لقد بتنا جميعاً في هذه الأيام ندرك بأنّ الذكاء العاطفي هو أمر مهم في مكان العمل. ومع ذلك، فإنّ هناك جانبان للعواطف يصعّبان على الناس ممارسة ذكائهم العاطفي. الجانب الأول هو أنّ معظم الناس لازالوا يفتقرون إلى فهم المعنى الحقيقي والواضح للعواطف. ثانياً، حتى عندما نفهم عواطفنا من حيث المبدأ، فقد يكون من الصعب علينا مع ذلك أن نتعامل مع الحالات العاطفية التي تنتابنا.

وبغية التعامل مع المشكلة الأولى، فإننا نقول بأنّ العواطف هي ترجمة للمشاعر. ورغم أننا في أحاديثنا اليومية نستخدم كلمتي "عواطف" و"مشاعر" وكأنّهما يعنيان شيئاً واحداً، إلا أنّ علماء النفس يميّزون بين هذه المفهومين.

إنّ المشاعر التي تنتابك تنبثق من نظام التحفيز الموجود لديك. فأنت تشعر بشعور جيّد عندما تنجح في تحقيق أهدافك، وعلى العكس من ذلك سيكون شعورك سيئاً عندما لا تفلح في تحقيق هذه الأهداف. وكلّما كان نظام التحفيز لديك أعمق تفاعلاً مع الوضع، كلّما كانت مشاعرك أقوى.

لكنّ نظام التحفيز لديك غير مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناطق الدماغية التي تساعدك في أن تروي قصصاً عن العالم. فلكي تفهم المشاعر التي تنتابك، فإنّك تستعمل المعلومات المتعلقة بما هو حاصل في العالم لتساعدك في ترجمة هذه المشاعر إلى عواطف، وتحديداً إلى عواطف تساعد في توجيه تصرفاتك من خلال تزويدك بمعلومات صريحة حول مدى تحقيقك حالياً لأهدافك التي يعمل نظام التحفيز لديك على التفاعل معها.

في غالب الأحيان، تكون عملية ترجمة هذه المشاعر إلى عواطف عمليةً سهلة. فإذا كنت تَعبرُ الشارع، وفجأة تعيّن عليك أن تقفز لتبتعد عن طريق السيارة القادمة إليك، فمن الواضح بأن الشعور السلبي القوي الذي ينتابك هو الخوف من أنّ سيّارة كانت على وشك أن تصدمك. وإذا ما أثنى أحد زملائك على عمل أنجزته على أحسن وجه، فمن الواضح بأنّ الشعور الإيجابي الذي ينتابك في تلك الحالة هو الفخر.

لكنّ الأمور لا تكون واضحة دائماً. فقد تتشاجر مع أحد أفراد عائلتك في الصباح قبل ذهابك إلى العمل. ومع مرور ساعات النهار، قد تفسّر المشاعر السلبية الموجودة لديك بوصفها إحباطاً من المشروع الذي تعمل عليه في مكتبك، عوضاً عن رؤيتها كمشاعر سلبية لا تزال تخيّم عليك جرّاء ما حصل لك في الصباح.

يحاول الكثير من الناس مواجهة المشاعر السلبية التي تنتابهم عوضاً عن محاولة فهمها. لكنّ ذلك يشكّل فرصة ضائعة. فالعواطف التي نحسّ بها توفّر لنا معلومات قيّمة حول وضع نظامنا التحفيزي. وتجاهلها يجعلنا مثل السائق التائه في الطرقات، والذي لا يرفض فقط أن يسأل الناس عن الطريق الأنسب الذي يجب أن يسلكه، وإنما الذي يرفض أيضاً النظر إلى الخارطة أو استعمال النظام الإلكتروني لتحديد المواقع (GPS)، أو حتى النظر عبر الزجاج الأمامي للسيارة. فأنت ستظل سائراً إلى الأمام، لكنّ الله وحده يعلم أين سينتهي بك المطاف. وعلى العكس من ذلك، فإنّ إيلاء اهتمام زائد عن اللزوم لمشاعرك هو أمر سيء أيضاً. فهو يشبه التحديق في أطلس لخرائط الطرقات دون تشغيل محرّك السيارة أبداً، وأنت بهذه الطريقة لن تصل إلى أيّ مكان.

عندما تنتابك مشاعر سلبية، حاول أن تهدئ من روعك، وأن تنتبه نوعاً ما إلى تلك المشاعر التي تحسّ بها، لأنّ ذلك سيساعدك في فهم الأسباب التي تجعلك تحسّ بذلك الشعور.

عندما تجد نفسك في حالة من التوتّر أو القلق أو الغضب، خذ 5 دقائق أو 10 دقائق لتختلي خلالها بنفسك ضمن النهار. اجلس مع ذاتك وتنفّس بعمق، لأن الأنفاس العميقة ستساعدك في تخليص المشاعر التي تنتابك من بعض طاقتها أو حالة الإثارة فيها. وهذا الأمر يمكن أن يساعدك في التفكير بوضوح أكبر.

بعد ذلك، حاول أن تبدأ بالتفكير ببعض الأحداث التي حصلت لك ذلك اليوم. وانتبه إلى تأثير تلك الأفكار على مشاعرك. هل هناك أحداث محدّدة تزيد من كثافة هذه المشاعر أو تقلل من كثافتها؟

قد لا تكون قادراً على فهم منبع مشاعرك فهماً كاملاً من المرّة الأولى التي تقوم بها بهذا الإجراء. ولكن مع مرور الوقت، ستصبح أقدر على الانتباه إلى اللحظات والأماكن التي تبدأ فيها بالشعور بإحساس سيء.

بطبيعة الحال، عندما تكتشف السبب الكامن وراء حالة الإزعاج التي تنتابك، فهذا هو الوقت المناسب لتحدّد الإجراء الأنسب للتعامل مع هذا الوضع. فإذا واصلت التفكير في الأشياء التي تزعجك، فإنّك قد تكون معرّضاً لخطر عدم حل أي مشكلة بل ومفاقمة حالة الإزعاج التي تنتابك. وإنّما عوضاً عن ذلك، عليك بالاستفادة من معرفتك بمنبع المشاعر السلبية لديك لتحدّد كيفية التعامل معها.

أخيراً، إذا كنت مزعوجاً فعلاً من شيء ما، أجّل تنفيذ خطتك عملياً حتى تكون قد منحت نفسك الفرصة للتهدئة من روعك. فالردود والاستجابات التي تكون قد بدت بوصفها ربّما فكرة جيّدة لحظة الغضب، قد تصبح فكرة غير جيّدة عندما تكون أعصابك هادئة.

إنّ استعدادك لفهم مشاعرك سيمنحك فائدتين على المدى البعيد.

أولاً، هذا الأمر سوف يساعدك في اكتشاف بعض جوانب حياتك التي تسبّب لك مشاعر سلبية. وذلك شيء مفيد لأنّك لا تريد أن تخطئ في تفسير مشاعرك السلبية ولا تريد نسبتها إلى مسبب غير صحيح. فعلى سبيل المثال، أنت بالتأكيد ترغب في أن تكون في وضع يسمح لك بأن تعرف متى ينتقل تأثير الأحداث الحاصلة في حياتك الشخصية إلى عملك أو متى تتسبّب لك تلك الأحداث الشخصية بمشاعر سلبية تجاه العمل الذي تقوم به.

ثانياً، عندما تفهم منابع عواطفك، فإنّك سوف تصبح أخبر في فهم الناس المحيطين بك فهماً صحيحاً. فنحن غالباً ما نتجاهل مشاعرنا، ومن ثمّ نتجاهل أيضاً مشاعر زملائنا.

عندما تصبح أقدر على فهم طبيعة عواطفك التي تشعر بها، ومنبع عواطفك تلك، فإنّك ستكون أقدر على ممارسة الذكاء العاطفي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

2 تعليقات على "ليس بوسعك التحكّم بعواطفك إذا لم تكن تدرك طبيعتها الحقيقية"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Raid.sameea
زائر
Raid.sameea
2 سنوات 5 شهور منذ

مقال جيد جدا
يحتاج الى أمثلة اكثر وان تكون واقعية.

Salmanabdulbari
زائر
Salmanabdulbari
2 سنوات 5 شهور منذ

الامثله تحتاج تكون واقعيه

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!