لا نكشف جديداً حين نقول إنّ دور موظفي المبيعات وعملية البيع نفسها تشهد تغيرات كبيرة. في الماضي، كان موظف المبيعات يمثّل الخطوة الأولى في أي عملية شراء، ويكون له أثر كبير على قرار العميل من ناحية التحكم بالمعلومات والأسعار وتوفّر السلعة من عدمها والميزة التنافسية وغير ذلك. أما في هذه الأوقات التي باتت المعلومات لا تخضع لتحكم أحد، أصبح العملاء أقدر على التعامل مع موظفي المبيعات لأنّهم يمتلكون معلومات مسبقة أوفى عما يرغبون في شرائه. وربما يأتون وقد اتخذوا قرارهم بشأن عملية الشراء. فالتجارة عبر الإنترنت والتخلص من الوساطة في عمليات الشراء تدفع العديد من العملاء أحياناً للتساؤل عن سبب وجود موظف مبيعات أصلاً. كما أنّ الشركات باتت تُدرك أنّ النجاح الحقيقي على مستوى المبيعات لا يرتبط بعدد أو حجم الصفقات التي تم التوصل إليها، وإنّما بقدر ما تتمكّن من جلب النوع المناسب من العملاء والمحافظة على ولائهم لها. وفي وسع موظف المبيعات المتميز تحقيق النجاح في بيئة الأعمال الجديدة هذه إن اتبع ما يقوم به أصحاب العلامات التجارية الكبيرة. هنالك سبعة مبادئ أساسية لبناء العلامات التجارية تتبعها الشركات الكبيرة، وحددتها حين ألفت كتابي الأول. ووجدت في ما بعد أنّ هذه المبادئ في غاية الأهمية لاستعادة الدور الذي يؤديه موظفو المبيعات باعتبار أنّ مهمتهم قيمة ومستدامة وأساسية.
  • العلامات التجارية الكبيرة تبدأ من الداخل، وموظف المبيعات الجيد يبيع في الداخل أولاً. فكل علامة تجارية عظيمة تبدأ بالتطور من خلال تعزيز ثقافة قوية لهذه العلامة داخل المؤسسات، وفي الوقت ذاته يدرك موظف المبيعات المتميز أنّ الخطوة الأولى للنجاح في المبيعات تحصل في داخل الشركة التي يعمل فيها. فموظف المبيعات يمثّل قيمة كبيرة للمؤسسة التي يعمل فيها لأنه يقدّم تصوراته عن السوق ويشكّل حلقة وصل مباشرة مع العملاء، ولذا فإنه يساعد شركته في ما يتعلق بتنمية المنتج واستراتيجية التسويق وخدمة العملاء، لأنه يمثل "صوت العميل" داخل الشركة.
  • العلامات التجارية العظيمة لا تعتمد بيع المنتجات. وموظفو المبيعات الجيدون ينمّون علاقات عميقة مع العملاء تعتمد على العنصر العاطفي. يوضح هاري بيكويث في كتابه "ماذا يحبّ العملاء" أنّ عدداً قليلاً وحسب من مؤسسات الأعمال تُعنى ببيع المنتجات أو الخدمات أو حتى الخبرات، وأنّ ما تبيعه فعلياً هو عنصر الرضا. ويقول هاري: "إنّ شركة التأمين الناجحة لا تبيع بوليصة التأمين للعميل، وإنما تبيعه الراحة: تلك الراحة التي تتولّد من معرفتك أنك لو تعرضت لحادث ما، فإنّ الشركة ستأتي فوراً إلى مكان الحادث وسيحررون لك على الفور شيكاً بتكاليف تصليح السيارة". وبالطريقة ذاتها، فإنّ موظفي المبيعات المتميزين لا يسعون إلى بيع السلع أو البرامج، بل يحاولون التواصل وبناء علاقة مع العملاء من خلال الاعتماد على العامل العاطفي وتقديم أمثلة عن نجاح العلامة التجارية للشركة وريادتها في مجالها. ومن خلال ذلك ينتقل اهتمام العميل من السعر والمواصفات إلى الشعور الذي يقيّمه العميل والهويات التي يود تجربتها والتعبير عنها.
  • العلامات التجارية الكبيرة لا تكترث باتجاه السوق. وموظف المبيعات المتميز لا يقلّد الآخرين بل يبتكر. العلامات التجارية الكبيرة لا تنقاد لما يقوم به الآخرون، ولا تنتظر العميل كي يوجه أداءها. وموظف المبيعات المتميز كذلك يقدّم للعملاء تجارب فريدة ويسعى دوماً لدفعهم على التفكير بطريقة جديدة. فهو حريص على منح العميل تجربة مميزة وذلك عن طريق تجاوز الحالة القائمة في السوق وتعليمهم أمراً جديداً وله قيمة. إنّ موظف المبيعات المتميز هو الذي يقدم على التحديات ويخالف التوقعات، كما يرى ماثيو ديكسون وبرينت أدامسون في بحثهما الذي أجرياه للتعرف على سمات موظف المبيعات المتميز.
  • العلامات التجارية العظيمة لا تلاحق العملاء. وموظف المبيعات العظيم يجذب أفضل العملاء للشركة التي يعمل بها. ولأن صاحب العلامة التجارية الكبيرة يدرك أنّه لا يستطيع الوصول للجميع، فإنه يسعى لجذب فئة من العملاء ممن لديهم ولاء للعلامة التجارية وقدرة مادية على الشراء منها وذلك بالاعتماد على القيم والاهتمامات المشتركة. وكذلك الحال مع موظف المبيعات المتميز، يحاول أن يتخيّر أفضل العملاء للشركة. ويشير أحد الأبحاث الذي أجرته مؤسسة فولوماتريكس، وهي شركة مختصة في مجال تعزيز المبيعات، إلى أنّ أفضل موظفي المبيعات هم الذين يبنون علاقات متينة مع عدد أقل مع العملاء، وليس من يبني علاقات واسعة سطحية مع الآخرين. إنّ موظف المبيعات يعزز العلاقات المستدامة المثمرة مع العملاء إذا كان يتمتع بالحنكة الكافية للتركيز على العملاء المناسبين للشركة التي يعمل بها، بدل السعي لجني أكبر عدد من الصفقات.
  • العلامات التجارية الكبيرة تتنبه لأدق التفاصيل. وموظف المبيعات العظيم يخلق تجربة مميزة للعميل تجسد علامته التجارية. يدرك موظف المبيعات المتميز أنّ قدرته على تعزيز علامته التجارية تكمن في جهوده لتفسير وتمكين هذه العلامة وقيمتها المميزة مقابل القيم الأخرى، وذلك من خلال تجربة الشراء. ولذلك يحرص موظف المبيعات على النظر في جميع نقاط التواصل المختلفة بين العميل والعلامة التجارية أثناء عملية البيع ويسعى إلى تحصيل الفرص المناسبة لغرس أهمّ قيم وسمات العلامة التجارية في تلك التجارب. كما يدرك موظف المبيعات المتميّز أهمية البيع على المستوى الاجتماعي اليوم، لذا تراه يدير حساباته على شبكات التواصل الاجتماعي بكل حذر ودقة، وذلك كي يبني علاقات واعية وصادقة وشخصية مع الآخرين.
  • العلامات التجارية الكبيرة لا تضطر أبداً إلى "تعويض عملائها"، وموظف المبيعات المتميز يخلق قيمة حقيقية للعملاء. فالعلامة التجارية العظيمة لا تنخرط في أعمال وممارسات يشوبها الشك لتقوم في ما بعد بمحاولة تعويض ذلك عن طريق الأنشطة الخيرية وبرامج المسؤولية الاجتماعية. ولكنها تخلق أثراً اجتماعياً إيجابياً عبر الطريقة التي تطور بها أعمالها وتديرها. في المقابل، لا يقحم موظف المبيعات المتميز نفسه في علاقات مع العملاء لمجرد رغبته في البيع، بل يبحث عن سبل لجعل هذا العميل أكثر نجاحاً. ويلاحظ الاستشاري في مجال المهارات القيادية سكوت إيدنغر أنّ "برامج التدريب في مجال المبيعات تركّز، محقة، على تحديد "جوانب المعاناة" لدى العملاء. ولكن موظفي المبيعات المتميزين يعرفون كذلك القيمة المتمثلة في لفت انتباه العميل إلى فرص للنجاح يمكن استغلالها." إنّهم يدركون أنّ تحسين ظروف العميل لا يضمن بالضرورة صفقة مبيعات معه، ولكنهم يكترثون لأمر أهم من ذلك.
  • العلامات التجارية العظيمة تلتزم بأمر ما وتحافظ على هذا الالتزام. وموظف المبيعات العظيم ينقل للآخرين القيمة الفريدة للعلامة التجارية التي يمثلها. يشعر العديد من موظفي المبيعات بالضغط لتحصيل صفقات جديدة أو الحفاظ على العملاء بأي تكلفة، ولكن موظفي المبيعات الأكثر فعالية هم أولئك الذي لا يقدمون تنازلات في الأسعار لضمان الحصول على صفقة ما. فهم على قناعة بالقيمة التي توفّرها شركتهم ويحاولون بمهارة تعريف العملاء بهذه القيمة. ويستخدمون الأساليب التي وردت في كتاب "تجار القيمة" والتي وضعها مؤلفو الكتاب بالاعتماد على خبرتهم ومعرفتهم بما يقيّمه العملاء وما يتناسب معهم من عروض.
إنّ موظف المبيعات المتميز يطبق جميع هذه المبادئ بطريقة متماسكة ومتسقة يعكس أسلوب العلامة التجارية في إدارة الأعمال والمستخدم من قبل العلامات التجارية القوية ذات القيمة العالية. وكما تحاول العلامات التجارية الكبيرة تعزيز العلاقات المشتركة ذات الفائدة مع العملاء، فإنّ موظفي المبيعات المتميزين يبنون علاقة متينة بين شركته والمؤسسة التي ينتمي إليها العميل. ويمكن هنا أن نستخدم مصطلح "مبشري العلامات التجارية" لوصف موظفي المبيعات الناجحين. كان غاي كاواساكي، مدير التسويق لعديد من الشركات في وادي السيليكون، أول من استخدم مصطلح "التبشير" في عالم الأعمال، وذلك لوصف أسلوب مبتكر في مجال المبيعات والتسويق والإدارة. فالتبشير كما يعرفه غاي هو "دعوة الناس للإيمان بمنتجاتك أو أفكارك كما تؤمن بها أنت" وذلك لأنّ المبشر يعتقد بقناعة تامة أنّ ما يقدّمه مفيد فعلاً وذو قيمة حقيقية للآخرين. ومع مضي السنوات قامت العديد من شركات التقنية بتطوير دور "المبشر" التقني أو "كبير المبشرين"، وهو شخص يتولى مسؤولية دعم تقنية معينة ومن ثم يجعلها المعيار في مجال ما. وعلى غرار هؤلاء الأشخاص، فإنّ مبشري العلامات التجارية، أي موظفو المبيعات المتميزين، يحشدون الدعم لعلامة تجارية في سوق ما بحيث تصبح الرائدة في مجالها. ومن المهم هنا أن نشير إلى أنّ "التبشير بالعلامة التجارية" ليس أسلوباً آخر يرتكز على العميل أو يتأثر حصراً به من تلك الأساليب التي سادت في الآونة الأخيرة. فأسلوب المبيعات المرتكز على العميل وغيرها من أساليب تحسين المبيعات تعنى بشكل أساسي بزيادة المبيعات. أما التبشير بالعلامة التجارية فيتعلق بالانخراط مع العملاء بطريقة تؤدي إلى بناء علامات تجارية أقوى وأعلى قيمة وتساعد على استدامة النجاح طويل المدى للشركات والعملاء على حد سواء. وهذا ما يقوم به موظف المبيعات العظيم.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!