في صيف العام 2008، كنت سعيداً بالعمل كأستاذ جامعي في جامعة سيراكيوز الأميركية عندما تلقّيت اتصالاً هاتفياً مفاجئاً. في السنة التي سبقتها، كان معهد إنتربرايز الأميركي (American Enterprise Institute AEI) – وهو واحد من أقدم وأشهر المعاهد الفكرية في أميركا والذي كنت مرتبطاً به بدوام جزئي – يبحث عن رئيس جديد. فهل كنت مستعدّاً لتصور إمكانية إسناد هذا المنصب إليّ شخصيّاً؟

يُعتبرُ قطاع المعاهد الفكرية محدوداً جداً، لذلك ليس هناك من مسار واضح لتحضير القادة لشغل المناصب القيادية فيها. وبالتالي فإنّ مجالس الإدارة غالباً ماتقع في حيرة من أمرها، حينما تسعى للبحث عن الأشخاص الذين يجب أن يقودوا هذه المؤسسات، وغالباً ما تكون عمليات البحث عن المدراء التنفيذيين محفوفة بالتحدّيات. وقد قُدّرَ لي يومها أن أعلم بأنّني لم أكن الخيار الأول – أو الثاني أو الثالث. فلسنوات طويلة، كنت قد كتبت عن عملية حشد التمويل لصالح المؤسسات غير الربحية وإدارة هكذا مؤسسات، لكن لم يسبق لي فعلياً أن مارست أيّاً من هذين الأمرين. أنا مقتنع بأن آخر شيء قاله أعضاء مجلس إدارة المعهد قبل أن يعرضوا المنصب عليّ كان "دعونا نمنحه الفرصة. لم لا؟" لكنّني كنت محظوظاً. فقد قدّموا العرض وأنا قبلته.

إنّ العمل في منصب الرئيس التنفيذي للمرّة الأولى هو أمر محفوف بالتحدّيات في ظاهره. لكنّني واجهت تحدياً يفوق الحاجة للتطور وفقاً لمنحنى التعلّم المعتاد في مثل هذه الحالات: فبين تاريخ قبولي للعرض، في أواسط العام 2008، وبين تاريخ البدء بالعمل، كان اقتصاد المؤسسات غير الربحية قد انهار نتيجة للركود العظيم. فقد تراجعت التبرعات الخيرية إذا ما أخذنا التضخّم بالحسبان بأكثر من 10% بين 2008 و2009، وحصل معظم هذا الهبوط خلال الربع الأخير من العام 2008. فمعهد إنتربرايز الأميركي يعتمد بالكامل على المنح الخيرية، لكنه لا يقبل المنح الحكومية أو العقود البحثية؛ وبالتالي فإنّ إيراداته سجّلت هبوطاً في اللحظة نفسها التي دخلت بها من الباب. وقد كان المعهد مضطراً إلى التنافس للمحافظة على كل دولار لديه، وبشكل غير مسبوق أبداً. وكان يتعيّن عليّ أنا وزملائي الجدد أن نبيّن للمانحين لماذا يجب أن تأتي استثماراتهم الخيرية الآخذة بالتقلّص إلينا عوضاً عن أن تذهب إلى الآخرين، وكيف يمكن للاستثمار في عملنا أن يقود إلى أثر ملموس.

في مرحلة ما قبل حالة الركود الاقتصادي، كان تقديم البرهان على إحداث أثر ملموس للتبرعات يشكّل همّاً متنامياً في قطاع المؤسسات التي لا تتوخّى الربح. فالشركات الربحية كانت قادرة على التعبير عن تأثيراتها بشكل كمي من خلال استعمال مقاييس مثل المبيعات والعوائد المحققة للمساهمين، لكن المؤسسات غير الربحية لا تستطيع فعل ذلك، ولاسيما إذا كانت هذه المؤسسات غير ربحية وفي الوقت ذاته متخصصة في عالم الأفكار المجردة، مثل "معهد إنتربرايز الأميركي". فما هو مقياس النتائج بالنسبة لمؤسسة مثل مؤسستنا – هل يمكن أن يكون مقياس عدد الأفكار الذكية في الساعة الواحدة مثلاً؟ في الوقت ذاته، فإن كبار المتبرعين في العالم باتوا يهتمون يوماً بعد يوم مع التقدم التكنولوجي للحصول على بيانات بالأرقام  للنتائج التي ترتبت على الدولارات التي يتبرّعون بها للعمل الخيري. كما أنّ مارك زوكربيرغ وآخرين مثله لن يقدّموا المال إلى المؤسسات التي تبتلع أموالهم دون تقديم نتائج قابلة للقياس، حيث يحرص أغنياء هذا العصر على البراهين التي تثبت أنّ ما يقدّمونه من أموال تسهم في خلق القيمة. هم بحاجة إلى رؤية البيانات والنتائج الملموسة. وإن تحدثت أمامهم بكلام إنشائي لايستند للأرقام الملموسة فليس لك عذر.

كان التحدي أمامي هو: "أظهر الأثر وإلا فإنّ الفشل سيكون حليفك". لقد كان هذا هاجسي الذي واجهته كرئيس لمعهد إنتربرايز الأميركي. وقد دفعني ذلك إلى قضاء ليال طوال لم يغمض لي فيها جفن خلال العامين الأولين لي في منصبي. وقد تبين لي لاحقاً بأنّ مواجهة هذا التحدّي وإيجاد الحلول له، كانت أكثر من مجرّد حل يساعدني على البقاء في منصبي الجديد. بل ولدت بعدها أفكار غيّرت طريقة عملنا تغييراً جوهرياً.

فرصة ذهبية


قد يبدو بأنّ ترك وظيفة دائمة والانتقال إلى مستقبل غامض كمدير لمؤسسة غير ربحية، يعد خطوة تفتقر إلى الحكمة. وقد كانت هذه قناعتي قبل أن أقبل هذا المنصب.

فقد ترعرعت في سياتل وسط عائلة من الفنّانين والأكاديميين. ومنذ نعومة أظفاري، أظهرت براعة في عزف الموسيقى، وسرعان ما وجدت طريقي إلى آلة "البوق الفرنسي". وجرّبت حظّي في الكلية بعد المدرسة الثانوية لكنّني غادرت بعد عام، وانطلقت مع البوق الفرنسي لأكسب عيشي من الموسيقى الكلاسيكية والجاز في الولايات المتحدة وأوروبا.

وبعد انقضاء عدّة أعوام على انطلاق مسيرتي المهنية في عالم الموسيقى، التقيت فتاة من برشلونة، وحصلت على وظيفة مع فرقة أوركسترا في إسبانيا في محاولة لإقناعها بالزواج منّي. لم تكن هناك لغة مشتركة تجمعنا عندما التقينا، ولكن بما أنّنا احتفلنا مؤخراً بالذكرى السادسة والعشرين لزواجنا، وبعد إنجاب ثلاثة أطفال يقتربون من سنّ البلوغ، يسعدني أن أعلن بأنّ مهاراتنا في التواصل قد تحسّنت منذ ذلك الوقت.

كنت أحبّ حياتي كعازف موسيقي، لكنّني كنت أتضايق دوماً من فكرة أنّني لم استكمل مسيرتي التعليمية كما كنت أرغب، ومع مرور الوقت كان هذا الإحساس  المزعج يتنامى. لذلك، وأثناء سكني في إسبانيا، عدت لتلقي الدروس الجامعية عن طريق المراسلة.

وقبل شهر من عيد ميلادي الثلاثين، ذهبت إلى صندوق بريدي لاستلام شهادة البكالوريوس في الاقتصاد. وبعد فترة وجيزة، تركت الموسيقى تماماً وعدت إلى الولايات المتّحدة لدراسة الماجستير في الاقتصاد، واتبعته بشهادة الدكتوراه في تحليل السياسات العامّة لأصبح بعدها أستاذاً جامعياً. وانتهى بي المطاف في جامعة سيراكيوز.

خلال العقد الذي قضيته في العالم الأكاديمي، علّمت الكثير من الطلاب في برامج الإدارة والماجستير في إدارة الأعمال، وتركّزت معظم أبحاثي على إدارة المؤسسات غير الربحية وريادة الأعمال في المجال الاجتماعي. وقد ألفت كتاباً جامعياً حول الموضوع. أحد الأسئلة المركزية التي ظللت أواجهها كان مرتبطاً بخلق القيمة: كيف يمكن للمؤسسات والجمعيات غير الربحية، باستثناء تلك التي تقدّم منتجات أو خدمات ملموسة، أن تعرف ما إذا كانت تخلق قيمة حقيقية؟ ولم يكن يبدو أبداً بأنّ هذا القطاع، بما في ذلك أنا شخصياً، يمتلك إجابات مُرضية عن هذا السؤال. كنت أتحدّث كثيراً عن "العوائد الاجتماعية على الاستثمار" و"الأرباح المزدوجة"، لكنّ هذين المفهومين كانا نظريين أكثر منه مبدأين إرشاديين عمليين يقودان إلى خطوات ملموسة. وقد شكّل انتقالي إلى معهد إنتربرايز الأميركي فرصة ذهبية لحلّ هذه الأحاجي والألغاز النظرية من داخل عالم الإدارة الحقيقي.

لكنّ قرار الانتقال إلى "معهد إنتربرايز" كان قراراً نابعاً من قناعة شخصية عميقة: فأنا كنت من المؤمنين الحقيقيين بالمبادئ الأساسية لهذه المؤسسة. فهذا المعهد غير متحزّب أبداً، ويتحاشى التشابكات السياسية، والمواقف المؤسسية. وما يوحّد الباحثين والموظفين هو التزامهم المشترك بقاعدة أخلاقية بسيطة هي: السير على المنهج الريادي الحرّ في التفكير والقناعة بقيادية التجربة الأميركية الحرة على مستوي العالم، وهما ركيزتان في نضالنا الرامي للدفاع عن الكرامة الإنسانية في مواجهة الفقر والطغيان والمساعدة في إخراج الناس من حالة التهميش. وقد كان التعرّف على السجل الحافل في مجال مكافحة الفقر وسلبيات العولمة العالمية والتجارة الحرّة عنصراً أساسياً في انجذابي نحو دراسة الاقتصاد في المقام الأول. والآن أتيحت لي الفرصة لأكرّس عملي بأكمله لمشاطرة هذه الحقائق مع العالم.



لكنّ إعجابي العميق بالمعهد شكّل مشكلة بالنسبة لي كمدير. فقد كنت أتساءل بيني وبين نفسي: ماذا لو فشلت في عملي، فأنا مدير تنفيذي يفتقر إلى الخبرة؟ هل سيتسبب ذلك في ضرر المعهد الذي أحب؟ أثناء محاولتي لاتّخاذ القرار بشأن قبول المنصب أو رفضه، تناولت طعام الإفطار مع تولي فريدمان، وهو شخص خبير في مجال الاستثمارات الخاصّة، وأحد أعضاء مجلس إدارة المعهد منذ وقت طويل، والذي أصبح في وقت لاحق رئيس مجلس إدارته وهو أحد أقرب أصدقائي. كنت قلقاً بخصوص ما سيحصل إذا ما فشلت في مهمّتي، وعرّضت هذا المعهد الفكري الذي يزيد عمره على 75 عاماً للخطر. فما كان منه إلا أن طمأنني قائلاً: "لا تقلق بشأن ذلك. إذا لم تكن قادراً على جمع التمويل أو تحفيز الباحثين، سوف نطردك خلال عام، وسيكون المعهد على ما يُرام". وقد كان هذا الكلام على غرابته مطمئناً. وبالتالي وبمزيج من المتعة والذعر، قبلت المهمّة وانتقلت إلى العاصمة واشنطن.

ليس المهم هو المدخلات أو المخرجات بل الأثر الإيجابي


عادة ما يرتكب مدراء المؤسسات غير الربحية خطأين عند محاولة الإجابة عن السؤال التالي: "كيف نعلم إذا ما كنّا نترك أثراً إيجابياً؟" الخطأ الأول هو الاعتقاد بأننا "فريدون من نوعنا" أي أنّ عملنا لا يُضاهى ومؤسستنا لا نظير لها ولا تشبه أي شيء موجود إلى الحدّ الذي يجعلها غير قابلة للمقارنة أو القياس بأي مؤسسة أخرى. ومن المذهل أن ترى كماً كبيراً من الناس الأذكياء الذين يتبنّون هذه النظرة تجاه مؤسساتهم أو أحبائهم. هذا زعم خطير، لكنّني أسمعه طوال الوقت، كما يسمعه كبار المتبرعين بشكل متكرر.

الخطأ الثاني هو ما يّسمى "خطأ عمود الإنارة" نسبة إلى قصة الشخص الذي فقد مفاتيحه في الشارع، وقضى الساعات الطوال في البحث عنها تحت عمود الإنارة لأنّ الإضاءة تحته أفضل. فالمؤسسات غير الربحية التي تناضل لقياس الفعّالية غالباً ما تبحث عن الشيء الأسهل – كأن تلجأ عادة إلى المدخلات، مثل حجم الإسهامات التي تلقّتها، أو المخرجات، مثل مدى انشغالها. ومن الواضح أنّ ذلك غير كافٍ، لأن ما يهمّنا فعلياً هو ليس المدخلات أو المخرجات وإنما "الأثر الفعلي".

فالاعتقاد الخاطئ بأنّ المؤسسة "فريدة من نوعها" لا يقودها إلى قياس أي شيء، بينما يقودها خطأ "عمود الإنارة" إلى قياس الأشياء الخاطئة. وقد قرّرنا أنا وزملائي تجنّب هاتين السقطتين وصياغة طريقة أفضل لفهم تقدّمنا الحقيقي وتوصيفه.

تُعتبرُ مخرجات "معهد إنتربرايز الأميركي" معقّدة إلى حدّ كبير فهي عبارة عن كتب، وأبحاث، ومقالات، ومقالات رأي في وسائل الإعلام، ومناسبات عامّة، وهكذا دواليك. وتشكّل هذه المنتجات فعلياً منحنى العرض الذي نقدّمه. لكن لا أحد يؤكد بأنّ مجرّد كتابة مقال رأي، أو نشر ورقة محكّمة من الزملاء، أو حجز موعد لباحث على التلفزيون، يضمن تلقائياً حصول تغيّر في طريقة تفكير القادة وتصرّفهم. ونتيجة لذلك، فإنّ مقاييس مخرجاتنا ليست مثيرة للاهتمام لوحدها وبمعزل عن الأشياء الأخرى. وللانتقال من مقاييس للمخرجات إلى مقاييس للأثر الفعلي، اضطررنا إلى تبنّي منحنى للطلب يوضع فوق منحنى العرض. وتعيّن علينا البحث عن طرق – وحتى لو كانت طرقاً غير مثالية – لقياس مدى رغبة القادة بعملنا وسعيهم للحصول عليه.

في عالم الأفكار، يعتبرُ هذا النوع من الطلب غير قابل للملاحظة المباشرة تقريباً. وبغضّ النظر عن تميّز العمل الذي تقوم به مؤسسة واحدة لتثقيف القادة أو زيادة مستوى حضور قضيّة معيّنة بين أوساط الرأي العام، فإنّه ليس هناك من مقياس مثل استطلاعات الرأي العام، أو نتائج الانتخابات، أو الأصوات التشريعية، قادر على إظهار دور المؤسسة وسط تشويش آلاف المتغيّرات الأخرى.

وعوضاً عن المقاييس "المباشرة" للأثر الفعلي، أدركنا بأنّ المعاهد الفكرية بحاجة إلى تطوير مقاييس "غير مباشرة"، من خلال البحث عن مواضع التقاطع بين منحنى العرض والطلب التنافسي في سوق الأفكار. وتعيّن علينا تحديد وتتبّع المنتجات التي يستهلكها القادة بشكل كبير، ويفضّلونها على البدائل الأخرى المتاحة. إنّ كل مقياس من هذه المقاييس وإذا ما أُخِذَ معزولاً، هو نقطة وحيدة محدودة النفع. ولكن إذا ما نُظر إلى هذه النقاط مجتمعة فإنها ترسم صورة مليئة بالنقاط تساعدنا في تقويم الأثر الإيجابي لعملنا.


وفي ما يلي مجرّد مثالين من مجموعة المقاييس غير المباشرة التي توصّلنا إليها:


تتلقّى كلّ واحدة من أكثر الصحف المحلية رصانة ما يُقارب 1,000 مقال رأي لم تطلبها كل أسبوع. ويعتبر البحث عن المساحة في "سوق" صفحات الرأي شديد التنافسية، ويرفض موظفو أقسام شؤون التحرير دون شفقة أو رحمة كلّ شيء، باستثناء ما يعتقدون بأنّ القراء بأمسّ الحاجة إليه ويريدونه. يمكن لهذه الانتقائية التي يمارسها المحررون أن تكشف الطلب التنافسي على منتجنا من عدمه. وبالتالي، فرغم أنّ إجمالي مقالات الرأي المكتوبة سنوياً هو مجرّد مقياس للمخرجات، إلا أنّ عدد مقالات الرأي التي ينشرها باحثونا في مجموعة محدّدة من أكثر الوسائل الإعلامية تنافسية يشكّل مقياساً غير مباشر ومنطقي للأثر الفعلي. ورغم أنّ هذا المقياس أبعد ما يكون عن المقياس الجامع المانع، إلا أنّه يتمتّع بجانب مفيد تحديداً: فالبيانات المتاحة هي بطبيعتها معلومات عامّة، وبالتالي تسمح بإجراء مقارنة مع الأقران والمنافسين في صفحات الرأي. ومازلنا منذ توليت هذه المسؤولية في كل عام بما فيها هذا العام، نحافظ على الصدارة بين المعاهد الأخرى.

وفعلنا الأمر ذاته مع جلسات الاستماع في الكونغرس الأميركي. فمعظم الخبراء في السياسات يرغبون بالإدلاء بشهاداتهم أمام الكونغرس، ولكن ليس بوسعهم مجرّد الاتصال بالمقسم الهاتفي لمجلس الشيوخ والجلوس في قاعة الشهادات. فمجلس الشيوخ هو من يتّصل "بك". وبالتالي، رغم أنّ أحداً لا يصدّق بأنّ الشهادات العامّة هي الطريقة الوحيدة التي تؤثّر بها المعاهد الفكرية على النقاش، إلا أنّها توفّر زاوية مفيدة لقياس الأثر الفعلي. ومرّة أخرى، من المفيد أنّ نعلم بأنّ بيانات الجميع هي عبارة عن سجلات متاحة لعامّة الناس. وعندما أجرينا تحليلاً في بادئ الأمر لهذه الأرقام، خلال الدورة 110 للكونغرس (بين العامين 2007 و2009)، حلّ معهد المشروع الأميركي في المرتبة الرابعة بين المعاهد الفكرية من حيث الشهادات أمام الكونغرس. وبحلول الدورة 111 للكونغرس، حللنا في المركز الأوّل، وحافظنا على هذا الموقع منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

ومن الجدير أن نشدد مجدّداً على ما يلي: لا يعتبرُ أي من هذين المقياسين بمثابة مقياس مباشر للأثر الفعلي، ناهيك عن أن يكون مقياساً مثالياً. فكل هذه المقاييس غير المباشرة يمكن التلاعب بها أو إساءة فهمها، كما أنّ كل واحد منها لا يكشف إلا عن بعد جزئي من أبعاد الحقيقة. ولا يمكن استعمال كل المقاييس غير المباشرة لعقد المقارنة بين المتنافسين. فعلى سبيل المثال، تُعتبرُ العلاقات الشخصية التي تجمع باحثينا بصنّاع السياسات والصحافيين والإحاطات الخاصّة التي يقدّمونها لهم مقاييس أساسية غير مباشرة على الأثر الفعلي، لأنّ الحصول على وقت القادة وانتباههم هو مورد ثمين. ومع ذلك، لايمكننا تطبيق هذه المؤشرات على جميع أنواع المؤسسات.

ليست النقطة الأساسية هي البحث عن مقياس مثالي غير مباشر. بل يمكن للمؤسسات غير الربحية العاملة في حقل الأفكار بناء مصفوفة تطرّزها بمجموعة متنوّعة من هذه المتغيّرات، ومن ثمّ استعمالها لقياس الخيارات المفضّلة التي يُفصح عنها السياسيون، ومدى استعانتهم بعمل المؤسسة.

توضيح رسالة المؤسسة

في الوقت ذاته الذي بدأنا فيه بإنشاء هذه المصفوفة لقياس الأثر الفعلي، أدخلت أنا وزملائي في إدارة معهد إنتربرايز عدداً من التغييرات الإضافية المُكمّلة. فعلى سبيل المثال، أعدنا صياغة الطريقة التي تتحدّث بها المؤسسة عن نفسها لكي تعكس بشكل أفضل تعريفنا للنجاح. غالباً ما تكون البيانات التي توضح رسائل المعاهد الفكرية عبارة عن قوائم من المنتجات غير المُلهمة ("نحن ننتج أبحاثاً رفيعة الجودة ذات صلة بالسياسات") أكثر من كونها تعبيرات حقيقية عن الغرض. وبالتشاور مع باحثينا وداعمينا، كتبنا بياناً جديداً يعبّر عن الغاية من عملنا: "معهد إنتربرايز الأميركي هو معهد فكري متخصّص بالسياسات العامّة ومكرّس للدفاع عن الكرامة الإنسانية، ونشر الطاقة الكامنة للبشر، وبناء عالم أكثر حرية وأماناً. ويقوم عمل باحثينا وموظفينا على تطوير الأفكار المتجذّرة في إيماننا بالديموقراطية، والمشاريع الحرّة، وقوّة أميركا وقيادتها





للعالم، والتضامن مع المهمّشين في مجتمعنا، وتكريس ثقافة التعدّدية والريادية". وقد حاولنا إيضاح الهدف الأخلاقي لأفكارنا، ألا وهو خدمة الآخرين، وخاصّة المهمّشين في المجتمع.

ثمّ أطلقنا سلسلة من المبادرات الريادية الرفيعة المستوى المصمّمة صراحة لخلق أثر إيجابي والتجسيد العملي للبيان الجديد المعبّر عن غرضنا. بعض هذه المبادرات كان غير مألوف أبداً، مثل إجراء بحث عن السعادة ومبادرات لها علاقة بالوسائط المتعدّدة التجريبية، فضلاً عن مبادرة للتعاون الأساسي مع الدالاي لاما. وتركّز أحدث مبادراتنا ضمن هذه السلسلة على اليأس والكرامة الإنسانية في أميركا. وهي تهدف إلى إيجاد واقتراح حلول طويلة الأجل للأسباب الجذرية لليأس الاجتماعي والاقتصادي الذي اتسم به جمهور الطرفين المتنافسين في آخر انتخابات رئاسية أميركية. ولهذا البرنامج أربع ركائز رئيسية هي: التدريب المهني والفني لمساعدة الناس في العثور على الوظائف؛ واستعمال فكرة المشروع الحر لتقوية الأمن الاقتصادي للعائلات؛ وإصلاح نظام العدالة الجنائية؛ وإيجاد استراتيجيات جديدة للقضاء على الإدمان المريع على الأفيون.

هذه المبادرة التي بنيناها وسوقنا لها كمشروع ناشئ داخل المعهد، لا تحل مكان أيّ من أعمالنا الأخرى والتي مازالت مستمرة. وبغية التسويق لها بين صفوف المستثمرين، وضعنا نشرة تعريفية تشبه النشرات التعريفية لأي شركة ناشئة جديدة. وبتنا نتواصل مع المانحين المحتملين تماماً كما نتواصل مع أصحاب رأس المال الجريء (والعديد منهم أصلاً من أصحاب رأس المال الجريء). ونتحدّث عن العائد على الاستثمار على دعم هذا المشروع، وننشئ سلّسلة مقاييس للأثر الإيجابي والتي سنستعملها لإثبات النجاح.

كما ساعدنا تركيزنا الجديد على قياس الأثر في تحسين عملية تطوير جمهورنا وتقسيمه إلى شرائح. فنحن نؤمن بأننا قادرون في سوق الأفكار على تصنيف مستهلكي منتجاتنا المحتملين ضمن أربع مجموعات بحسب مدى تقبّلهم لفكرة معيّنة: "المؤمنون الحقيقيون" (الذين يوافقون أصلاً)، و"القابلون للاقتناع" (المنفتحون على الاستماع إلينا)، و"العدوانيون" (الذين يعتقدون بأنّ منظورنا غبي أو شرّير)، و"اللامبالون" (الذين لا يعيرون أيّ اهتمام). ونحن نقاطع هذه المجموعات الأربع التي تتبنّى مواقف مختلفة مع المجموعات الديموغرافية الأساسية الخمس وهم – صنّاع السياسات، وقادة قطاع الأعمال، ووسائل الإعلام، وقادة المجتمع المحلي، والأكاديميون – والتي تشكّل جمهورنا المستهدف. حيث يمنحنا ذلك مصفوفة مؤلفة من أربعة أعمدة وخمسة صفوف، ويمكّننا من موازنة استراتيجياتنا وتقديماتنا بين هذه المجموعات بهدف تعظيم الأثر الإيجابي وخدمة مبادئ رسالتنا بقدر أكبر من الفعالية.

استراتيجيتنا أثمرت

ربما توقعتم أن تطبيق هذه التغييرات لم يكن بالمسألة السهلة دائماً. فقد ارتكبت الكثير من الأخطاء على طول الطريق. وقد تذمّر بعض الزملاء من أنني كنت أطلب منهم قضاء وقت طويل وبذل جهد كبير في جمع البيانات – وفي بعض الحالات كانوا على حق. وفي أكثر من مناسبة، وقعتُ أنا شخصيّاً ضحيّة لقياس الشيء الخاطئ بالكامل. فعلى سبيل المثال، أصبت بالقلق عندما بدأت أعداد الحضور في سلسلة من المناسبات الحيّة بالتراجع. ولكن بعد بضعة أشهر، أشار أحدهم إلى أنّنا كنّا قد بدأنا ببث هذه المناسبات عبر الإنترنت، حيث سجّلت حركة مرور نشطة على موقعنا الإلكتروني. وقد قادت هذه الملاحظة إلى مقياس أفضل حتّى، ألا وهو عدد المشتركين في المناسبات وبرامج الفيديو الأصلية التي تبث على قناتنا على يوتيوب – وهو مقياس يتصدّر فيه معهد المشروع الأميركي على البقيّة في قطاع المعاهد الفكرية.

وعلى الرغم من بعض الهفوات، إلا أنّ استراتيجيتنا أثمرت. فمنذ العام 2008، بلغ المعدّل الوسطي للنمو السنوي في الإيرادات التشغيلية لمعهد المشروع الأميركي ما يُقارب 10%؛ وقد اشترى المعهد مقرّاً جديداً في وسط العاصمة واشنطن وجدّده؛ وارتفع عدد الباحثين والموظفين المتفرّغين من 140 إلى 220. والأهم من ذلك، هو أنّنا رأينا التأثير الإيجابي لبحثنا يزداد بين صفوف صنّاع السياسات وغيرهم من القادة بطرق ملفتة. كما أنّ هذه الفترة تشهد تحولات كبرى في العالم وهذا أمر مهم بالنسبة لمعهد إنتربرايز الأميركي.

استدعى هذا النمو وبشكل طبيعي تغيير هيكلية الإدارة لدينا. فقد بات لدى المدراء اليوم قدر أكبر من السلطة والاستقلال الذاتي فيما يخص الشؤون الإدارية الداخلية، في حين أنّ دوري قد بات أكثر تركيزاً على الخارج. وفي هذه الأيام أصبحت أقضي نصف وقتي مسافراً للقاء المستثمرين المحتملين وإلقاء 175 خطاباً كل عام عن عملنا.

عندما أنظر إلى الوراء وأتذكّر أيّامي الأولى في المعهد أشعر بالامتنان من التحديات المرعبة التي أفضت إلى التغييرات التي أدخلتها في العمل. فبما أنّ المانحين كانوا يطلبون براهين على أنّ منتجاتنا ذات الملامح غير الواضحة بطبعها تترك أثراً إيجابياً، فإنّ ذلك دفعنا إلى تعلّم كيفية قياس هذا الأثر وتوضيحه. ونظراً للحاجّة الملحّة للدعاية لعملنا في سوق مكتظّة، فقد استثمرنا في طرق وأنظمة تواصل سوف تؤتي أكلها لسنوات قادمة. وبالإجمال، فقد حصلت على براهين دامغة على أنّ الأزمة هي أم الاختراع.

لقد باتت المؤسسات غير الربحية تسألنا عن أنظمتنا، كما أنّ العديد من المنظمات الرئيسية طلبت من موظفينا تقديم يد العون للجهات الأخرى التي تحصل على منح منها لتبنّي بعض من ممارساتنا. وهذا بالتأكيد شيء يبعث على الرضا. لكنّ الأهم هو أنني أشعر بالامتنان لقدرتي على مساعدة المشاريع الاجتماعية الزميلة على زيادة الأثر الإيجابي لجهودها في عالم يحتاجها أكثر من أي وقت مضى.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!