تابعنا على لينكد إن

إن مشكلة تأجيل الأعمال والميل إلى التسويف تتخفّى بأشكال وأنماط عديدة. فقد يكون لدينا العزم في لحظة ما للتعامل مع قضية معينة والانتهاء منها، ولكن قد نعثر على مسوغات لا تنتهي لتأجيل العمل عليها. وقد نعطي الأولوية أحياناً لمهام بسيطة يمكن أداؤها بسهولة في أي لحظة، كالرد على الرسائل الواردة في البريد الإلكتروني مثلاً، ونهمل مهام كبيرة ومعقّدة ونؤجلها ليوم آخر. يمكن أن نشعر بضيق الوقت ونبدو مشغولين، ولكننا قد نكون في حقيقة الأمر ماهرين وحسب في تفادي القيام بأمور في غاية الضرورة. وحين نجد أن قائمة المهام المنتظرة قد باتت طويلة ولم يتغير فيها شيء، فلن يكون في وسعنا سوى الشعور بشيء من خيبة الأمل بأنفسنا.

القضية تكمن في أن أدمغتنا مبرمجة لأن تقوم بالتأجيل. فنحن بشكل عام نجد صعوبة في تنفيذ المهام التي تعود علينا بالنفع لاحقاً مقابل جهد يُبذل الآن. وهذا لأن أدمغتنا تستسهل معالجة الأمور المادية أكثر من القدرة على التعامل مع الأفكار المجردة، وما يحدث من تجاذب لحظي مباشر هو أمر ملموس مقارنة بالمنافع المستقبلية غير الأكيدة وغير المعروفة. لهذا نجد أن الجهد قصير المدى يتفوق في أذهاننا على المنفعة طويلة المدى، وهذا ما يدعوه علماء السلوك التحيز للحاضر.

فكيف يمكن أن تمتلك بعد نظرٍ عند التعامل مع المهام صعبة التنفيذ؟ إن الأمر يتعلق بشكل أساسي بالقدرة على تحقيق التوازن في تحليل الجهد والمنفعة: أي أن عليك أن تشعر بمنافع العمل بشكل أكبر وأن تشعر بتكاليفه بشكل أقل. إن مكافأة القيام بمهمة مزعجة يجب أن تبدو أكبر من المعاناة اللحظية المرتبطة بالقيام بها.

ولتجعل منافع أداء المهمة تبدو أكبر وأقرب، اتبع الخطوات الآتية:

تخيّل كيف ستشعر حين تنتهي من هذه المهمة

لقد اكتشف الباحثون أنّ الناس يميلون إلى التوفير حتّى يحين تقاعدهم في المستقبل إن نظروا إلى صور لأنفسهم مصمّمة كي يبدوا أكبر عمراً. والسبب هو أنّ هذه الصور تجعلهم يستشعرون المستقبل بشكل أقرب إلى الحقيقة، حيث تظهر منافع التوفير بشكل أكبر. وحين نتبع هذه الإستراتيجية عند التعامل مع أي مهمّة نحاول تأجيلها، ونرسم لأنفسنا صورة ذهنيّة جميلة عن المنافع التي سنجنيها حين نفرغ منها. وقد تساعدنا هذه الطريقة على أقل تقدير على الخروج من حالة عدم الفعاليّة التي نجد أنفسنا أحياناً عالقين فيها. فإن كانت هنالك مكالمة تتفادى القيام بها أو رسالة تؤجّل كتابتها، فإنّ عليك أن تساعد ذهنك عن طريق تصوّر ذلك الشعور بالرضا الذي ستحرزه فور انتهائك من المهمّة، وأن تتصوّر كذلك نظرة الارتياح على وجه الطرف الآخر المعنيّ حين يحصل على ما يحتاجه منك.

أعلن عن التزامك بالأداء أمام الآخرين

حين نخبر الآخرين بأننا نتعهّد بأداء أمرٍ ما، فإنّ ذلك يعدّ دافعاً قوياً للالتزام والقيام بالعمل، وذلك لأنّ نظام المكافأة في الذهن يستجيب بشكل فعال للقيمة الاجتماعية. تشير الأبحاث إلى أنّنا نهتم كثيراً بنظرة الآخرين لنا، حتى لو كانوا غرباء. فمعظمنا لا يريد أن يبدو غبياً أو كسولاً أمام الناس. لذا حين تمتلك الجرأة لتقول: “سأرسل التقرير نهاية اليوم” فإنّنا نضيف القيمة الاجتماعية المرتبطة بالوفاء بالالتزام الذي قطعناه على أنفسنا، وقد يكون هذا كافياً لتحفيزنا على أداء مهمّة ما ولو كانت صعبة أو مزعجة.

واجه الآثار السلبيّة للتكاسل

تُظهر الأبحاث أنّنا نميل بشكل غريب إلى إساءة تقدير الوضع القائم. صحيح أنّ بوسعنا قياس الإيجابيات والسلبيات المتعلقة بالقيام بأمر جديد، ولكنا قلّما نحاول النظر في إيجابيات وسلبيات عدم القيام بهذا الأمر. هذه الظاهرة تعرف في علم السلوك باسم التحيّز بالإسقاط، وهو يؤدي عادة إلى تجاهل بعض المكاسب الواضحة للقيام بأحد الأمور. افترض على سبيل المثال أنّك تؤجّل وبشكل مستمر التحضير لاجتماع مقبل، لأنّك متحمّس أكثر للقيام بمهامّ أخرى، فتخبر نفسك أنّ ستقوم بذلك في الغد (أو في اليوم الذي يليه). ولكن حين ترغم نفسك على التفكير في الآثار السلبية للتكاسل عن أداء هذه المهمّة، وتذكّر أنّك ستدرك أنّ الوقت متأخر جداً للحصول على المعلومات التي تحتاجها من زملائك. فإذا ما تصرفت الآن، فستكون لديك نصف فرصة وحسب للوصول إلى المعلومات في الوقت المناسب، وهذا سيقودك في المحصّلة إلى الاستعجال بالقيام بما يتوجّب عليك.

ولتقلّل من المعاناة المرتبطة بالتنفيذ اتبع الخطوات الآتية:

حدّد الخطوة الأولى

أحياناً نكون متهيبين من المهمّة التي نحاول تفادي القيام بها. قد نجد في قائمة مهامّنا مثلاً مهمّة “تعلّم اللغة الفرنسيّة”، ولكن من ذا الذي يستطيع فعل ذلك في ظهيرة يوم واحد؟ الفكرة هنا هي أنّ نقسّم المهمّات الضخمة ذات الطبيعة المفتوحة إلى خطوات صغيرة لا تستدعي جهداً خارقاً. والأفضل من ذلك حتّى هو أن تبدأ بتحديد أصغر الخطوات الأولى، أي مهمّة في غاية السهولة حتى أن دماغك المتحيّز للحاضر يرى منافع القيام بها أكبر من التعب المترتّب عليها. فبدل أن تكون المهمّة هي “تعلّم اللغة الإنجليزية” يمكن أن تكون “أرسل رسالة بالبريد الإلكتروني إلى نيكول واطلب منه بعض النصائح حول تعلم اللغة الفرنسيّة”. وحين تحقق هذا الهدف الصغير، فإنّك ستشعر بحماسة أكبر للمضيّ في الخطوة التي تليها، وهذا الأمر أنجع من أن تستمر في تأنيب نفسك على ضعف مهاراتك اللغوية.

اربط القيام بالخطوة الأولى بمكافأة ذاتية

يمكن أن تجعل مقدار الجهد يبدو أقلّ في حال ربطت تلك الخطوة الصغيرة بأمرٍ أنت متحمّس فعلاً للقيام به. أي أن تربط المهمّة التي تتجنّب القيام بها بأمر تحبّ القيام به. قد تسمح لنفسك مثلاً أن تقرأ مجلاتٍ صفراء أو كتباً خفيفة للتسلية حين يكون لديك وقت في النادي الرياضي، وذلك لأنّ المتعة التي ترتبط بالشعور بالذنب تساعد الذهن على استسهال الصعوبة قصيرة المدة لأداء التمارين. يمكنك كذلك أن تتقن فنّ ضبط الذات لأداء مهمّة تتفلّت منك إن وعدت نفسك بأدائها في مقهى لطيف أثناء تناولك لمشروبك المفضّل.

تخلّص من العوائق الخفية

نجد أنفسنا أحيانًا نعود إلى المهمّة بشكل متكرر، ونبدو غير عازمين على القيام بالخطوة الأولى، ثم نسمع صوتاً يقول: “نعم، إنها فكرة جيدة، ولكن… لا”. علينا عند هذه النقطة أن نسأل ذلك الصوت بعض الأسئلة كي نفهم العائق الذي يحول دون أدائنا للمهمّة. لا يستلزم هذا أن نستشير طبيباً نفسياً، وإنما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بعض الأسئلة بهدوء، كأن تقول: “لماذا أشعر بصعوبة القيام بهذا الأمر؟” ويمكن عند التفكير ملياً بالأمر أن نكتشف العائق الخفيّ الذي يحول دون أن نقوم بمهامّنا بسرعة. في كثير من الأحيان يكون الأمر متمثلاً في التزام ما لديك تجاه أمر ما يثبّطك القيام بشيء آخر. لنفترض مثلاً أنّك تجد صعوبة في وضع برنامج صباحيّ مبكّر لتحديد أهدافك اليوميّة.

وحين تسأل نفسك عن السبب قد تجد مثلاً أن التحدّي يكمن في رغبتك القويّة بالالتزام بتناول الفطور مع عائلتك في هذا الوقت من الصباح. فحين تفلح في تحديد مكمن التعارض فإنّك ستتمكّن على الأغلب من العثور على طريقة لتجاوزه، كأنّ تقرر مثلاً أن تنقل هذه الممارسة الصباحيّة إلى وقت ما قبل النوم أو أن تفعل ذلك أثناء ذهابك إلى العمل.

لذا حين تقف في المرّة المقبلة محتاراً أمام عدم قدرتك على أداء بعض المهام المستعجلة عليك أن تتأنّى وأن لا تقسو على نفسك. تذكّر أنّ ذهنك يحتاج إلى التوجيه إن كنت تريد أن لا تكون قصير النظر. حاول أن تجرب خطوة واحدة على الأقل لتجعل منافع القيام بالعمل تبدو أكبر، وقم بخطوة أخرى لجعل صعوبة أدائه تبدو أقل، وستجد أنّ قائمة مهامّك المعطّلة ستقدّم لك الشكر الجزيل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

2 تعليقات على "كيف تتغلّب على التسويف والتأجيل"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Buesaa
Member
Buesaa
2 سنوات 1 شهر منذ

ممتاز

alandlusi
Member
alandlusi
2 سنوات 30 أيام منذ

مقال رائع و مجلة ممتازة جديرة بالمتابعة اليومية 🙂

wpDiscuz