هارفارد-بزنس-ريفيو-ثقافة-الشركة

تابعنا على لينكد إن

من المعلوم أنّ كبار المؤسسين لا يطلقون أعمالاً بهدف تأسيس شركة، ولكن لحل مشكلة، وتلبية دعوة، واستيعاب الفكرة التي تفيد بأنّ لديهم غاية من شأنها أن تصنع فرقاً مهمّاً. ومن المؤكّد أنّهم يتمنّون أيضاً أن تصمد أعمالهم – وأن يحقّقوا الازدهار – بعد انطلاقهم على قدم وساق.

ولا شكّ في أنّ العظمة على مستوى الأداء لن تكون ممكنة في غياب تميّز على مستوى موظّفين الشركة وثقافتها، علماً بأنّ العكس صحيح، حيث أنّ أكثر ما يربط الموظفين المتميّزين والثقافة العظيمة هي المؤسسة المعروفة بأدائها العالي، على الرغم من حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أنّه عندما تكون الشركة في أولى مراحلها – في غياب أيّ تميّز على مستوى الأداء والأرقام – يكون فريق العمل، وغاية الشركة وثقافتها أكثر ما يميّزها.

بعد نحو عقدين من عملي على إطلاق بعض من شركاتي وتطويرها وتشغيلها، لتتكبد فشلاً ذريعاً أحياناً وتحقّق أيضاً نجاحاً مبهراً، تنبّهتُ إلى بعض المبادئ الهامة لبناء ثقافة قابلة للاستدامة وتوسيعها ضمن نطاق يتخطّى مجموعة من المؤسسين، لتتحوّل إلى مؤسسة قابلة للاستدامة.

إبدأ بالغاية. لقد تعلّمتُ أهمّية الغاية من شريكي ماتس ليديرهاوسن، الذي حقق سلسلة من النجاحات العظيمة على صعيدي الأعمال وبناء الثقافة، بصفته رئيس مجلس الإدارة السابق لشركة “شيبوتل”، ورئيس مجلس إدارة شركة “روتي”، وشريك تأسيس مجموعة “ريد بوكس”. وثمّة موضوع شائع تنبّه إليه، هو ضرورة أن يفهم المرء أوّلا “غاية” الشركة من الداخل إلى الخارج، مع الإشارة إلى أنّها مسألة على صلة بالمهمة، وليس بالتسويق، وإلى أنّ الشركات التي توجّهها غاية قويّة هي تلك التي نحبها أكثر من غيرها لأنّها تمنحنا شعوراً مختلفاً – ومن بينها “شيبوتل”، و”بريت أ مانجيه”، و”إيكيا”، و”كونتينر ستور” و”آبل”، وغيرها الكثير. وبغضّ النظر عما إذا كانت تحاول تقديم مأكولات أفضل، أو تعميم تصميم رائع، تبقى الغاية التي تدافع عنها كلّ علامة تجاريّة واضحة.

حدّد لغة وقيم ومعايير مشتركة. وكان تسون-يان هسيه مرشداً عظيماً بالنسبة إليّ، وأحد أهمّ القياديّين في مجموعة “ماكنزي”. وعلى مرّ ثلاثين عاماً، عمل على تحديد معالم قسم كبير من برنامج تطوير الأشخاص فيها، وعلّمني عن إطار العمل القائم على “القيم المشتركة والمعايير المشتركة”. والواقع أن الثقافات العظيمة تحتاج إلى لغة مشتركة، تسمح للناس بالتفاهم الفعليّ. وعلى سبيل المثال، إن كان الإرشاد يُعتَبر من القيم المعلن عنها في شركتك، عليك أن تحدّد كيفيّة تعريفه وقياسه. فهل سيعني ذلك أنك تتوقّع من الموظّفين اتّباع مسار ترقية معيّناً وجدولاً زمنيّا مهنيّاً محدّداً؟ هل يعني أنّك ستنظّم عمليّات تقييم داخليّة متعدّدة المصادر، وتعطي علامات تقييميّة لعمليّة الإرشاد، وتربطها بالعلاوات التي يحصل عليها الموظّفون؟ أم أنّك ستذهب إلى مدى أبعد، ولا ترقّي إلا الموظّفين الذين يعملون على تطوير الآخرين؟ وحده إرساء لغة مشتركة، وقيم مشتركة ومعايير مشتركة هو الأمر الوحيد سيمنحك ثقافة متماسكة.

مارس القيادة عبر إعطاء المثال الصالح للآخرين. غالباً ما يعكس القادة قيم الشركة ومعاييرها. وبالتالي، من الضروريّ أن يكونوا أقوى الممثّلين لثقافة الشركة وغايتها، وألا يكتفوا بصياغة بيان المهمّة وحفظه، بل أن ينشروه داخليّاً ويجسّدوا مثالاً عن الأمور التي تدافع عنها الشركة. فهل يشعر الناس أنّ ريتشارد برانسون يعتمد أسلوب حياة “فيرجن” الحماسيّ المرح، عندما يدخل إلى مكان أو يرفّه عن الآخرين على جزيرته بأسلوب ملؤه المجازفة؟ …(Continued on next page)

هل يشك الناس في أن جون ماكي من مجموعة “هول فودز” يتعامل مع الطعام بإدراك أكبر حيال نوعيّة المواد الغذائيّة ومصدرها؟ يعتمد قادة من هذا النوع سلوكيّات ثقافيّة محدّدة، بمعنى أنّ كيفية قيمهم بالأمور تشكّل مصدر إلهام للآخرين.

تقبّل سفراء ثقافة شركتك العاملين في الخط الأمامي. في كلّ مؤسسة عملت معها موظّفون هم بمثابة الأبطال غير المعلنين للعلامة التجاريّة والثقافة المعتمدَتين في الشركة، علماً بأنّهم أشخاص يحبّون الشركة وغايتها الأساسيّة، فضلاً عن كونهم أفضل المروّجين لثقافتها. وعندما يخبرون أصدقاءهم وعائلتهم بالمكان الذي يعملون فيه، لا يتحدّثون عن مكان عمل، بل عن قصّة عمل، وينبع كلامهم من القلب. وأنت ستعرفهم إن نظرت إليهم. ولكن مع نمو الشركات، يتطلّب رصدهم بعض المجهود. فهل تعرف من هم هؤلاء الأشخاص؟ هل كافأتهم وشكرتهم؟ في وقت يتزايد فيه تعهيد المهام، على غرار خدمة العملاء أو أتمتة إجراءات تسجيل الخروج، قد نرى ميزة تنافسيّة فعليّة في دور سفراء ثقافة الشركة الواقفين في الصفوف الأماميّة.

ابحث وتكلّم وتصرّف بمصداقيّة. يعتري الإدراك الذاتي والبحث عن الحقيقة أهمية كبرى، ووجودهما ضروريّ على لائحة قيم كلّ الشركات، علماً بأنّ هذه الميزات على صلة بامتلاك القدرة على توخّي الصدق المطلق بشأن مواطن قوّتك وضعفك وتوجّهاتك. وفي الثقافة صادقة، لا يقتصر هذا الصدق على الفريق القيادي، بل يجب أن يشمل كلّ موظّف. وعندما يكون الفشل مصير إحدى الثقافات، قلّما ننجح في إيجاد حلّ سريع لمعالجة أسباب الفشل الرئيسيّة. وفي أوقات كهذه، سيتمنى الموظّفون أن يتمّ ترميم ثقافة شركتهم بكبسة زر. بيد أنّ بناء الثقافات وتطويرها وتحويلها يتطلّب للأسف وقتاً وعملاً دؤوباً.

كن متطلّباً حيال رأس مالك البشري – ومن ثمّ عامله بالشكل الصحيح. نعتمد في شركتنا شعاراً يفيد بأنّ المسألة في النهاية هي دوماً مسألة أشخاص وطباع. وبالتالي، وعند استقدام موظّفين، فليكن الوقت الذي تكرّسهم لدراسة طباعهم أطول من ذاك الذي توليه للتحقّق من مهاراتهم، وذلك لأنّ المهارات قابلة للتعليم. أمّا إرساء سلوك وطابع محدّدين، فمسألة أصعب بكثير. وكانت شركة “شاوث وست” أوّل من أطلق هذه الممارسة المعروفة باسم “التوظيف استناداً إلى السلوك والتدريب على المهارات”، منذ نحو 40 عاماً، ما يساعد على شرح سيرتها كشركة عظيمة توجّهها غاية محدّدة. ويُعتبر التنازل والقبول بمواهب جيّدة، ولكن ليس بالضرورة ممتازة، لا سيما في الوظائف المحورية، هو خير وصفة لإرساء ثقافتك الخاصة بسرعة وضمان الأداء الجيّد على المدى الطويل في الشركة. وبعد انتهائك من توظيف الأشخاص المناسبين المناسبين، لا تنسَ أن تعاملهم بالشكل الصحيح. وقد اكتشفتُ شخصيّاً أنّ ما يهم أكثر من المكافآت الثانويّة – كالتعويض والمنصب – هو تشجيع الموظفين وتطويرهم ليعملوا بكامل قدراتهم.

في الشركات، غالباً ما نسلّط الضوء على “ماهيّة” الأعمال، ونغضّ النظر عن “كيفيّة” و”سبب” القيام بها، مع أنّ “الكيفيّة” و”السبب” هما أهمّ عنصر مكوّن لروح الشركة وطابعها – أي ما يشعر به الموظّفون عندما يأتون إلى العمل، وما يشعر به الزبائن عندما يتعاملون معك. وإن حالفك الحظ بما فيه الكفاية لاختيار الثقافة المناسبة، قم بكل ما يلزم للحفاظ عليها وتوسيع نطاقها، وبالتالي، لن تكتفي بتطوير شركة ناجحة، بل ستنجح أيضاً في بناء شركة ستصمد لوقت طويل بعد رحيلك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz