“أليسون” هي الرئيسة التنفيذية لشركة استشارية، وهي في اجتماع مهم مع “تريفور”، وهو موظف لامع قام بتقديم استقالته قبل شهر بهدف إطلاق شركة الاستشارات الخاصة به. يُدير تريفور حساباً يُسهم بأكثر من 20% من إيرادات الشركة، وقد كان العميل واضحاً في أنه يريد من تريفور البقاء مسؤولاً عن الحساب. يود تريفور الاستمرار في قبض العمولة، خصوصاً أثناء أشهر التقشف التي تأتي مع تأسيس كل عمل جديد، وتحتاج شركة أليسون إلى الإيرادات من الحساب الذي كان يديره تريفور.

بعد ثوانٍ من بدء الاجتماع (الذي كان مؤجلاً لفترة)، قامت أليسون بتمرير قُصاصة من الورق تحتوي اقتراح مكتوب بخط اليد عن نسبة العمولة. تمرير الورقة بهذه الطريقة جعل تريفور يشعر بعدم الراحة، فنظر إلى الرقم المكتوب وعَبَسَ في وجهها بغضب، ثم تناول قلماً من جيب سترته وكتب رقماً على الورقة، ودفعها باتجاهها مع ابتسامة متكلفة. بانت ملامح الغضب على وجهها وقالت: “يبدو أن الاجتماع انتهى، إياك أن تتجاهل بند “عدم المنافسة” وإلا سنقاضيك في المحكمة.”

تتعامل معنا الكثير من أدبيات التفاوض كما لو أننا مخلوقات عقلانية تقوم باتخاذ قرارات منطقية عن مصالح محددة وواضحة، ومع انه هذا قد يحمل نوعاً من الصحة، إلا أن المفاوضات غالباً ما تكون “مُحادثات حاسمة” – تفاعلات ما بين الأفراد مشحونة بالمشاعر، وقد نقوم باتخاذ قرارات غير منطقية من شأنها تقويض مصالحنا الخاصة بناء على دوافع غير عقلانية، كما فعل أليسون وتريفور.

قضيت وزملائي الآلاف من الساعات في دراسة هذه اللحظات الحاسمة ووجدنا بعض الممارسات الجيدة للتعامل مع التفاعلات الانسانية التي غالباً ما تقود المفاوضات:

السرعة في مناقشة المسائل الخلافية

غالباً وبسبب عدم شعورنا بالراحة من النزاع، نقوم بالمماطلة في الحديث عن المسائل الخلافية. في غضون ذلك، تتصاعد المشاعر والشكوك والأحكام المسبقة – وتجعل من المحتم أنه حينما نصل إلى المفاوضات، ينحدر الحوار إلى لعبة مفاوضات بدلاً من التعاون بقصد حل المشكلة. يمكننا تقليل التصعيد غير الضروري عن طريق الشروع في المفاوضات في أقرب فرصة ممكنة بدلاً من المماطلة. كانت “المفرقعات النارية” في الحديث بين أليسون وتريفور تتضخم لأسابيع ومنذ إعلان تريفور عن استقالته.

ناقش المشكلة الحقيقية

إذا كان هناك أمر ما يثير إزعاجك، وكان هذا الضيق يوجه سلوكك اثناء المحادثة، توقف للحظة وتبين من مخاوفك، واسأل نفسك، “ما الذي يحدث لي على أرض الواقع؟” ومن ثم، إذا لزم الأمر، اطرح الموضوع على طاولة النقاش حيث ينتمي. على سبيل المثال، إذا شعر تريفور بأن استخدام أليسون لعرض مكتوب بخط اليد ينتهك روح التعاون وحل المشكلات، يمكنه تحويل الحديث إلى مناقشة الاجراءات: “كما تعرفين، بدلاً من عرض الأرقام على بعضنا البعض في هذه النقطة، أتساءل إن كنا نستطيع التحدث عن المبادئ والمتطلبات؟ لربما سيكون من الأسهل الوصول إلى حل جيد، إذا فهمنا وجهات نظر أحدنا الآخر بشكل أفضل.”

التأكيد على السلامة النفسية

نجا جنسنا البشري منذ آلاف السنين لأننا مستمرون في البحث عن السلامة. أدمغتنا مبنية خصيصاً لإعطاء الأولوية المعرفية للتهديدات المتصورة. عندما نتعرض لتهديد، يتوقف التفكير المنطقي ويتولى الدماغ الأولي السيطرة. هذه أخبار سيئة عند النظر إلى التهديدات في المفاوضات الشخصية المعقدة بنفس الأسلوب. قد يتسبب هذا “الضباب المعرفي” في المُغادرة بغضب، أو إصدار التهديدات، أو الانسحاب لحين ظهور خيارات أفضل، وقد تؤدي تصرفاتنا لإثارة استفزاز الآخرين بنفس الطريقة. تُعتبر السلامة النفسية هي الشرط الأول للنجاح في المفاوضات الصحية. تتحقق النتائج الايجابية الطويلة المدى عندما يكون الجميع ملتزمون بتنفيذ الاتفاقية، لذا تأكد من معرفة الطرف الثاني لما يلي:
1) أنك تهتم بمصالحهم – تماما كما تهتم بمصالحك.
2) أنك تُكِن لهم الاحترام.

تخيل كيف كانت المحادثة مع أليسون ستكون مختلفة لو استجاب تريفور على العرض المقدم على الورقة منها بقوله، “أليسون، أعرف ان مغادرتي في هذا الفترة أمر مربك للجميع. هذا شيء كنت أريد القيام به لفترة طويلة ولكني لا أريد أن أسبب الأذى لهذه الشركة، وأنا على استعداد لمواصلة الحديث حتى نجد حلاً مناسباً للطرفين “.

استخدم الحقائق، لا التهديدات

يأتي كلا الطرفين عادة إلى التفاوض مع تصورات مختلفة حول المصالح والخيارات والعواقب، وفي بعض الأحيان، تشعر بالحاجة إلى تحدي تصورهم للواقع. على سبيل المثال، وقّع تريفور على اتفاقية عدم المنافسة عندما انضم إلى الشركة، وقد ترتب على هذا التزامات قانونية. تعتقد أليسون أن تريفور غير مدرك لعواقب تقديم خدماته الجديدة لأحد عملاء الشركة، وتستطيع توضيح بند عدم المنافسة إما كحقيقة واقعة أو كتهديد، وبما أن السلامة النفسية أمر مهم للغاية، قم بما في وسعك لمشاركة فهمك للموقف بدون تحفيز الشعور بالتهديد.

يمكنك القيام بذلك بثلاث طرق:

قم بصياغة العبارة كنتيجة طبيعية وليس كانتقام محسوب. “حاول أن تتجاوز بند عدم المنافسة ولو بقيد أنملة وسوف نقاضيك في المحكمة.” عبارة عن تهديد. في المقابل، “أريد أن يكون واضحاً أنه من واجبي حماية مصالح الشركة” توحي بنتيجة طبيعية.

عبِّر عن تصميم متردد في اتخاذ الاجراءات العقابية. لا تعتذر عن حماية مصالحك الخاصة، ولكن لا تتخلى عن عزمك على القيام بذلك أيضاً.

اضغط نحو الحوار، لا التسويات، وبينما تقوم بمشاركة الشخص الآخر حول النتائج السيئة للعواقب، من الواجب طمأنتهم بأنك ترغب في تجنب هذه العواقب ورغبتك في مواصلة الحوار بحثاً عن نتائج أفضل للطرفين.

كان بإمكان أليسون أن تقول في لهجة هادئة ومحترمة، “في حال لم نتوصل إلى اتفاق، نستطيع أخذ عدة دقائق لمراجعة بند عدم المنافسة الذي وقعت عليه عند التحاقك بالشركة، كي نتأكد من أنه لدينا نفس القدر من الفهم للموضوع قبل المُضي إلى الأمام؟” من شأن هذا أن يدفع تريفور للتفكير بالتبعات القانونية بدون إثارة أي عدوانية لا لزوم لها.

في النهاية، تخلى تريفور عن الايرادات التي كانت ستساعده كثيراً في عمله الجديد، بينما احتفظت شركة أليسون بالعميل ولكن انخفضت الإيرادات بنسبة 50٪ في السنة الأولى بعد مغادرة تريفور. نُركِّز في كثير من الأحيان على مضمون المفاوضات وليس على التفاعلات البشرية التي تُحركه، ولكن يمكن للتغيرات الصغيرة في النهج الذي تتبعه أن تعمل على تحويل مسار نتائج المفاوضات الحاسمة بشكل كلي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!