تابعنا على لينكد إن

حين نعمل مع الآخرين عن كثب، يكون من السهل أن تنشأ الخلافات والتوترات بسبب الاختلافات الطبيعية بين الناس في طبائعهم وتوقعاتهم. وحين تحدث مثل هذه التوترات سيكون لديك أحد خيارين، الأول هو أن تتحدث عن المشكلة وتلفت الانتباه إليها، والثاني هو أن تصمت وتتجاهل الأمر. العديد منا يعض على لسانه لأننا نخشى إن تحدثنا بصراحة أن نؤثر على علاقات مهمة تربطنا بالآخرين.

لكن الأبحاث تشير إلى أنّ تجاهل هذه المواقف سيزيد الأمر سوءاً، وذلك لأسباب عديدة. ففي حالة التوتر، عادة ما يستجيب الدماغ إما عن طريق المواجهة، أو الهرب، أو الهجوم. وفي أثناء كل من هذه الحالات، يكون هنالك ضمور بنشاط بعض المناطق في الدماغ. وكشفت الأبحاث أنّ محاولة كتم التوتر تجعل ردة فعل الدماغ الدفاعية أكثر عنفاً. ولذا، فإنّك حين تقول لا مشكلة في كل مرة، فإنّ هذا لن يساعد على تحقيق حالة التوازن التي نرجوها.

إنّ تلك المشاعر التي نفترض أننا نخفيها معدية بشكل عجيب. فقد وجد علماء النفس أنّ الإنسان حين يكون عكر المزاج، ينقل التوتر أو الإنزعاج الذي لديه إلى من حوله من الأشخاص خلال خمس دقائق وحسب، حتى لو لم يدر بينهم حديث أو لم يكونوا يعملون سوية. ولهذا، سيلتقط زميلك بلا وعي منه تلك الإشارات السلبية التي تحملها عنه، سواء كنت تلمح وترغب في أن يقرأ أفكارك أو لم تكن راغباً في ذلك.

أما الأخبار الجيدة، فهي أنّ هنالك طريقة سليمة ومضمونة العواقب لمصارحة زميلك بالقضايا الشائكة التي تزعجك، حتى لو ظننت أنّ في الأمر حرجاً بسبب الاختلاف بالمرتبة بينكما. وهذه الطريقة تساعد على أن يتجنّب الطرفان الرد بطريقة دفاعية، وتهيئك لاستخدام لهجة إيجابية أثناء الحوار. وفي ما يلي تفاصيل هذه الطريقة:

الخطوة صفر

ليكن مقصدك تحقيق التعاون. اسأل نفسك قبل البدء بالحوار: “ما شكل العلاقة التي أرغب أن أبقي عليها مع هذا الشخص؟”.

عملت مع مدير في مرحلة مبكرة من مهنتي كان دوماً يعيد كتابة عملي، ويقوم أحياناً بتغيير التركيبات النحوية التي أستخدمها بشكل يجعل فهم الجمل صعباً على القارئ. وكان أسلوبه في إدارة الأمور كفيلاً بأن يجعلني أشعر أنّي مراهق مشاكس. شعرت بضرورة أن أقول شيئاً له. ولو لم أتوقف هنيهة لأفكر بالهدف الذي أرجوه من الحديث معه، لذهبت إليه بهدف غير معلن وهو: “سأحرص على أن يفهم هذا الرجل أنّه يزعجني حد الجنون”. ولبقيت مسكوناً بفكرة “المواجهة”. لكني فكرت لبضع ثوان ووضعت هدفاً جديداً للحوار مع المدير: “حاول أن تكتشف سبب تصرفه بهذا الشكل، وتناقش معه بالطريقة التي تساعدكما على العمل سوية بشكل أكثر فعالية”. ولو افترضنا فعلاً أنّ المشاعر معدية، فإنّ الشعور الذي يرافق هذا الرسالة سيكون له وقع أفضل على الطرف الآخر.

الخطوة 1: اطلب الإذن

لا تشرع بالكلام عن الموضوع بشكل مباشر. ابدأ حديثك مع الطرف الآخر قائلاً: “إنّ علاقة العمل التي تربطنا سوية تعني لي الكثير، وهنالك أمر في ذهني أودّ أن أتحدث معك حوله، هل تأذن بذلك؟”، فإن كان الوقت غير مناسب، يستحسن بك أن تؤجّل الكلام إلى وقت لاحق، أما إن كان الوقت مناسباً، فستكون قد نجحت في التقديم للموضوع ببيان قصدك بالتعاون.

الخطوة 2: قدّم وصفاً “للحقائق المجردة”

وهذا يعني أن تتحدث عن واقعة معينة وتصف الحقائق الأكيدة لديك مجردة من العواطف أو التفسيرات أو التعميمات. بالنسبة للقصة التي جرت معي فقد كان هذا يعني ألا أقول لمديري شيئاً من قبيل: “التعديلات التي قمت بها سخيفة للغاية” أو “أنت لا تعطيني مساحة كافية”. هذه العبارات يمكن الاختلاف حول مدى صحتها، لأنّ بإمكان الطرف المقابل بكل سهولة أن يقول: “هذا ليس صحيحاً”. ولأن مثل هذه التعليقات انتقادية بطبيعتها، فإنّها ستدفع زميلك إلى التفكير بطريقة دفاعية، وهذا يعني أنه لن يستجيب لكلامك بأريحية وسعة صدر. حاول بدل ذلك أن تتكلم بطريقة: “أشعر أنني لاحظت حقيقة”. حاول أن تقتصد وتوجز بالكلام قدر المستطاع، حتّى لو كانت القضية مهمة في رأيك. أذكر مثلاً أنني قلت لمديري: “لاحظت في العرض التقديمي الأخير أنك قمت بإعادة صياغة العناوين في 14 شريحة من الشرائح العشرين، ورأيت أنّ الجمل باتت أطول وأقل وضوحاً”.

الخطوة 3: بيّن للطرف الآخر شعورك حيال ما ذكرته من الحقائق المجردة

كما وضحنا في الخطوة السابقة، وضح له ما يعنيه الأمر بالنسبة لك. لقد وجدت الأبحاث أنّ الإنسان يحد من مستوى التوتر لديه حين يعمل على تحديد مشاعره بشكل دقيق. قلت لمديري: “جعلني ذلك أشك في أنني لا أفهم تماماً ما الذي تريده مني”. ومن المفيد هنا تجنب استخدام اللغة الهجومية. كنت غاضباً حينها، لا شك في ذلك، لكن حين سألت نفسي لأعرف ما هو الخوف الذي يستتر وراء هذا الغضب، أدركت أنه قلقي الحقيقي من أنني لا أقوم بعملي على الوجه المطلوب. ومن الجيد كذلك أن توضح بلهجة صادقة سبب اهتمامك بالأمر، وأنّ تؤكد على أنّ الهدف يتجاوز مجرد الشكوى. ولا يحتاج الأمر كثيراً من التعقيد، فقد قلت لمديري ببساطة: “إنني حريص على القيام بعملي بشكل جيد”.

الخطوة 4: حاول التعرف إلى وجهة النظر الأخرى

حين نستجمع شجاعتنا للخوض في موضوع حساس، ننسى بسهولة أننا لا نملك بالضرورة فهماً كاملاً للقضية، بل يندر أن يدرك المرء الصورة بكل أبعادها، فالإنسان كما يرى العلماء يقع دوماً ضحية ظاهرة تعرف باسم “الانتباه الانتقائي”. فاحرص لذلك على أن تسأل الطرف الآخر عن رأيه في القضية المطروحة، وأظهر اهتماماً حقيقياً بإجابته، حتى لو لم تتفق معها. الهدف من هذا هو أن تقف على دوافع سلوك الطرف الآخر، لعل ذلك يساعدك على حل المشكلة. وفي الحالة التي ذكرتها لك، تبين لي أنّ مديري كان يسعى من خلال تعديلاته إلى إضافة ما دعاه “درجة من الغموض” في مقابل الأسلوب المباشر في كتابتي كما يقول. لم يكن مديري كاتباً ماهراً، ولذا لم تكن التعديلات التي يقوم بها في مكانها. ولكن حين عرفت الهدف مما يقوم به تمكنت من معرفة السبيل التي تساعدني على الالتزام بما يريده المدير وتحقيق ما أرغب به أنا في آن واحد.

الخطوة 5: حاول أن تتوصل إلى حل مشترك للمشكلة

يتوجب عليك أن تقرر مع زميلك الطريقة الأفضل لإنهاء سوء الفهم القائم. اسأل الطرف المقابل عن رأيه في حل مقترح، وقم بعد ذلك بالإضافة على ما يقترحه من خطوات. ليس الأمر متعلقاً هنا بالتراتبية بينكما، ولكن الأبحاث تشير إلى أنّ الناس يشعرون بارتباط أكثر بالأفكار إن كانوا قد أسهموا بها. لذلك وقبل أن أقول لمديري: “حسناً، سأغيّر في هذه الأمور في الفترة المقبلة، وأودك أن تخبرني بتقييمك لما أكتب بعدها” سألته قائلاً: “ما الذي تقترح عليّ فعله لأزيد من مقدار الدقة التي تفتقدها في كتابتي؟”، وكان هذا السؤال كفيلاً بتحويل كفة الحوار لصالحي.

وكانت النتيجة أنّ الأمور تحسنت، ولم أتعرض للطرد من الشركة. ولقد وجدت خلال سنوات خبرتي الطويلة في العمل أنّ هذه الطريقة في تقديم ردة الفعل والملاحظات هي الأسلم حتى في أكثر المواقف حساسية. فقد اتبعها رئيس تنفيذي في إحدى الشركات ليتمكن من إقناع رئيس مجلس الإدارة بالكف عن التدخل في قراراته، كما استخدمتها رئيسة تنفيذية رفيعة المستوى في الشرق الأوسط وهي تحاول أن تعالج السلوك الأبوي تجاهها من رئيسها، وهنالك العديد من القصص الأخرى التي تظهر فعالية هذه الطريقة حتى في أصعب الحوارات على الإطلاق، ألا وهي الحوارات مع المراهق صعب المراس.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz