كثيرة هي المقالات التي تحدثت حول كيفية المفاوضة للوصول إلى راتب أفضل. لكن ما العمل إذا لم تكن متأكداً من أنك تستحق هذه الزيادة أصلاً؟

بحكم عملي كمدربة تنفيذية لأكثر من 30 عاماً، عملت مع العديد من القياديين المتألقين الذين تبدو عليهم مظاهر النجاح الباهر خارجياً، غير أنهم يعانون في تقديرهم لذواتهم. ويتبادر إلى ذهني اسم أحدهم وهو "خلدون" على وجه الخصوص، الذي يُعد قيادياً صاحب صيت محترم في شركته. فقد كان مخلصاً ومتفانياً ويؤدي عمله بجد لسنوات.

واكتشف عبر أحاديث المكتب الجانبية أنّ من تم توظيفهم حديثاً في مناصب عدد من زملائه القدامى الذين تركوا الشركة جميعهم يتقاضون رواتب أعلى من راتبه. في البدء تجاهل الأمر، غير أنّ ما سمعه حول ذلك صار يزعجه. فهو يدير فريقاً يتكون من 140 فرداً في الوقت الذي يتقاضى فيه راتباً أقل بكثير من أولئك الجدد الذين لا يتجاوز تعداد فرقهم 20 إلى 30، أو حتى خمسة في إحدى الحالات.

بدأ الضيق ينتابه وأصبح يشعر بانعدام الأمان. لماذا لم يعرضوا عليه زيادة في راتبه؟ هل هم غير مقدرين لعمله؟ ألم يلاحظوا الجهد الكبير الذي يبذله؟

لقد فقد حماسته لوظيفته. وفي حين كان مصدراً للطاقة الإيجابية في العمل، فقد أضحى يجد نفسه الآن كئيباً، وممتعضاً، وفاقداً للثقة. وهو يعلم أنّ الفرصة الوحيدة لاستعادة رضاه بوظيفته تكمن في مطالبته بزيادة في راتبه، لأسباب هو نفسه لا يستطيع تحديدها، مما جعله متردداً.

الحقيقة الموضوعية تتيح حجة سهلة للحصول على تلك الزيادة: لقد بذل جهداً أكبر من سواه وتولى مسؤولية فريق يفوقهم فرقهم عدداً، كما يتمتع بأقدمية في الشركة ويتفوق بالخبرة في مجال عمله، إضافة إلى إحرازه نتائج باهرة واستطاعة فريقه تقديم أداء متميز باستمرار عاماً بعد عام. لكن ما حصل معه الآن جعل تقديره لذاته يصل إلى الحضيض.

على القياديين الذين يواجهون ذلك أن يتفهموا ويقرّوا بقيمة ذواتهم في المقام الأول، ثم يتعلموا بعد ذلك كيفية تسويق هذه القيمة في شركاتهم. وإليكم الخطوات الأربع للوصول إلى هذا الهدف.

نمّ في قرارة نفسك الشعور بالإلحاح. فطبيعة الإنسان إيثار السلامة، وقد يبدو هذا العمل غير آمن خاصة إذا افتقدت الثقة بقدراتك. وقد تكون عملياً تجاوزت نقطة السكوت. فإذا كنت تجد نفسك محبطاً فأمامك خيارين: ألا تُحرك ساكناً مع معرفتك بعمق السخط الذي سيعتريك، أو أن تتجه إلى التصعيد وتسأل حاجتك. وكن على علم بأنك إذا لم تبادر إلى عمل شيء، فإنّ استياءك سينكشف في لحن القول أو الفعل، وسيؤدي إلى تخريب سمعتك التي عملت جاهداً على رعايتها.

وبالطبع فقد تخشى أن يكون طلبك للزيادة غير معقول، ومن أجل ذلك فمن الضرورة بمكان أن تقوم بالبحث الجاد لتعزيز ثقتك بنفسك. قم باستقصاء استبيانات الرواتب المتوفرة على الإنترنت لتكوين تصور حول ما تدفعه الشركات المنافسة لمن هم في مثل منصبك، ولعمل حد أعلى وأدنى للراتب المقبول. ثم اعتمد على كل ما تصل إليه من معرفة لمقارنة راتبك بما يتقاضاه غيرك في الشركة، آخذاً في الاعتبار العوامل التي تتغير مع الوقت مثل امتيازات العمل للموظفين الجدد. فهذا سيعطيك أساساً معرفياً يفيدك في مفاوضاتك، كما سيمنحك دفعة من الثقة حين تعلم أنّ طلبك يقع ضمن ما هو منطقي وتدعمه بيانات سليمة.

بعد ذلك يأتي وقت التقييم الشخصي. ستحتاج إلى مراجعة كل جانب لتأسيس صورة شاملة، ابتداء بالخلفية التعليمية إلى سجلك في الشركة على المدى الطويل وصولاً إلى أداء فريقك في الربع الأخير من العام. والأكثر أهمية هو أن تقوم بإعداد قائمة من الأمور التي تجعلك فريداً ومتميزاً عن غيرك في شركتك. بإمكانك استخلاص الحكايات والبيانات المؤكدة من تقارير الأداء، والرسائل الشخصية، والثناء الذي حصلت عليه، واستبيانات رضا العملاء. ابحث عن الحالات الموثقة التي حققت فيها الأهداف، وأنجزت المبيعات وأحرزت الإيرادات، وإحصاءات الأداء التفصيلية، والمبادرات التي قمت بها، والمناحي التي برهنت فيها على ولائك والتزامك.

فإذا اجتمعت لديك هذه الكمية من المعلومات، فمن المؤكد أنك ستشعر بالاستحقاق وأنّ لديك ما تقدمه عن نفسك. ومن الجدير بالملاحظة أهمية عدم التعامل مع هذه العملية كمشروع يتم إنجازه لمرة واحدة فحسب، بل كنظام مستمر لتوثيق إنجازاتك بشكل دوري وإيصال أخبارها إلى رئيسك، ونشرها عبر الشركة حال مناسبتها لذلك.

وأخيراً، على الرغم من أنه ينبغي عليك مقاربة المفاوضة بعقلية متعاونة، فمن المهم أن تستعد للصدود. عليك توقُع الاعتراضات المحتملة والاستعداد لها وألا تتركها تنال من ثقتك. فإذا واجهت صداً متعلقاً ببياناتك، حاول إعادة تركيز الحوار ليتمحور حول فهم الكيفية التي تم عبرها تقرير راتبك، جاعلاً هدفك الأكبر هو الوصول إلى اتفاق بأنّ معيار السوق الذي تطرحه معقول وعادل. ومن المفيد أن تقوم ببعض الجلسات للتمرن مع مدرب أو صديق تثق به لتستوثق من نفسك بأنك قادر على الرد على الاعتراضات دون الوصول انفعال زائد، مع اختتام الحوار بملاحظة إيجابية.

حتى أولئك الذين يعلمون أنهم يستحقون الزيادة يمرّون بوقت عصيب حين يطالبون بها، ويزداد الأمر صعوبة إذا كان هناك صوت بداخلك يتساءل إذا ما كنت حقاً جديراً بذلك. لكن لا تدع آراء الناس تحدد قيمتك، بل انظر بحياد إلى إنجازاتك وساحة التنافس. ستشعر عندها بمزيد من الثقة لتطالب بما تستحقه. وحتى لو كان رئيسك معارضاً، فإذا كان ما أعددته قوياً بما فيه الكفاية واستجمعت شجاعتك للمطالبة، فمن المرجح أنّ قيمتك الحقيقية هي التي سوف تسطع في النهاية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!