بينما كان فادي يتفقد صندوق بريده الإلكتروني الوارد، أتته رسالة من زميلته سارة تسأله فيها عن أحد العملاء المشتركين بينهما. لم يكن فادي متأكداً تمام التأكد من صحة إجابته، ما دفعه لإرسال نسخة كربونية من رسالته الإلكترونية إلى مشرفه المباشر كي ينبهه فيما لو كانت إجابته غير دقيقة.

لم يتصور فادي أنّ تصرفاً كهذا قد يسبب مشكلة ما، فهو يعمل في بيئة عمل تعاونية تُقرّ بأنَ الشفافية في العمل أمرٌ جيد. لكن سارة نظرت إلى الأمر بشكل مختلف. وقبل مضي خمس دقائق على الرسالة وإذ بسارة تقف منتصبة في مكتب فادي وتتسائل: "لماذا أرسلت نسخة من البريد الإلكتروني إلى رئيسنا المباشر؟ أنا متأكدة أنه سيعتقد أني غير قادرة على التعامل مع العملاء لوحدي".

بشكل عام يتسبب إرسال نسخة كربونية من البريد الإلكتروني إلى المدراء بتبديد وقتهم الثمين بسبب اضطرارهم إلى المرور وفرز العديد من الرسائل غير الضرورية. في حين بيّنت أبحاثي أن لها تكلفة أُخرى تتمثل في انخفاض الثقة بين الموظفين، إذ أن بعض الناس مثل فادي يفعلون ذلك بحسن نية، لأنهم يؤمنون بأنّ مزايا الشفافية والتعاون تفوق عناء الرسائل الزائدة، أما ما لا يدركه فادي وأمثاله أن كل هذا التواصل الفائض سيضعف الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها مع فريقهم.

ومن أجل رصد تأثير إرسال النسخ الكربونية إلى المشرفين على الثقة داخل المؤسسة، تعاونت مع زملاء لي بإجراء ست دراسات عن الموضوع. وعلى الرغم من أن النتائج التي توصلنا إليها لا تزال أولية، وورقتنا الأكاديمية لا تزال قيد التدقيق، لكننا اكتشفنا أنه كلما تم تضمين المشرف في رسائل البريد الإلكتروني إلى زملاء العمل، كلما انخفض الشعور بالثقة بين هؤلاء الزملاء. حيث قرأ المشاركون في دراساتنا التجريبية والذين كان عددهم 594 عاملاً، سيناريو طُلب منهم فيه أن يتصوروا زميلاً لهم في العمل يرسل نسخة إلى المشرف عند إرسال البريد الإلكتروني إليهم "دائماً" أو "أحياناً" أو "نادراً جداً". ثم طُلب من المشاركين الإجابة على بنود تقييم مدى الثقة التي يشعرون بها من قبل زميلهم. وتبين باستمرار أن الحالة التي كان فيها المشرف "دائماً" كنسخة كربونية أَشعرت مستلم البريد الإلكتروني بدرجة ثقة أقل بكثير من المستلمين في مجموعتي "أحياناً" أو "نادراً جداً".

كما أكدت دراسة مسحية تنظيمية شملت 345 موظفاً، أن الموظفين الذين يستقبلون بريداً إلكترونياً من الزملاء مع نسخة كربونية إلى المشرف، يشعرون بانخفاض درجة الثقة عندهم تجاه زميل العمل هذا. بل أسوأ من ذلك، فقد أظهرت دراستي أنه كلما كثُر إرسال نسخ كربونية إلى المشرف، كلما قلّت ثقة الموظفين بأنفسهم، وبالتالي قادهم هذا الشعور تلقائياً إلى الاستدلال على أن الثقافة التنظيمية لمؤسستهم مبينة على انخفاض الثقة عموماً، الأمر الذي يعزز شعور الخوف وضعف السلامة النفسية.

ذات التأثيرات وجدناها في الدراسات التي اشتملت على عيّنات من الموظفين الغربيين والصينيين، ما يؤكد أنه حتى في الثقافات المختلفة يمكن اعتبار إرسال نسخة من الرسالة الإلكترونية إلى المشرف خطوة تهديد محتملة. هذا وتتفق النتائج التي توصلنا إليها في العالم الافتراضي من الاتصالات الإلكترونية مع البحوث التي أجريت في العالم الحقيقي، مثل دراسات إيثان برنشتاين على المصانع الصينية. حيث توصل برنشتاين إلى أن زيادة الشفافية دفعت بالعمال إلى إخفاء المعلومات، حتى عندما كانت تلك المعلومات مفيدة، مثل التحسينات على العمليات التي اكتشفوها.

إضافة إلى ذلك، اكتشفنا أن الأشخاص الذين يتصرفون بحسن نية ويرسلون نسخة للمشرف بهدف المساعدة، هم أقلية. إذ عندما تخيل الموظفون إرسالهم رسائل البريد الإلكتروني مع نسخة إلى المشرف بشكل دائم، أشاروا إلى إدراكهم أن هذا التصرف يقلل من مستوى الثقة التي يشعر بها المتلقي بدرجة أعلى من تلك التي يتم فيها إرسال نسخة إلى المشرف في بعض "الأحيان" أو "نادراً جداً". وتقترح هذه النتيجة أنّه عندما يقوم زميل العمل بإرسال نسخة إلى المشرف الخاص، فهو غالباً ما يفعل ذلك بدافع استراتيجي، لأنه يعي تأثير ذلك عليك. ومن وجهة النظر هذه، يُعتبر استنتاجنا بأنّ "الموظفين الذين يتلقون رسائل بريد إلكتروني مع نسخة كربونية إلى المشرف بشكل دائم، يشعرون غالباً بدرجات أدنى من الثقة عن طريق زملائهم في العمل". أمرٌ يتضمن بعض الحقيقة في طياته، لكن ما هي انعكاسات هذه النتائج على المؤسسات والمشرفين؟

أولاً: تبين هذه النتائج بوضوح أنّ الشفافية الكاملة في الاتصالات الإلكترونية ليست ذلك الخيار الأمثل الذي يجب استخدامه من قبل المؤسسات لتعزيز الكفاءة والتعاون. وفي كثير من الأحيان، تعتبر المؤسسات تحقيق الشفافية في تبادل المعلومات هدفاً تسعى إليه وليس منهجاً تتبعه. وهذا التصور يدفع الموظفين إلى الشك بأنّ ما يقولونه أو يفعلونه يمكن استخدامه ضدهم، وخاصة عندما يتم تضمين المشرفين والسلطات العليا في عمليات التواصل. وبالمقابل كان الموظفون أكثر ثقة تجاه المؤسسات وسلطاتها في حالة الثقافات التنظيمية التي تم فيها تعريف الشفافية بوضوح وتفسيرها كوسيلة لتحقيق أهداف وقيم ذات ترتيب أعلى.

ثانياً: أشارت النتائج التي توصلت إليها بأن على المشرفين الأخذ بعين الاعتبار عدد المرات التي يتم تضمينهم فيها خلال التواصل بين زملاء العمل كقضية تتعلق بثقافة المؤسسة، وليس فقط كمسألة إدارة وقت. إذ يتوجب عليهم المبادرة بالتدخل عندما يستمر أحد أعضاء الفريق بإرسال نسخة إليهم في البريد الإلكتروني، فيما لو كانوا يريدون حقاً منع تآكل الثقة داخل فرقهم. كما يفضَل المدير أن يتصرف بروح استباقية أكثر. فعلى سبيل المثال، يمكن للمشرفين أن يوضحوا بدقة في أي مرحلة من مراحل المشروع يكون إرسال نسخة من البريد الإلكتروني مناسباً.

أخيراً، تُعتبر استنتاجاتي هذه بمثابة تحذير للشركات التي تستخدم برامج تعاون الفرق لتعزيز الإنتاجية (مثل أوفيس 365، كونفلوانس، سلاك، يامر، وغيرها). ولقد صُممت هذه البرامج خصيصاً لتعزيز جودة علاقات العمل من خلال زيادة مستوى الشفافية، ولا سيما عبر إشراك جميع أصحاب المصلحة. وبما أنه يمكن لهذه المنصات أن تحقق توقعات أقل خصوصية قياساً بالبريد الإلكتروني، بالتالي سيتفاعل الموظفون معها بشكل مختلف. كما أوضحت النتائج التي توصلت إليها أنه يمكن للشفافية الإلكترونية أن تأتي بنتائج عكسية، وأنه يتعين على المؤسسات توضيح الغرض من إشراك جميع المشاركين في مشروع ما ضمن اتصالاتها، وبالتالي لا يُنظر إلى الشفافية على أنها وسيلة لتقييم ورصد أداء وسلوكيات الناس في الفريق.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!