كيف تنظم فريقاً من الخبراء يعملون معاً على مشروع شديد الاعتماد على المعرفة؟ هل البنية الهرمية مناسبة؟ أم أن الفرق المرنة وذاتية التنظيم هي أفضل؟

تعاني فرق العمل عادة من صعوبات في التوصل لطريقة تساعدها على تحقيق أفضل استفادة من خبرات أفرادها، وتقليل الصراع بينهم، وإدماج خبراتهم المتنوعة والارتقاء بها في مختلف مراحل المشروع.

إذ يقوم الأسلوب التقليدي على تعيين شخص مسؤول يمتلك قدراً من التجربة والخبرة، كرئيس المدربين أو رئيس المبرمجين، وذلك لافتراض أن خبرته ستمكنه من اتخاذ أفضل القرارات حول توزيع المهام والمسؤوليات. وتتسم الفرق التي تتبع هذا النمط بهرمية صارمة، فتكون القرارات النهائية فيها مركزية وتمرّ كلها عبر هذا الشخص الوحيد المعيّن رسمياً.

أما الجانب السيء في هذا الأسلوب هو ازدياد تعقيد المشاريع وازدياد حجم الفريق. حيث يصبح هذا الشخص المركزي عائقاً في الاتصال والتنسيق بالنسبة للفريق.

لكن هناك أسلوباً آخراً، يقوم على ترك الفرق تدير نفسها ذاتياً. ويتجلى هذا في المنهجيات المرنة المستخدمة لتطوير البرمجيات "المعروفة باسم آجايل". ويقوم هذا النمط على فرضية تزويد أعضاء الفريق بأفضل ما يلزم لتحقيق التوافق بين المهارات والاحتياجات وتنظيم مهامهم الخاصة وفقاً لذلك. كما تتميز الفرق التي تتبع هذا الأسلوب بتبادل واسع وحر للخبرات، وباللامركزية في اتخاذ القرار. ومع أن هذا الأسلوب يسمح للأفكار بالانسياب بحرية، إلا أنّه يعني أعداداً كبيرة من الأشخاص يحتاجون إلى التفاعل مع بعضهم البعض بشكل متكرر وهو ما يزيد من متطلبات التنسيق ويقلل من الكفاءة.

ولطالما كان اختيار المركزية أو اللامركزية لتحقيق أداء أفضل للفريق محور جدل طويل الأمد في إدارة الفرق. ولأن معظم المدراء يدركون التحديات الكامنة في كلا النمطين تراهم يسعون بديهياً لاتخاذ مكان يكون في المنتصف بمعنى "لا هرمية صارمة ولا مرونة دون قيود". لكن هل هذه فعلاً أفضل طريقة للعمل. يُظهر بحثنا إجابة غير متوقعة.

حيث درسنا كيفية تنظيم الخبرة ضمن 71 فريقاً لتطوير البرامج في شركة للتقنية العالية ضمن الولايات المتحدة خلال مراحل التصميم والتنفيذ من المشروع. وشارك 484 فرداً بالمجمل في دراستنا، ويملكون اثنا عشر عاماً من الخبرة وسطياً. وطلبنا من أعضاء كل فريق ترشيح أربعة أشخاص على الأقل من أصحاب الخبرة في التصميم، وأربعة أشخاص على الأقل من أصحاب الخبرة التقنية. ثم طلبنا منهم تقييم الخبرة التي يجلبها الشخص المرشح لعملهم. بعدها (قمنا بحساب شبكة خبرات الفريق بتقييم مدى قيمة خبرتهم بالنسبة لعملهم.) ثم أنشأنا شبكة تمثل خبرة الفريق اعتماداً على ترشيحات وتقييمات أعضاء الفريق للمرشحين. حيث بفعلنا هذا تمكنا من استخدام تحليل الشبكة الاجتماعية لحساب مدى مركزية الخبرة عند كل فريق خلال كل من مرحلتي التصميم والتنفيذ.

لكننا تفاجأنا من اكتشاف أنّ الفرق الأعلى أداءً كانت تلك التي تبنت بنية للخبرة تختلف بحسب احتياجات كل مرحلة من المشروع. إذ جعلوا الخبرة في التصميم لامركزية عند العمل على اكتشاف الحلول، ومن ثم جعلوا الخبرة التقنية مركزية عند العمل على بناء تلك الحلول.

بالإضافة لهذا، إذا كانت المعرفة المطلوبة للمشروع معقدة أو فريدة أو صعبة المشاركة، يُصبح مهماً جداً جعل الخبرة لامركزية خلال فترة التصميم، ومن ثم جعلها مركزية خلال فترة التنفيذ. حيث حققت الفرق التي اتبعت هذا النمط تصنيفات أعلى خلال مقاييس عديدة من الأداء، من نجاح أعلى في التنسيق، ونزاع أقل في الفريق، وتزايد فعالية الفريق، ورضا أعلى من العميل.

كما تقترح نتائجنا أن هناك حاجة لطرق مختلفة في تنظيم الخبرة اعتماداً على المراحل المختلفة للمشروع. وبدل السير المتعنّت في أسلوب إما يكون مركزياً أو لا مركزياً، على الفرق استيعاب أن مراحل التصميم والتنفيذ تتطلب أنواعاً مختلفة من المعرفة. ويظهر هذا بشكل خاص في العمل المعرفي المعقد الذي تتطلب فيه مرحلة التصميم استكشافاً خلّاقاً وخارجاً عن المألوف لنسيج واسع من الأفكار والمفاهيم. هذه المرحلة تناسبها لامركزية الخبرة، وذلك للأسباب التالية:

  • باستنباط الخبرة والمشاركة الواسعة لها خلال مرحلة التصميم، تحقق الفرق الأعلى أداءً فهماً أفضل للمشاكل غير المفهومة وغير واضحة البنية، فتتفق وتصمم الحل الأفضل.

  • أثناء العمل على تحديد الاحتياجات التي يجب تنفيذها لاستيعاب المتطلبات، والتجميع، والتصميم، يقلل المنهج اللامركزي من النزاع في الفريق ويؤدي إلى حلول أكثر فعالية.

  • تقلل الاستفادة واسعة النطاق من خبرة الفريق مخاطر التفكير المعزول وقصير المدى، الذي ربما يحدث في الهرمية الصارمة. إذ تأكدَّ هذا خلال ما توصلنا إليه، أنّه كلما زادت صعوبة توضيح مشكلة التصميم، تزداد أهمية إشراك الفريق الأوسع.


أما لاحقاً، مع تحرك الفريق نحو تنفيذ الحل، يصبح الوضع الأنسب هو مركزية الخبرة وذلك بتركيزها على عدد محدود من الخبراء، وذلك للأسباب التالية:

  • يحبّذ بناء الحل المعرفة العميقة المتقاربة حول الطريقة الأفضل لتنفيذه.

  • تؤدي مركزية خبرة التصميم إلى تجنب مخاطر الشلل التحليلي. فالتركيز على البناء خلال مرحلة التنفيذ يساعد في رفع الكفاءة.

  • عند تنفيذ تصميم محدد ومعرّف مسبقاً، فإن الخبرة المركزية والأدوار والمسؤوليات المحددة بوضوح تقلل من الصراعات في الفريق، وتُعتبر من متطلبات التنسيق.


أخبراً، يقترح هذا البحث أنّه عندما يعمل المدراء على توظيف وتنظيم وإدارة  مشاريع معرفية، عليهم تبني هيكل مرن للخبرة، وذلك اعتماداً على احتياجات كل مرحلة من المشروع، كي يتمكنوا من الارتقاء بأداء الفريق إلى أقصى ما يمكن.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!