يُعَدُّ التفاوض أمراً ضرورياً ومرغوباً به لدى العديد من الثقافات التجارية. وفي الثقافة العربية يقضي معظم تجار الأسواق التقليدية في المدن العربية، وقتاً طويلاً في مجادلة الزبائن إلى أن يصلوا إلى سعر يرضي الطرفين. إلا أن الحياة بشكل عام مليئة بحالات تقتضي التفاوض والأخذ والرد، من أجل الوصول إلى اتفاق ينظر إليه الطرفان على أنه يستجيب لمصالحهما في آن معاً.

وعادة ما يكون هذا النوع من التفاوض فطرياً وتقليدياً واجتماعياً، إلاّ أنه غير كافٍ للتعامل مع متطلبات حياة الأعمال المعقدة ومقتضيات البيع الحديثة.

وهناك الكثير من الأبحاث التي تناولت موضوع التفاوض ومهاراته، مستمدة مفاهيمها من علم النفس الاجتماعي، ونظرية الأدوار، والعلاقات الدولية، ومفاهيم العرض والطلب الاقتصادية، والدراسات الثقافية.

ويتعين على رائد الأعمال أن يتعرف على تلك الأبحاث ويستلهم المفاهيم والمهارات التي تعرضها وتجريبها ثم العمل بها بشكل منتظم، لاسيما في حالات التفاوض مع المجتمعات الغربية. إذ لابد لرائد الأعمال أن يمنع قيم الثقافة العربية التقليدية المترسخة لديه من أن تحول دون استعماله لأحدث الوسائل التفاوضية بغية الحصول على أحسن صفقة ممكنة.

ويمكن تلخيص مهارات التفاوض في مجموعة من المقاربات، التي أثبتت الأبحاث أنها أساسية في كل الحالات التي تقتضي نوعاً من التفاوض.

وتختلف هذه المقاربات تبعاً لنوعية التفاوض، كأن يخص دعاوى قضائية، أو صفقات تجارية، أو قضايا حماية الملكية الفكرية، أو مشاريع استثمارية، أو قضايا سياسية، أو قضايا تهم نزاعات مسلحة، أم غير مسلحة.

فهم عملية التفاوض

وسنركز اهتمامنا هنا على القضايا ذات الطبيعة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وتلك المتعلقة بالملكية الفكرية والصناعية. قد تبدو أنها مهارات بسيطة بالنسبة لرائد الأعمال العربي، لكنها ليست كذلك على الإطلاق. وعامة لايدرك رائد الأعمال قيمتها ومدى أهميتها إلا عندما يجد نفسه في حالات تفاوضية تقتضي منه انتباها أقوى لقضايا نفسية واقتصادية وتواصلية وثقافية في آن واحد، بما في ذلك لحظة الاتفاق والمصافحة.

لذا، لا بدّ لرائد الإعمال أن يعرف ما الذي يستحق أن يتفاوض عليه، فليست كل الأشياء تتطلب أخذاً ورداً وتقديماً لعروض وعروض مضادة. فإذا كنت تعرف تماماً ما تريد، وما الذي يناسب مصلحتك وأهدافك، يصبح من السهل جداً أن تعرف ما الذي يرضيك من جهة، وما الذي يتطلب عملية تفاوض من جهة أخرى.

كما يتعين على رائد الإعمال أن يفهم أن عملية التفاوض تحدث عندما يكون كلا الطرفين يرغبان في التوصل إلى حل. فإن كان الطرف الآخر غير مكترث أو غير مبال أو لا يهمه إن بقي الوضع على ما هو عليه أم لا، فإن عملية التفاوض ليس لها قيمة.

أما عندما يكون الأمر يقتضي التفاوض فعلى رائد الإعمال إذاً أن يبدأ بتحضير عناصر التفاوض، تلك التي لانعطيها –في الوطن العربي- أي اهتمام ونتركها تتطور لوحدها، وهذا خطأ فادح.

لا تترك أي شيء للحظ. فكر في كل شيء وحضر كل شيء

يركز فيشر ويوري في كتابهما "الوصول إلى قول نعم: كيف تتفاوض من أجل اتفاق دون الاستسلام" على أهمية التفكير والتخطيط لما يسمياه بأحسن بديل لاتفاق غير متفاوض عليه. وعليه، يتعين عليك أن تسأل نفسك - في حال لم تتوصل إلى اتفاق مع الطرف الآخر - مالذي يرضيك؟ وماهي أفضل البدائل المتاحة؟. فعليك أن تفكر في هذا الأمر وتكتبه بشكل واضح لأنه سيساعدك كثيرا في عملية التفاوض، حيث يفتح لك خيار عدم الاستمرار في التفاوض إن بدا لك الموقفان متباعدان إلى حدٍ كبير.

كذلك، لابد أن تضع حداً أدنى لا يمكن تجاوزه والذي دونه لا يكون الاتفاق مرضياً. وغالباً لايُعلن المفاوضون عن طبيعة هذا الخط غير القابل للتجاوز، لأن ما يفكرون به من مكاسب تتعدى مستوى هذا الخط. لكن ومن خلال النقاش يبدأ هذا الخط بالظهور، لذا عليك أن تعرف جيداً ماهو الحد الذي لاتستطيع تجاوزه.

حدد هدفك من التفاوض وحاول التعرف على هدف الطرف الآخر

كما ينبغي عليك التفكير فيما ما تتطلع إليه، وهو ما تسميه مارغريت نيل في كتابها "الحصول على (أكثر) مما تريد: كيف تساعدك أسرار الاقتصاد والسيكولوجيا على التفاوض حول كل شيء في الأعمال والحياة" بالطموح. حدد ما هو طموحك أو ما تريد الوصول إليه؟ وما هو الهدف الذي تتفاوض من أجله؟.

معرفتك لذاتك وتطلعاتك أمر ضروري، لكنه غير كافٍ للقيام بعملية تفاوض ناجحة. إذ أن احتياجات الطرف الآخر ومصالحه وتطلعاته وأسلوبه في التفاوض، أمر لايقل أهمية عن سابقه بالنسبة للمفاوض الناجح. كما عليك أن تجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات عن الطرف الآخر لأنها تساعدك في فهم موقفه وتقربك أكثر من فهم الحد الأدنى الذي ينطلق منه. كذلك لا تنسى المعلومات المتعلقة بقضايا متماثلة، فضلاً عن أي معلومة ترتبط بالنسق الذي تطورت فيه القضية المتفاوض بشأنها.

ويشير كولب وبورتر في كتابيهما "التفاوض في العمل : حوِّل الانتصارات الصغيرة إلى أرباح كبيرة"إلى أهمية المعلومات كعناصر مساعدة لتوضيح هدفك من التفاوض وتحديد طموحات عالية بما فيه الكفاية، كما أنها تمدك بمزيد من الثقة عند التفاوض.

أساليب التفاوض الفعّال 

تختلف استراتيجيات التفاوض من وضع لآخر؛ ويميل المحامون في الدعاوى القضائية نحو مقاربة تنافسية وأسلوب غير تعاوني على العموم. لذا عندما يتفاوض رائد الأعمال على هامش دعوى قضائية، لابد من أن يتوخى الحذر، وألّا يفصح عن جميع ما لديه من المعلومات. كما يؤكد خبراء نظرية لعب الأدوار (Game Theory) على ضرورة أن يلعب رائد الأعمال الدور المنوط به بذكاء، وألا يقع بسهولة بما يسميه علماء النفس الاجتماعي بفخ "التوطيد النفسي" (anchoring)، ما معناه أن الانسياق وراء طروحات الطرف الآخر، يخلق حاجز أمام طرحك لمقترحات مضادة.

كما تتطلب عقود الاستثمار والقضايا التجارية والصفقات تعاونا حثيثا وفهما أكثر لنهج الطرف الآخر ولأسلوب حل المشاكل. إذ يحبذ الفرقاء الإبقاء على علاقات وطيدة كي يسهل التعامل في المستقبل. لهذا فهم يتبادلون المعلومات، ويتحدثون عن المصالح المتناقضة والحدود الدنيا، كي يتمكنوا من الوصول إلى وضع يُمّكن التجاوب مع قضايا كلا الطرفين.

بناء الثقة بين الأطراف المتفاوضة

يقتضي بناء الثقة بين الأطراف، العمل على عقد صفقات مبنية على مبدأ رابح/رابح لا رابح/خاسر. ويقول رونالد شابيرو في كتابه "كيف تفاوض بحيث يفوزالجميع، وخاصة أنت"، أن مقاربة رابح/خاسر سرعان ما تتغير وتصبح خاسر/خاسر، لأن الاتفاق لا يكون متكافئاً وسرعان ما ينقلب الطرف الخاسر عليه أو يحاول نسفه من الداخل.

وفي هذا السياق، يقول كريس فوس وطال راز في كتابهما "لا تقسم الفرق أبدا، مارس التفاوض و كأن حياتك رهينة به" أن بإمكان المفاوضين الجدد – من أجل كسب الثقة وتخطي العقبات الخفيّة - تعلّم ممارسة التعاطف (empathy) مع الأشخاص الذين يتفاوضون معهم. إذ يعتبر التعاطف من الأمور الأساسية للوصول إلى حل يتفهم مصالح وتوقعات الطرفين.

ويميل البعض إلى تجزئة المفاوضات إلى مكونات صغيرة، ظنا منهم أن ذلك يسهل المهمة، لكن ذلك غير صحيح. حيث تنصح ماركريت نيل باعتماد أسلوب شمولي يسهل مقايضة أجزاء بأجزاء أخرى، وعدم السقوط في مفاوضات عسيرة ومكلفة حول كل جزء على حده.

ويقول كونستانتينو وكير وشارب في دليل ساج للدبلوماسية، أنه "يمكن استخدام التفاوض لمواصلة العلاقات من أجل إحراز مصلحة أو الحيلولة دون تصعيد صراع،  و قد يكون وسيلة لحل أوجه عدم توافق أو تحويلها لعلاقات تعاونية". لذلك فإنَّ المفاوضين الماهرين لا ينجحون فقط في الحصول على أحسن الصفقات ولكنهم يصلون إلى صفقات رابح/رابح ترضي الطرفين معاً. وبهذه الطريقة لا يكسب المفاوض رهان الحصول على أحسن صفقة فحسب، بل إنه ينجح أيضاً في صيانة العلاقة بينه وبين الطرف الآخر، وهو ما يعني حماية إمكانية العمل سوياً والوصول إلى صفقات أخرى في المستقبل.

لَعَلَّ الكثير منا إما يخاف التفاوض أو يظن نفسه مفاوضاً ماهراً. ويظن رائد الأعمال العربي أنه يمتلك فن التفاوض منذ الصغر. إلا أن التفاوض هو فنٌ مبني على مجموعة مهارات وتجارب، يتم اكتسابها من خلال المعرفة الدقيقة بأساليب وحيل التفاوض التي تم تطويرها في جامعات عريقة مثل هارفارد وستنافورد وتكساس وكولومبيا وغيرها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!