قد يبدو من الغريب استعمال عالم أبعد ما يكون عن المثالية كنموذج لمكان عمل مكتبي، ولكن هذا ما فعله سيتي بنك بالضبط.

فقد كانت سوزان كاتالانو، العضو المنتدب وكبيرة مسؤولي الموارد البشرية في البنك، تقرأ المسلسل الشهير (Divergent) – وهو مسلسل تدور أحداثه في المستقبل؛ وينقسم فيه المجتمع إلى خمس جماعات منفصلة؛ لكل منها قيمه الخاصة به – وفي تلك الفترة بالضبط، كان قد طلب منها أن تساعد في وضع مخطط لطابق مفتوح ليكون مكان العمل الجديد لمجموعة الموارد البشرية. وقد أثّرت قراءتها لهذا الكتاب في المنتج النهائي، حيث تقول سوزان: “لقد أنشأنا ما نسمّيه “الأحياء” – مثل الحي الخاص بالتعويض، والحي الخاص بالتعلّم، والحي الخاص بالتطوير، وإلى ما هنالك، وكانت الغاية هي مساعدة الأفراد على أن يشعروا بأنهم “يمتلكون” مكانهم، رغم أن أحداً منهم لم يكن لديه مكان عمل مخصّص له، ولم يحصل أحد على مكتب مغلق خاص به لوحده.”

هذا التحرّك الخاص بمكان العمل كان تجربة جاءت ضمن مبادرة تسمّى (CitiWorks) وتهدف إلى إضفاء أكبر قدر من المثالية على مكان العمل. وقد كانت الغاية منها التصدّي لمشكلتين اثنتين: الأولى هي أن الموظفين كانوا مشتتين في مكاتب مختلفة، الأمر الذي ولّد شعوراً مشتتاً. أمّا المشكلة الثانية فقد كانت تتعلّق بدراسة أظهرت بأن بعض المكاتب، كما هو الحال في معظم أماكن العمل الأخرى، لم تكن مستغلّة بطاقتها القصوى، بسبب سفر بعض الموظفين، أو عطلاتهم السنوية، أو مرضهم، أو ترتيبات العملة الميسّرة لبعض الموظفين.

والنتيجة النهائية بالنسبة لفريق الموارد البشرية كانت مكاناً أكثر تكاملاً في مدينة لونغ آيلند – طابق يطل بأكمله على مدينة نيويورك. وقد شمل محيط المكان صفوفاً من مكاتب العمل، والتي يضم كل منها كمبيوتراً بشاشتين كبيرتين. أّما في وسط المكان فقد كانت هناك غرف مؤتمرات أكبر حجماً، وغرف اجتماعات أصغر حجماً، وأماكن خاصّة للأعمال التي تتطلب تركيزاً شديداً. وقد انتشرت في أرجاء الطابق أماكن جلوس مريحة، إضافة إلى أماكن بوسع الناس الالتقاء فيها أو تناول طعام الغداء معاً.

يهدف التصميم إلى أن لا يكون لدى أي موظف مكتب خاص به وحده، وهناك 150 مكاناً فقط ليستخدمها 200 شخص. والموظفون لديهم خزائن خاصّة يمكنهم أن يضعوا فيها مقتنياتهم الشخصية، ومن ثم يقرّرون في الصباح أين يريدون أن يعملوا. ويوجد على كل طاولة مناديل معقمة بحيث تظل أماكن العمل المشتركة نظيفة طوال الوقت. والمكان برمّته “أخضر” (أي صديق للبيئة) إذ تبرمج ظلال النوافذ، والإنارة، ودرجة الحرارة بحيث تتجاوب للاستخدام والظروف، مثل كمية نور الشمس الداخلة إلى المكان.

واحد من أهم المكاسب التي يحققها الفضاء الأكثر انفتاحاً هذا هو الابتكار. فالموظفون يتحدّثون إلى أشخاص آخرين ربما لم يكونوا قد عرفوهم من قبل، ونتيجة لذلك، ربما قد يطرحون أفكاراً جديدة. وتشمل الأفكار الأخرى قدراً أكبر من المتعة والروح الرفاقية. كما أن عدد الأشخاص الذين يتناولون طعام الغداء معاً بات أكبر، عوضاً عن أن يتناول كل منهم طعامه بمفرده على مكتبه. كما أن هذه المساحة الطابقية الأصغر وفّرت ملايين الدولارات من موازنة قسم الموارد البشرية في سيتي بنك.

وفيما يلي بعض العبر والدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة سيتي هذه:

• استعمال التكنولوجيا التي تدعم المكان: فمن بين أهم المزايا استعمال آلة للتقليل من الضجيج في المكان فهي تمتص الضجيج بحيث تجعل مكان العمل هادئاً بما يكفي لمساعدة الناس على التركيز في عملهم.

• إيجاد معايير جديدة: فكاتالانوا وفريق مبادرة (CitiWorks) يعملون حالياً على وضع دليل يبيّن المبادئ التوجيهية لكيفية العمل بطريقة فضلى ضمن المكان الجديد. وفي الوقت ذاته، هم يعلمون أن هذا الدليل سيتطوّر ويتغيّر مع اعتياد الناس على المكان.

• السماح للموظفين بإضفاء طابعهم الشخصي على الأمور.

• التأكيد على حل المشاكل. فعندما تظهر بعض القضايا، فإن كاتالانو تؤكّد على أن الجميع، وليس القادة فقط، معنيون في التصدّي لهذه القضايا أو حالات الخلل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!