجاح وأكثر!"

ثم صعد على المنصة هينينغ هاس، الرئيس التنفيذي لمجموعة كونتيكت في ألمانيا، ورجع روجير إلى مكانه بجانب ديريك وقال: "أعتقد أن الأمر سار على ما يرام". كان الموظفون يصفقون بكل سرور في المسرح الكبير. فقال روجير: "بالتأكيد، وأعتقد أن الموظفين كانوا سيصفقون بشكل أكبر لو أنني أعلنت عن مبادرة الهولوكراسي". لقد كان في نبرته شيء من المزاح والجد في آنٍ معاً. فقال ديريك:

"ولكني أعتقد أنك فعلت الصواب لأنك أجلت الإعلان عن ذلك".

فقال روجير: "أنت محق. أنا آخذ تخوفاتك على محمل الجد، ولكني مع ذلك ما زلت أعتقد أن الإدارة الذاتية هي المستقبل. الناس يريدون أن يتمتعوا بقدر من السلطة، وأن يكون بوسعهم التعامل مع الظروف المحلية كل في سياقه من أجل تحقيق الصالح العام. لو أننا نقدم للأشخاص المتميزين أفضل الفرص فإنهم سيودون البقاء معنا دوماً، وهذا سيضمن لنا النمو بالشكل الذي نسعى إليه".

فقال ديريك: "فلننتظر قليلاً إلى أن نتعامل مع بعض التفاصيل الأخرى للمسألة".

فأجابه روجير: "بل إلى أن تقتنع بالفكرة في نهاية الأمر يا صديقي".

هل نحتاج إلى الاعتياد على الفكرة؟


في صباح اليوم التالي توجه ديريك بسيارته إلى الشركة، وأخذ يفكر بالعلاقة التي تربطه مع روجير. إنها علاقة ترجع لسنوات طويلة. فقد تعارفا في الجامعة، ومع أن ديريك تابع دراسته العليا أثناء العمل في القطاع البنكي وذهب روجير للعمل في مجال الإنشاءات في شركة العائلة، ثم أسس بعدها شركة كونتيكت، إلا أن العلاقة بين الاثنين لم تنقطع في يوم من الأيام. فقد وقف ديريك إلى جانب صديقه في فترة عصيبة على الصعيد الشخصي حين انفصل عن زوجته. وحين خسر ديريك وظيفته أثناء الأزمة المالية دعاه روجير ليعمل معه في شركة كونتيكت.

ومع أن الاثنين كانا يختلفان أحياناً في بعض شؤون العمل، ولاسيما أن ديريك قد كان محافظاً وتقليدياً مقارنة بروجير، إلا أن بينهما قدراً كبيراً من الاحترام المتبادل وينزل أحدهما عند رأي الآخر في كثير من الأمور. ولكن النقاش حول قضية اللامركزية كان مختلفاً هذه المرة. كان ديريك يرى أن الشركات الفرعية التابعة للشركة الأم كانت تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية أصلاً.

ومع أن كونتيكت كانت قد انطلقت كشركة مختصة بأعمال الإنشاءات الصغيرة المستمرة بأرباح عالية ومقدار منخفض من المخاطرة، فإنها الآن شركة ذات خدمات شاملة تقوم بأعمال التصميم والإنشاء والإنارة والتكييف وتمديد الأنابيب ومعالجة الفضلات وتركيب البنية التحتية لشبكات الاتصال والإنترنت في مشاريع أكبر وأكثر تعقيداً بكثير مما كان عليه الأمر في السابق. وقد اعتمد روجير منذ العام 2000 على استراتيجية النمومن خلال عمليات الاستحواذ على شركات أخرى مع منح جميع الشركات التي اشتراها قدراً كبيراً من الاستقلالية. فالشركات الأصغر كانت تحتفظ بأسمائها وطواقمها الإدارية وأقسامها وسياساتها في السنوات الخمسة الأولى. ومع أن تعويضات كبار المديرين كانت مرتبطة بإجمالي حجم المبيعات والأرباح التشغيلية في كونتيكت، إلا أن الإدارة الرئيسية لم تكن في واقع الأمر تمارس سوى قدر قليل من التحكم بأكثر من 30 ألف مشروع جارٍ في الشركة خلال السنة.

لقد راق هذا النظام لروجير لثلاثة أسباب: الأول هو أنه خلصه من مسؤولية إدارة جميع الأعمال التابعة للشركة بشكل مباشر، وقد مكنه ذلك من التركيز على عمليات استحواذ أخرى. كما أنه شعر أنه من المكلف وضع المزيد من إجراءات الإدارة والمتابعة على مستوى المجموعة. إضافة إلى ذلك فقد كان روجير يرى أن توفير قدر من الاستقلالية كفيل بتعزيز الابتكار والتحفيز للآخرين. ويقول روجير في هذا الصدد: "إنني رائد أعمال بكل ما تعنيه الكلمة، وأريد أن يتمتع الآخرون في شركتي بالقدرة على ريادة الأعمال أيضاً".

لقد تفهم ديريك جميع هذه النقاط، ولكنه ما زال يرى أن الأمور تحتاج إلى قدر أكبر من الضبط في كونتيكت. فالسياسات غير الموحدة تزيد من الخطورة القانونية على الشركة. وضعف السيطرة يعني أن فريق الإدارة لا يستطيع أن يتحكم بطريقة إدارة اسم الشركة على مستوى الشركات التابعة بها. ومن دون الإشراف المركزي على المشاريع سيكون أي عثرة في أي من الشركات التابعة كفيلة بالتأثير سلباً على الشركة بأكملها.

أما روجير فقد كان أيضاً يتفهم تخوفات ديريك، ولكنه كان قد شارك في برنامج تدريب تنفيذي في موضوع الهولوكراسي في لاس فيغاس، وعاد من ذلك البرنامج متحمساً بشكلٍ جعله يدفع نحو تطبيق فكرة فرق العمل ذاتية الإدارة على مستوى الشركة الرئيسية، واعتماد منهجية اللامركزية في الإدارة على مستوى فروع الشركة في الدول المختلفة.

ولكن ديريك أقنعه بالعدول عن ذلك وأصر أن يكون لأعضاء مجلس الإدارة رأي في القضية قبل إقرارها، إلا أن روجير تمكن كذلك من استمالة أعضاء مجلس الإدارة لفكرته. ولم يبق أمامه سوى شخص واحد معارضٍ بشدة لهذا التوجه، وهي فيرا هوتش، رئيسة لجنة التدقيق في الشركة.

ماذا تقول فيرا؟


قبل أن يدخل ديريك إلى مكتبه نظر إلى هاتفه فوجد تنبيهاً بتلقي خمس رسائل على بريده الإلكتروني من فيرا. فاتصل بها مباشرة، وأخبرته بأن روجير أخبرها بأن تتواصل معه، وقالت له: "لقد حاولت أن أناقشه بخصوص كل هذا الهراء المتعلق بالهولوكراسي الليلة الماضية، فأخبرني أن أناقش الأمر معك".

تبسم ديريك حين سمع ذلك. لقد كانت هذه حيلة قديمة اعتاد روجير على اتباعها: فقد كان يجمع بين اثنين يختلفان معه، مع معرفته بأن الشخص الأقل حدة في المعارضة (وهو ديريك في هذه الحالة) سيقوم بإقناع الطرف الآخر الأشد معارضة في التراجع قليلاً.

قالت فيرا لديريك: "لا أظنك تحتاج لمن يذكرك بما يمكن أن يحدث حين تمنح هذا القدر من الاستقلالية للشركات التابعة. أنا أعرف أمثلة مباشرة عن النتيجة المخيفة التي قد تصل إليها الأمور. وروجير نفسه يعرف ذلك أيضاً، وهذا ما يجعلني متفاجئة أكثر من موقف".

بعد فترة قصيرة من انضمام فيرا لمجلس الإدارة في كونتيكت تعرضت الشركة لفضيحة كبيرة. كان هنالك مشروع يحمل اسم (Park 007) وهو حديقة للملاهي على طراز مغامرات جيمس بوند فيه منحدرات تزلج صناعية وأماكن للقفز بالحبل، وأفعوانيات وألعاب مائية وكازينوهات ودور عرض وفندقان فاخران بدرجة خمس نجوم. وقد تعهد المشروع فرع الشركة في روسيا، ولكنه تأخرت في التنفيذ. ورغم ذلك، وطيلة عامين كانت الشركة التابعة تسجل أرباحاً من المنتجع الضخم المقترح الذي تبلغ كلفته 650 مليون دولار أمريكي. ثم اكتشفت الإدارة الرئيسية للشركة وجود حالة من التحايل، بعد أن قام شخص ما لم يكشف عن هويته بإرسال ملف إلى روجير يشتمل على تقرير إخباري روسي يتحدث عن أن المشروع لم ينفذ بعد، بخلاف ما تزعم السجلات التي يرسلها فرع الشركة في روسيا. قرر روجير فصل كل من كان طرفاً في هذه الفضيحة، ولكن استعادة سمعة الشركة في روسيا وأوروبا لم يكن بالأمر السهل أبداً.

فتولت فيرا بعد ذلك مسؤولية تعزيز نظام التدقيق الداخلي في الشركة. كما تعاون معها ديريك بعد التحاقه بإدارة الشركة لوضع المزيد من سياسات إدارة المخاطر، فتم إنشاء وحدة مركزية لوضع السياسات وضمان الالتزام ومتابعة المشاريع التي تبلغ كلفتها 100 مليون دولار وأكثر، كما تم إنشاء مجلس تنفيذي يضم خبراء في سوق وقطاع الإنشاءات لتقديم النصائح بخصوص الموازنات وغيرها من القضايا الاستراتيجية.

تزايدت حدة فيرا في النقاش وأخذت تقول: "إنه يدعو هذا الأمر "هولوكراسي"، ولكن هذا يعني التخلص من المركزية في الإدارة، وهذا أمر لا يسعنا أن نطبقه بعد الآن. علينا أن نستعيد السيطرة على مستوى الإدارة العليا بدل أن نمنح المزيد من الاستقلالية للشركات التابعة. لقد وضع روجير أهدافاً كبيرة للنمو في الشركة لهذا العام، وأعتقد أن غياب المراقبة الحثيثة قد يكون دافعاً للجنوح نحو ممارسات خاطئة. هل يريد روجير منا حقاً أن نتراجع عن كل العمل الذي قمنا به ونسلم الأمر لفرق الإدارة في الشركات التابعة؟ لماذا لم تكن أكثر وضوحاً معه بخصوص هذا الأمر؟ أرجو أن لا تدع علاقتك الشخصية معه تؤثر على حكمك على الأمر وأن تنظر إلى القضية من مسؤوليك كمدير مالي رئيسي في الشركة. عليك أن تناقش الأمر معه من جانب المخاطر المترتبة عليه، وأن تخبره بأن نزع المركزية في الإدارة أمر لا يمكن القبول به إطلاقاً".

هينينغ يتدخل


لم يستطع ديريك أن يتوقف عن التفكير بالتحذيرات التي وجهتها فيرا، ولكنه مع ذلك حاول أن يوجه تركيزه على تقرير الأرباح الذي عليه الانتهاء منه. لكن ولسوء الحظأ تاه هينينغ هاس قبل الغداء وطرق على باب مكتبه.

قال له ديريك: "كنت أعتقد أنك في طريقك لتعود إلى فرانكفورت." فردهينينغ: "سأغادر غداً، وددت أن ألتقي ببعض الأشخاص قبل السفر، وأنت منهم".

لقد أدرك ديريك أنه على وشك الخوض مجدداً في الحوار بخصوص اللامركزية. لقد كان هينينغ يؤيد فكرة منح قدر أكبر من الاستقلالية للشركات التابعة وفرق العمل في الشركة، وبما أنه مسؤول عن إدارة أكبر مجموعة الشركة، فقد كان يمتلك تأثيراً كبيراً على رأي روجير ومجلس إدارة الشركة.

قال هينينغ موجها الكلام لديريك: "أنت حريص دوماً على قضية المخاطر التي قد تتعرض لها الشركة، ونحن نقدر هذا بالتأكيد، ولكن الشركة لن تتمكن من تحقيق المزيد من النمو إن وقفنا عائقاً أمام ذلك. إن النجاح الذي تراه في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وحتى في أوروبا الوسطى يعود إلى أننا قد زدنا من استقلالية وحرية كل شركة من الشركات التابعة لنا".

"وماذا عن روسيا؟" سأل ديريك.

فأردف هينينغ قائلاً: "لا تستطيع أن تعاقب الجميع بسبب خطأ واحد حصل من طرف ما. إن وضع السياسات بالاعتماد على حالة شاذة هو استراتيجية ضعيفة، وأنت تعرف هذا جيداً".

فقال ديريك: "ولكن بحكم مسؤولتي كمدير مالي رئيسي لا أستطيع أن أهمل ما يجري في أي دولة أخرى".

فأخبره هينينغ: "ولكني كذلك لا أقترح أن تكون الأمور فوضى تماماً".

"وأنا كذلك لا أقترح أن نتجسس على الجميع على مدار الساعة، ولكننا شركة عالمية، ومشاريعنا ليست منفصلة عن بعضها. أنت رأيت ما حدث في مشروع المنتجع. حين يقع خطأ من فرع ما للشركة فإن الضرر يعود على الجميع، وتتأثر سمعتنا وتتراجع أرباحنا".

فقال هينينغ: "ولكن لا تنس أننا في قطاع الإنشاءات، ولسنا في قطاع البنوك يا ديريك. إن اللامركزية هي الأمر السائد في هذا المجال، وجميع أعمالنا تدور حول المشاريع. وعلينا أن نكون قادرين على احتواء المخاطر على مستوى محلي. عليك أن تقر أن هذه الطريقة أكثر كفاءة من سواها في هذا القطاع، سواء أسميتها هولوكراسي أو أسميتها شيئاً آخر: فهي توفر إمكانية اتخاذ القرارات السريعة، والتي يتخذها أشخاص هم أكثر معرفة بأثرها عليهم ويعرفون التفاصيل الدقيقة لكل مشروع محلي لديهم، وهذا سيجعل حركتنا أسرع وأكثر فعالية. سنتمكن أنا وزملائي عبر هذه المنهجية في الإدارة في الحصول على مشاريع جديدة وتنفيذها بشكل أسرع، وأن نولد المزيد من الأرباح دون أن تعيقنا إجراءات بيروقراطية يمكن الاستغناء عنها".

حين غادر هينينغ شعر ديريك أن ذهنه قد تشتت بشكل لا يستطيع معه العودة إلى متابعة عمله. لقد رأى ديريك أنه لو كان مقتنعاً تماماً برأيه، فإنه سيصر على إقناع روجير بالتراجع عن فكرة الهولوكراسي، ولكن الأمر يتطلب قدراً كبيراً من التأثير.

فهل القضية تستوجب أن يخاطر بصداقته مع روجير ويخسر وظيفته ربما إن أصر على رأيه واتخذ موقفاً معارضاً للمنهجية التي يقترحها روجير؟



 

 

 

 

يجب أن لا يقف ديريك في وجه روجير بشأن هذه المبادرة، بل يجب أن يخبر صديقه بأن إيلاء المزيد من المسؤولية إلى الشركات التابعة هي فكرة رائعة، ولكنه يجب أن يوضح له أنه من أجل أن يكتب النجاح لهذه المبادرة، يجب أن تقوم كونتيكت أولاً بخفض مستوى المخاطر لديها وأن تزيد من قدراتها في الرصد والمتابعة، وأن تبني الثقافة الصحيحة في هذا المجال.  وبإرساء هذا الأساس، يمكن أن تزدهر منهجية الهولوكراسي في الشركة.

لماذا تعتبر اللامركزية مناسبة لهذه الشركة؟ يُعزى جزء كبير من ذلك إلى الأعمال العالمية المُنخرطة فيها. ومع وجود أكثر من 30,000 مشروع بناء جارِ في جميع أنحاء العالم، ونظراً لطبيعة كثير من تلك المشاريع بالغة التطوُر والتعقيد، لن تكون كونتيكت قادرة ببساطة على الإصرار على توحيد المعايير أو فرض رقابة ورصد حثيثين لكل شيء من مقرِها الرئيسي. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع أحد في مكتب في ايندهوفن أن يعرف بالضبط كيف يتم إنجاز عمل ما في تركيا، حيث يحتاج صناع القرار إلى معرفة ببيئة المشروع على أرض الواقع.

إن التطورات الديموغرافية والاتجاهات الكبرى الأخرى مثل التحضُر والتطور التقني وقوة الأسواق الآسيوية، تجعل كذلك من اللامركزية خياراً أكثر جاذبية وقابلاً للتطبيق أكثر من أي وقت مضى. لقد عززت التكنولوجيا الشفافية، وغيرت طريقة الموظفين في إنجاز الأعمال في جميع أنحاء العالم. إن للتحضُر تأثيراً جوهرياً على مدى تطور مشاريع البناء والتشييد. يجب أن تقوم كافة الشركات وليس شركات البناء والتشييد فحسب، بجعل قراراتها أقرب ما يمكن من العملاء. وإذا اعتمدنا ذلك، فإن نهج اللامركزية لا يعد مُبرِراً لعدم وجود محاسبة أو مراقبة. ولن يكتب النجاح لمبادرة روجير، إلا إذا قام بإحداث تغييرات كبيرة في الطريقة التي تُدار بها الشركة. أولاً، يجب أن يتأكد من أن جميع قادة الشركات التابعة له يتمتعون بمصداقية وأنهم جديرون بالثقة، والتحقق من نوع الموظفين الذين يرغبون في العمل بشكل مستقل، ولكنهم يشعرون كذلك بأنهم مسؤولون أمام الشركة الكبيرة. كما يجب أن يتحلوا بخلق التواضع والوعي الذاتي لتبادل المعلومات مع المقر الرئيسي للشركة، وأن يعترفوا عندما لا يسير المشروع حسب الخطة الموضوعة، وأن يعرفوا الطريقة التي يمكنهم من خلالها تحسين أعمالهم.  كما يجب أن يقوم روجير بالتأكد من أن لديهم رؤية واضحة بشأن استراتيجية كونتيكت العالمية وهدفها وقيمها، وأن لديهم فهماً أفضل للطريقة التي تساهم بها شركاتهم الفرعية تجاه تحقيق ذلك.

وإذا كانت هذه الأمور واضحة وضوح الشمس للموظفين في العمل، فإن مستوى المخاطر في الشركة لن يكون كبيراً إلى تلك الدرجة التي يتصورها ديريك وفيرا. لا يزال القادة في المقر الرئيسي بحاجة إلى معرفة ما يحدث في كافة الأقسام وفي أكبر مشاريعها. إن هذه هي الطريقة الوحيدة لتجنُب حادثة أخرى كتلك التي حدثت في روسيا. وإن وجهة نظر روجير القائلة بأنه يجب على الرئيس التنفيذي التركيز فقط على عمليات الاستحواذ الجديدة تعتبر وجهة نظر متهوِرة. يجب أن يقوم ديريك بإقناعه لإيجاد ثقافة المساءلة من خلال مراقبة أمور مثل مستويات رأس المال العامل، والتدفقات النقدية، وتقارير التأخير، وإدارة المطالبات، وتحليل هامش الربح، ومراقبة التكاليف، وخطوط المشاريع، ومؤشر مشاركة الموظفين. وبغض النظر عن كيفية إدارة شركة ما سواء كانت ضمن هيكلة إدارة مركزية أو غير مركزية تعد وجهة النظر الشفافة في الوحدات والأداء العام أمراً ضرورياً. وعلاوة على ذلك، فإن هذا ما سيؤكد للرئيس التنفيذي الألماني والقادة القُطريين الآخرين، أنه من مصلحتهم الشخصية تبادل أكبر قدر ممكن من المعلومات ومناقشة المشاكل مع المقر الرئيسي.

يستطيع ديريك أن يدعم إصرار روجير على تطبيق الهولوكراسي، لكن بطريقة تحمي الشركة في الوقت نفسه. إن ضمان أن يكون لكونتيكت رؤية واضحة حول القيم والهدف والاستراتيجية وأنظمة البناء التي تسمح برصد يتسم بالشفافية على مستوى الدول وعلى مستوى المشاريع، هي الطرق الوحيدة لإسناد آمن للمسؤولية التي تحتاجها الشركات التابعة لأداء أعمالها بشكل جيد. وعلى الرغم من ذلك، فإن روجير وديريك في غياب هذه الظروف إنما يغامران بمستقبل الشركة.



 

 

 

 

لو أراد ديريك أن ينقذ الشركة، وبالتالي يحافظ على وظيفته، فإن عليه إقناع روجير بالتخلي عن فكرة الهولوكراسي. لا يجب أن تعطي كونتيكت مزيداً من السيطرة لشركاتها التابعة لها، بل ينبغي لها أن تنظر في زيادة الاعتماد على النهج اللامركزي. وعادةً ما يكون هناك أربعة أسباب وراء ذلك: زيادة الرقابة، وتبادل أفضل الممارسات والمفاهيم، وتحقيق وفورات محتملة، ومساعدة الشركات التابعة في توحيد صفوفها عند التعامل مع العملاء في السوق.

دعونا نبدأ مع جانب الرقابة. من الجدير بالذكر أن هذه الحالة تعتمد على الشركة الهولندية رويال امتيك، والتي أعلنت إفلاسها عام 2015. وكان من العوامل الكبيرة التي أدت إلى زوال تلك الشركة هو عدم سيطرتها على المشاريع التي تقوم بها كل من وحداتها القُطرية، بما في ذلك حدوث محاولات احتيال في بولندا (على غرار ما حدث في المشروع الروسي الذي أشرنا إليه فيما سبق). وفي قطاع البناء والتشييد أو في أي شركة تكون أعمالها قائمة على المشاريع مثل كونتيكت، فإن إخفاق وحدة واحدة يمكن أن يضر الشركة بأكملها. ولذلك يحتاج القادة إلى تمحيص المهام وتدقيق شروط وأحكام العقود لتقليل مستوى المخاطر. يجب أن يعرفوا ما إذا كان يتم تسليم المشاريع في الموعد المُحدد لها ومنع التلاعب المُحتمل من قبل الحكومات أو غيرها من الجهات الفاعلة المحلية.

فمن الممكن أن تقوم شركة كونتيكت برصد هذه الأمور مع الاستمرار في احترام أمانة المديرين المحليين. عندما كنت أشغل منصب الرئيس التنفيذي في شركة راندستاد، كان هذا هو بالضبط ما فعلناه. لقد منحنا كل واحدٍ من مكاتبنا هامشاً واسعاً للعمل باستقلالية مع الحفاظ في الوقت نفسه على المعايير والرقابة في المركز. وقد يكون من الأسهل الحفاظ على استقلالية الوحدات، ولاسيِما الوحدات التي تم الاستحواذ عليها مؤخراً، ولكن لا يمكنك أن تكون متأكداً تماماً من أن الموظفين سيتصرفون دائماً بما يصب في مصلحة الشركة.

ومن الفوائد الأخرى للمركزية هو التأكد من أن الخدمات يتم تنفيذها باستمرار عبر المواقع المختلفة. فخلال فترة خدمتي في شركة راندستاد، استحوذنا على 185 شركة، وقمنا بتغيير علامتها التجارية (بما في ذلك ثاني أكبر شركة مُنافسة لنا في القطاع)، وقد حرصنا على نشر أفضل الممارسات، وقمنا بقياس النهج الأكثر فعالية لعملنا بعناية، ثم تشاركناها مع المكاتب. لقد شهدنا تحسناً على صعيد مشاركة الموظفين وعلاقات العملاء، وأعتقد أن تطبيق نهج المركزية في كونتيكت يمكن أن يفرز النتائج نفسها. وبطبيعة الحال، اللوائح والشروط التي تنظم قطاع البناء والتشييد تختلف من بلد لآخر، والذي قد يحد من توحيد المقاييس. ومن الأهمية بمكان التفريق بين حقيقة أن هذه الشركة تعمل في مجال البناء والتشييد، وأن راندستاد هي شركة خدمية. ولكن لا ينبغي أن يمنع هذا شركة كونتيكت من ضمان أن ينجز كل موظف الأعمال الموكلة إليه وفقاً لنفس المعايير في جميع أنحاء العالم.

وليس من الواضح ما إذا كانت الفائدتان الأخيرتان، وهما وفورات الحجم والتعامل مع العملاء مُجتمعتين، تلعبان دوراً في هذا السياق أم لا، ولكن قد يتم اكتساب مزيد من أوجه الكفاءة من خلال الجمع بين مكاتب الدعم والإسناد، وإدارة المشاريع، وأنظمة الرصد، وإن لم يكن ذلك في جميع أقسام ووحدات الشركة بأكملها، فعلى الأقل في الأسواق المشابهة. وسيكون على الأرجح لزاماً على شركة كونتيكت تشجيع الشركات في المنطقة نفسها على ممارسة البيع المتبادل أو التعاون فيما بينها على خدمة العملاء.

ومن الممكن أيضاً (على الرغم من أنني لا أستطيع أن أتخيل ذلك) أن تكون كل شركة تابعة مختلفة عن الأخرى، وأن المركزية لن تجلب أياً من هذه الفوائد. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن قيادة شركة كونتيكت يجب أن تتصرف كمستثمر مالي.

وسواء كان روجير يفضل أن يسمى هذه المنهجية "هولوكراسي" أو لامركزية، فإن ما يصر على تطبيقه يشكل خطراً على شركة كونتيكت. إذا كانت الشركة لا تشارك أفضل الممارسات وتحافظ على السيطرة على الشركات التابعة لها، فإن كل شركة تابعة هي في الأساس شركة قائمة بذاتها، وتكون بذلك قادرة على إسقاط الشركة بأكملها.

تعليقات مجتمع هارفارد بزنس ريفيو


ثق بموظفيك


الهولوكراسي هو المستقبل، فهذه المنهجية تنمي ثقافة يشعر الموظفون فيها بشكل طبيعي أنهم مسؤولون عن المصلحة العامة لشركتهم. إن المخاطر ستكون أكبر إذا افترضت قيادة شركة كونتيكت أن الموظفين لا يستطيعون، أو لن يقوموا، باتخاذ قرارات كبيرة بما يحقق مصلحة الشركة.

فيديا ابهيجيث، مدير شريك

كودويفز تكنولوجيز.

عدم المجازفة وتوخي الحذر


يجب أن لا يقوم ديريك بمحاربة المبادرة الآن. إذ يبدو نموذج العمل وكأنه مناسب لهذا القطاع، ولكن السؤال هنا هو: هل هذا النموذج مناسب لهذه الشركة بالذات. إذا كان هو وفيرا لا يستطيعان العثور على طرق للسيطرة على المخاطر التي تنتج عن الهولوكراسي، فإنه يستطيع العمل على وقفه.

سنا ويلسون، مديرة شريكة في وحدة العلامة التجارية، أوريون فارما.

القيام بعمل تجربة أولاً


تحتاج سنا إلى معرفة ما إذا كان إصرارها على التغيير نابعاً من رغبتها في تطوير الشركة أم من سعيها لإثبات جدارتها بالمنصب. إن قليلاً من التأنّي من أجل تقييم الخطط لا يُعدّ علامة ضعف، بل يُظهر أنها قادرة على التفكير بجميع الجوانب المتعلقة بعملية التغيير، وأنها ستقوم بقرارات واعية ومحسوبة للمضي قدماً أو إجراء بعض التعديلات اللازمة.

جيروين فيرمير، صاحب شركة تريبل كونسلتنج
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!