تابعنا على لينكد إن

على الرغم من أنّ معظم سياسات إدارة التنوع في بيئة العمل تدل على عدم وجود اختلاف بين الرجال والنساء في مكان العمل، إلا أنّ إجابة جميع المدراء التنفيذيين الذين قابلتهم كانت تقول “نعم هناك اختلاف”.

إذ قالت لي المديرة العالمية لإدارة التنوع في واحدة من أكبر شركات الاستشارات المتخصصة في العالم بأنها: “لم تكن تريد بأنّ تعامل بطريقة مختلفة”. فقلت لها: “أنّ ذلك هو السبب الذي يجعل معظم شركات الاستشارات المتخصصة تحوم دون مستوى الـ20% من حيث نسبة مشاركة النساء في المناصب العليا. فطالما أنّ الرجال والنساء يتلقون المعاملة ذاتها تماماً في المؤسسات، ستبقى معظم النساء محرومة من تسلّم المناصب القيادية العليا.

خلال السنوات الثلاثين المنصرمة، قيل للمدراء أن يعاملوا الرجال والنساء بذات الأسلوب تماماً. ما يمثل طريقة تقدمية في العمل. وأي اقتراح بوجود اختلاف بين الجنسين كان (ولا زال على الأغلب) يُنظر إليه بوصفه تحيزاً أو صورة نمطية، وخاصة من قبل النساء اللواتي يشعرن بتوق كبير إلى أن يُظهرن بأنهنّ ينتمين إلى المجموعة.

لكن حالة الإنكار التي تسود عالم الأعمال والشركات بخصوص هذه الاختلافات تضر بالنساء وتقود إلى إقصائهن بطرق كثيرة جداً عن مواقع القيادة، سواء عن وعي أو عن دون وعي. وبما أنّ هذه الاختلافات غير معترف بها، فإنّ النساء يُحكم عليهن ببساطة بأنهن “غير مناسبات” للأنظمة والأساليب والأنماط المسيطرة على عمل المجموعة.

لقد كانت هناك أسباب وجيهة في الماضي للدفع باتجاه المعاملة المتشابهة بين الجنسين، إضافة إلى أنّ القوانين المطبقة في العديد من الدول تُعتبر الأساس الذي يجعل العديد من شركات اليوم تصر على المعاملة المتشابهة للرجال والنساء، فمعاملة المرأة بمساواة مع الرجل في نهاية المطاف أفضل من معاملتها بشكل أسوأ. أما اليوم، فلم تعد هذه هي خياراتنا الوحيدة. لقد حان الوقت لكي تتأقلم الشركات مع المرأة، وإلا ستخسرهن لصالح الشركات المستعدة لأخذ هذه الخطوة. إذ أنه في جميع الشركات التي أعمل معها، يُعتبر عدم إدراك الفروق الأساسية الموجودة في دورة الحياة المهنية للرجال والنساء، أو أسلوب تواصلهم، أو نظرتهم إلى السلطة سبباً كافياً لاستبعاد أحد الجنسين وتفضيل الجنس الآخر.

فعندما تُقلب الأدوار، أي عندما تصبح النساء هن المجموعة المهيمنة، سيضر حينها الجهل بالفروق بين الجنسين بالذكور أيضاً. هذا ما يخلص إليه مايكل تومسون، أحد أبرز الخبراء الأميركيين ومؤلف كتاب “تربية قابيل”. فقد قال في خطاب ألقاه مؤخراً ضمن معهد تشاتوكوا، بما أنّ ثمانية من أصل كل تسعة مدرسين أميركيين هن نساء، فإنّ المدارس اليوم تعتبر أسلوب التعلم لدى الفتيان أدنى من المستوى المطلوب بما أنّ هؤلاء الفتيان يبتعدون عن المستوى الذي تحدده النساء والفتيات. وعوضاً عن التكيف مع الفروق الموجودة لدى الفتيان (الذين يمتلكون طاقة جسدية أكبر، ويعتبرون أقل نضوجاً من الناحية النمائية، ويستعملون اللغة استعمالاً مختلفاً، كما يقول)، فإننا نصر على أنّ كلا الجنسين لديهما الخصائص ذاتها، ونحاول تقديم الأدوية العلاجية لأبنائنا الذكور لكي نهدئهم. فوفقاً لتومسون، 11% من الفتيان في أميركا لديهم تشخيص طبي يقول أنهم في حالة من اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وتوصف لهم الأدوية جراء ذلك. وهذا يشكّل 85% من استهلاك أدوية اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط في العالم. ومنذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، كان احتمال تسرّب الفتيان من المدارس أعلى من احتمال تسرب الفتيات. وهذه الحالات المشابهة من التوازن المختل هي ما يفسر الاختلال المتنامي في التوازن بين الجنسين ضمن التعليم العالي، (حيث أنّ 60% من خريجي الجامعات من النساء وذلك سيكون في الوقت القريب في الولايات المتحدة).

وهنا نخلق حالة تتسم بالمفارقة، إذ لدينا نظام تعليمي ينتج غالبية من الخريجات (فغالبية خريجي شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في أميركا هنّ من النساء الآن) ويرسلهنّ إلى النظام الاقتصادي الذي لم يتأقلم بعد، والذي لا زال يعتبر الأساليب الذكورية هي الأساليب المتفوقة والأفضل ويروج لها.

لا نقصد القول بأنّ النساء في مكان العمل أو الفتيان في المدارس بحاجة إلى “معاملة خاصة”. وإنما يكمن الأمر في أنّ كل مؤسسة تسعى إلى المحافظة على الجدارة القائمة على الأداء الرفيع. لكن المقياس الأبسط والأكثر أساسية لذلك، والقائل بأنّ كلا الجنسين ينجحان بصورة متساوية، يظل مقياساً خادعاً ومحيراً. وما نراه عوضاً عن ذلك هو أنّ قادة هذه المؤسسات يضعون أنظمة تكون أكثر ميلاً إلى خياراتهم الذاتية المفضلة دون أن يعوا ذلك، وهم مقتنعون بأنّ جنس الشخص غير مهم.

والجدير بالذكر، أنا لا أدعي هنا بأنّ الفروق بين الجنسين فطرية. فموضوع فطرية الفروق غير مهم في سياق النقاش الحالي. إذ لا تناقش الشركات أيضاً ما إذا كانت الفروق بين الموظفين الصينيين والأميركيين هي فروق فطرية. لكن هذه الشركات تعلم بأنّ العمل مع الصينيين ولصالحهم يتطلب تعلم لغتهم وثقافتهم. والعمل مع الجنسين مشابه أيضاً. وهذا يعني أنّ الشركات والمدراء، وكذلك المدرسين والتربويين، سيحتاجون إلى تعلم الفروق الحقيقية والفروق المتخيلة بين الجنسين، إضافة إلى ذلك، يجب أن يتكيفوا معها إذا أرادوا العمل مع النساء والرجال على حد سواء وأن يخدموا مصالحهم. وهم بحاجة وبصورة عاجلة إلى أن “يتقنوا لغة الجنسين” إذا ما أرادوا الاستفادة من مجموعة المواهب المتاحة هذه الأيام.

في قطاع التعليم، لا يعني ما سبق إنشاء مدارس مخصصة للفتيان فقط، لأن ذلك لا يتعامل مع التحدي المتمثل في كيفية تعلم الجنسين بأن يتعلموا معاً. وفي قطاع الأعمال والشركات، هذا لا يعني الاستمرار بالعمل بنظام الشبكات والبرامج الإرشادية المخصصة للنساء فقط، لأنّ هذا الأمر لا يتعامل مع التحدي المتمثل في كيفية تعلم الجنسين العمل معاً بفعالية. كما أنّ ذلك لا يعني تطبيق البرامج التدريبية التي تصر على أننا جميعاً متشابهون، وأنّ العائق الوحيد هو وجود التحيز. (لا شك في أن التحيز يُعتبر مشكلة، بطبيعة الحال، لكنه أبعد من أن يكون المشكلة الوحيدة).

وهذا لا يعني دفع القادة إلى إعطاء الأولوية للتوازن بين الجنسين وإلى الاطلاع على أنماط الثقافات والأنظمة التي تساعدهم في تحقيق هذا التوازن، وكذلك أنماط الثقافات والأنظمة التي تقضي على هذا التوازن.

فكيف يكون الأمر؟

يمكن الحصول على التوازن بين الجنسين في الشركات من خلال القيادة القوية: أي أن يكون هناك التزام واضح من قبل المستويات القيادية العليا باعتبار التوازن بين الجنسين أولوية استراتيجية في المؤسسة. إضافة إلى الالتزام من قبل القيادة: أي وجود فرق متجانسة من القيادات العليا تكون مقتنعة بضرورة التغيير ومؤهلة لقيادته. كما أنّ وجود القيادة التي تمتلك المهارات الضرورية وتكون خاضعة للمساءلة بطريقة تأخذ الفروق بين الجنسين بعين الاعتبار، يركّزوا على هذا الأمر بوصفه قضية ذات أولوية بالنسبة للمؤسسة أمر هام جداً لتحقيق التجانس بين الجنسين.

لقد كان إنكار الفروق بين الرجال والنساء مرحلة مفيدة ولا بدّ المرور فيها. إذ ساعدتنا في الوصول إلى ما وصلنا إليه. ولكن بما أنّ واقع النوع الاجتماعي أو “الجندر قد تغيّر، فإنّ مقاربتنا إليه يجب أن تتغيّر أيضاً. وبالتالي يتعيّن على المدراء، سواء كانوا من الرجال أو النساء، أن يتبنّوا وجود هذه الفروق ويساعدوا الجميع في النجاح.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz