تابعنا على لينكد إن

على مر التاريخ، عمل غالبية البشر لأن العمل كان لزاماً عليهم. ومع أنّ الكثيرين وجدوا راحة وقيمة ومعنى في ما بذلوه من جهد، إلا أنّ البعض الآخر كان يعرّف العمل على أنه ضرورة يجب تفاديها قدر المستطاع. ولقرون عديدة، كانت نخب المجتمعات من أوروبا وحتى آسيا تطمح إلى التحرر من العمل مقابل أجر. وعرّف أرسطو “الرجل الذي يعيش بحرية” أنه ذروة الوجود الإنساني، لأنه شخص تحرر من القلق بشأن أي ضرورة من ضرورات الحياة ولديه وكالة شخصية شبه كاملة. (ومن الواضح أنه لم يكن يرى في التجار الأثرياء أحراراً لأن عقولهم مشغولة بالاستحواذ على الثروة).

يثير صعود نجم الذكاء الاصطناعي والأتمتة أسئلة جديدة عن دور العمل في حياتنا. صحيح أنّ تركيز معظمنا سيظل منصباً لعقود مقبلة على أنشطة ذات إنتاج مادي أو مالي، لكن مع قيام التقنية بتوفير الخدمات والسلع بتكلفة أقل من أي وقت مضى، سيجد البشر أنفسهم مضطرين إلى استكشاف أدوار جديدة لهم، ولا ترتبط بالطريقة التي ننظر بها إلى العمل اليوم.

يقول الاقتصادي براين آرثر أنّ جزءاً من التحدي “لن يكون اقتصادياً ولكنه سيكون سياسياً”، حول كيف ستوزَّع غنائم التقنية؟ حيث يشير آرثر إلى الاضطراب السياسي الحاصل اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا، ويُرجع ذلك في جزء منه إلى الهوّة بين النخب وبقية المجتمع. لكن المجتمعات ستكتشف في وقت لاحق من هذا القرن كيف توزع العائدات الإنتاجية للتقنية، وذلك لسببين رئيسيين: أولاً، لأن التوزيع سيصبح أسهل، ثانياً، لأنه يتوجب عليها ذلك. فمع مرور الزمن، سوف تساعد التقنية على إنتاج المزيد بتضحيات أقل. كما أنّ التاريخ يشير في الوقت نفسه إلى أنّ تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة جداً يؤدي إلى ضغوط اجتماعية ستتم معالجتها إما من خلال السياسة أو العنف أو كليهما.

لكن هذا يثير تحدياً ثانياً أصعب: فبينما تصبح فوائد التقنية متوفرة على نطاق أوسع (من خلال الإصلاح أو الثورة)، سوف يواجه المزيد منا التساؤل التالي: إن كان بوسع التقنية فعل أي شيء تقريباً، ما الذي أفعله أنا، ولماذا؟

منذ الثورة الصناعية تحديداً، نقلت التقنية جزءاً متزايداً من البشرية بعيداً عن إنتاج أساسيات الحياة. وفي حين لا يزال الكثير من الناس عالقين في كفاح يومي من أجل البقاء، فإنّ نسبة أقل من البشر مثقلة بهذا بالعبء. وبينما تصبح نظم الذكاء الاصطناعي والأنظمة الروبوتية أكثر قدرة والتزاماً، ستتزايد قدرة عجلة العمل على التحرك من دون تدخل منا، وهي ما يحقق ما وصفها جون ماينارد كينز في كتاب “إمكانيات اقتصادية لأحفادنا” (Economic Possibilities for our Grandchildren) على أنها بطالة تقنية، تحل فيها التقنية محل العمل البشري بوتيرة أسرع من اكتشافنا وظائف جديدة. وتنبأ كينز أن تكون هذه “مرحلة مؤقتة من سوء التكيف”، وأنّ البشرية قد تتغلب في غضون قرن من الزمن على التحدي الاقتصادي الأساسي الذي تواجهه وستتحرر من الحاجة البيولوجية للعمل.

تُعتبر هذه الرؤية رؤية مفعمة بالأمل، ولكنها أيضاً طريق متعرجة ومحفوفة بالمخاطر. وحذّر كينز من أنه “إذا ما حُلت المشكلة الاقتصادية فسوف تُحرم البشرية من هدفها التقليدي”، بيد أنني أعتقد أنه لا يوجد بلد ولا شعب إلا ويتطلع إلى عصر الطمأنينة والبحبوحة بقلق.

تساءل كينز بارتياب: أين سيضع الناس اهتماماتهم ومصالحهم ومخاوفهم عندما يتحررون من كسب العيش؟ فبينما نتحرر من السعي التقليدي وراء لقمة العيش، كيف نتجنب مستقبلاً عدمياً كذلك الذي وصفه الكاتب ألدوس هكسلي؟ كيف سنعرّف إحساسنا بالهدف والمعنى والقيمة؟

يمكننا البحث في هذا السؤال بالنظر في عمل الفيلسوفة والمؤرخة والصحافية هانا أرندت التي صممت في الخمسينيات إطاراً بعيد المدى لفهم كل النشاط البشري. في كتابها “الحالة الإنسانية” (The Human Condition)، وهو عمل جميل وصعب وعميق، وتصف أرندت ثلاثة مستويات مما تعرّفه باسم  “فيتا أكتيفا” (Vita Activa) اقتباساً عن الإغريق.

يولد العمل حاجات ضرورية للإنتاج، تماماً كما يولّد الغذاء حاجات ضرورية للتفاعل في جسم الإنسان كي يستفيد الأخير من الغذاء نفسه، وبالتالي، فإنّ العمل يخلق الأدوات المادية والبنى التحتية اللازمة، والتي غالباً ما تدوم أكثر منا نحن البشر، مثل المنازل والبضائع وحتى الأعمال الفنية. أما الفعل  فيشتمل على أنشطة تفاعلية وتواصلية بين البشر (المحيط العام) وبه نستكشف ونؤكد تميزنا كبشر ونسعى للخلود.

على مدى المئة عام المقبلة، سوف تزيد سيطرة الذكاء الاصطناعي والأنظمة الروبوتية على العمل، منتجة الضروريات والأدوات المادية للحياة البشرية، فتمكّن المزيد منا من الارتقاء (قدمت أرندت الارتقاء بمعنى أنه الحكم على القيمة من منطلق النوعية) إلى دنيا الفعل. وبطبيعة الحال، قد ينخرط بعض الناس في العمل أو الشغل اختياراً، ولكن الاختيار سيكون هو الميزة الفارقة.

كان معظم الفلاسفة اليونانيين القدماء قد أعطوا الأولوية للتأمل على حساب الفعل، باعتباره قمة المسعى الإنساني. واشتبكت أرندت مع هذا المفهوم، قائلة بأنّ الأفضلية يجب أن تكون للفعل. ويبدو أنّ الثقافة المعاصرة توافقها في ذلك. ففي نهاية المطاف، الفعل والتأمل يؤديان وظيفتهما بشكل أفضل عندما يكونان متحالفين. ونحن لدينا الفرصة (وربما المسؤولية) لتحويل فضولنا وطبائعنا الاجتماعية إلى فعل وتأمل.

سنواجه تعديلات جذرية على “فيتا أكتيفا” خلال العقود القادمة بينما يتساءل كل واحد منا عما عليه القيام به ولماذا. نأمل أن يكون لدى أحفادنا الحرية الكافية للانخراط في حياة من التفاعل والاستكشاف أو الانضمام إلى حياة البستنة أو الطبخ. وإن كنا محظوظين، سيكون هذا اختياراً أكثر من كونه ضرورة.

افتتحت أرندت كتاب “الحالة الإنسانية” بتحذير من “مجتمع من العمال على وشك التحرر من أغلال العمل”. أي خطر في هذا؟ الخطر هو أنّ “هذا المجتمع لم يعد يعرف تلك الأنشطة الأخرى الأرقى والأكثر معنى والتي من أجلها يستحق الفوز بالحرية”. كما ركزت أرندت بشكل خاص هذا التحدي على الأيديولوجية الشيوعية التي تمجد العمل. وهو ما يمكن أن ينسحب علينا أيضاً.

عندما تحررنا آلاتنا من عدد من المهام أكبر من أي وقت مضى، إلى أين سوف نوجه انتباهنا؟ سيكون هذا هو السؤال الذي يحدد قرننا المقبل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz