قضيت 18 شهراً الماضية أبحث وأؤلف كتاباً عن الطريقة التي يمكن بها للشركات والقادة القيام بأشياء استثنائية حتى في المجالات الأكثر تقليدية. فليس المبرمجون في وادي السليكون أو لاحمو الجينات في الصناعات التقنية الحيوية وحدهم من يكشفون عن ابتكارات مثيرة تقدم فائدة ضخمة. ومع ذلك، قد أتوقع ابتكارات من شركة تعمل في صناعة التجزئة أو التوزيع الصناعي أو تنظيف المكاتب، لكن آخر ما يخطر على بالي أن تأتي بعض الابتكارات الأكثر فرادة من شركة بيتزا.

قبل عدة أسابيع، قضيتُ يوماً في ديترويت ضمن مؤتمر للرؤساء التنفيذيين نظمته مؤسسة قادة الأعمال في متشيغن، وهي جمعية تضم أكبر الشركات في الولاية. بدأ المؤتمر بكلمة لباتريك دويل الرئيس التنفيذي لدومينوز بيتزا التي تتخذ من آن أربور مقراً لها. لم يكن لدي أدنى فكرة عما قد يتحدث عنه باستثناء الحديث عن آخر خلطات البيتزا لدى الشركة، لكنني تفاجأت عندما سمعت منه دروساً مثيرة ومذهلة عن تغيير جذري عميق في صناعة تقليدية تتسم بالتغيير البطيء. كان عنوان كلمة دويل ’’كيف تحول شركة تقليدية إلى آلة ذكية مدعومة بالتقنية تهز أسس صناعتها‘‘. وقد كان خطابه فعلاً على قدر ما يعد به العنوان.

حجم التغيير الذي طرأ على دومينوز هائل. تولى دويل منصب الرئيس التنفيذي في عام 2012 بعد سنوات صعبة كان فيها نمو الشركة بطيئاً وتوقف سعر سهم الشركة عند 8.76 دولار للسهم. اليوم، دومينوز ثاني أكبر سلسلة مطاعم بيتزا في عام العالم، تتواجد في 12,500 مكان في 80 بلداً، ويقترب سعر سهمها من 160$. تحولت الشركة من مادة للسخرية والتهكم إلى الشركة المفضلة لدى استشاريي البورصة في CNBC.

كيف تمكن دويل ورفاقه من تحقيق كل هذا التغيير في فترة قصيرة من الوقت؟ أولاً، بتذكير أنفسهم بالنشاط الذي تمارسه الشركة. ليست دومينوز سلسة مطاعم بيتزا فقط، يؤكد رئيسها التنفيذي، هي أيضاً شركة توصيل بيتزا ما يعني أنها يجب أن تتواجد في مجال التقنية أيضاً. ’’تواجدنا في مجال التقنية لا يقل عن تواجدنا في مجال البيتزا ‘‘، أخبر الرئيس التنفيذي الحضور مشيراً إلى أنَّ هناك 400 موظف من بين 800 في المقر الرئيسي للشركة يعملون في مجال البرمجيات والتحليل. وقد غيّرت كل هذه التقنية طريقة قيام الزبائن بالطلب (باستخدام تطبيق دومينوز، أو مباشرة عبر تويتر، أو بإرسال وجه إيموجي برسالة نصية قصيرة)، وكيفية متابعة طلباتهم، وكيفية إدارة دومينوز لعملياتها.

ثانياً، كان على دومينوز تجديد علامتها التجارية كما يشرح دويل. حتى ولو كان التوصيل الجزء الأساسي من نشاطها، إلا أن البيتزا مهمة أيضاً- وقد كانت البيتزا سيئة. لهذا أطلقت الشركة بعد فترة قصيرة من تولي دويل منصبه حملة إعلانية أسطورية في جرأتها شاركت من خلالها تعليقات حول رأي الناس بالمنتج مأخوذة من مجموعات نقاش مركز: ’’أسوأ بيتزا على الإطلاق‘‘، ’’الصلصة مذاقها كالكتشاب‘‘، ’’مذاق العجينة كالكرتون.‘‘ وقد ظهر دويل في الإعلانات، وأبدى تقبله للإعلانات المزدرية ووعد ’’بالعمل ليلاً نهاراً‘‘ للأفضل.

كما عمل دويل وفريقه على إضفاء الإثارة على صورة الشركة وعلى منتجاتها. حالما أصبحت البيتزا أفضل، أعلن دويل خططاً لفتح متجر دومينوز في إيطاليا في خطوة لم يجرأ عليها غيره من قبل. (حتى ستاربكس ليس لديها متاجر قهوة في إيطاليا، ولو أن هناك حديثاً عن افتتاحها في 2017). كما أنه عمل مع مصممي سيارات من مجتمع الإنترنت لتصميم شكل لسيارة دومينوز للتوصيل، المعروفة باسم DXP، وهي نسخة معدلة ملونة وجذابة من سيارة شيفروليه سبارك (سمّتها أحد المقالات عليها ’’سيارة عشاق الجبن‘‘).

’’النقل جزء حيوي في أعمالنا‘‘ شرح لنا دويل، مما يجعل من المنطقي أن ’’ تكون لدى دومينوز سيارة مصممة خصيصاً لنقل البيتزا‘‘، (كما أن الشركة تجرب استخدام الآلات وطائرات الدرونز للتوصيل). مع أنّ كل هذه المبادرات لها ما يبررها، إلا أنّ من الواضح أنها جميعها مصممَّة كي تُعصرِنَ صورة الشركة ولتضفي لمسة من الذوق والمرح يصاحب الفطر والفلفل على البيتزا.

يمكنني الاسترسال أكثر في الحديث عن الابتكارات التي أتت بها دومينوز، لكن الدروس الأساسية الذي نتعلمها من دويل هي عن العقلية التي تحتاجها المنظمة كي تقوم بأشياء كبيرة في مجالات صعبة. وهو يرى، مستعيراً من علماء الاقتصاد السلوكي، أن هناك مشكلتين في حياة المدراء التنفيذيين: ’’التحيز الإدراكي‘‘ و’’كراهية الخسارة‘‘. التحيز الإدراكي هو القلق حول القيام بشيء أكثر من القلق من عدم القيام به، فالأغلبية يرون النتائج المترتبة على خطوة فاشلة لكن قلة يرون تكلفة عدم القيام بها. بدورها تصف كراهية الخسارة الرغبة باللعب بهدف الربح فقط. ’’الألم من الخسارة ضعف السعادة من الفوز‘‘، يرى دويل، لهذا فإننا نميل بطبيعتنا للحذر حتى في المواقف التي تتطلب ابتكاراً.

على القادة الذين يريدون إحداث تغيير التصالح مع فكرة أن ’’الفشل خيار مطروح‘‘، بهذا ينهي دويل حديثه. اللعب بحذر أخطر ما يمكن القيام به في عالم من المنافسة المتشعبة والاضطراب المستمر. هذه هي وصفة إعادة الابتكار التي تصنع بيتزا لذيذة وتغييراً كبيراً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!