تابعنا على لينكد إن

تفشل العديد من عمليات تنفيذ الاستراتيجيات لأن الشركة ليس لديها ما يستحق التنفيذ. ويأتي مستشارو الاستراتيجية ويقومون بعملهم ويوثقون الاستراتيجية الجديدة في عرض بصري (باوربوينت) وتقرير ذو تأثير. وتُنظم لقاءات في القاعة الكبرى ويُطلب من الموظفين تغيير سلوكهم ويُعاد تصميم بطاقات الأداء المتوازن، ويتم تخصيص ميزانيات لدعم المبادرات التي تناسب الاستراتيجية الجديدة. ويتوقف الأمر عند هذا الحد.

ويُعتبر أحد الأسباب الرئيسية لعدم اتخاذ أي إجراء هو أنّ “الاستراتيجيات الجديدة” في أكثر الأحيان ليست استراتيجيات على الإطلاق. إذ تتضمن الاستراتيجية الحقيقية جملة من الخيارات التي تحدد ما الذي ستفعله الشركة وما لن تفعله. ويفشل تنفيذ العديد من الاستراتيجيات على الرغم من الجهود الكبيرة للناس المنكبّين على العمل، لأنها لا تمثل مجموعة من الخيارات الواضحة.

فالكثير مما يُسمى استراتيجيات هي في الحقيقة أهداف. ومن الأمثلة على هذه الأهداف القول: “نريد أن نكون الرقم واحد أو الرقم اثنين في كل الأسواق التي نعمل فيها”. هذا لا يشرح لكم ما الذي ستفعلونه، وجل ما يتم فعله هو القول لكم ما تأملون تحقيقه من نتيجة. ولكنكم ستحتاجون مع ذلك لاستراتيجية من أجل تحقيق ذلك. ربما تعرض بعض الاستراتيجيات القليل من أولويات الشركة وخياراتها، لكنها لا تشكل استراتيجية منسجمة عندما يُنظر إليها بالاقتران معها. لنأخذ على سبيل المثال القول “نريد زيادة كفاءة العمليات، سنستهدف أوروبا، والشرق الأوسط وأفريقيا وسنسحب الاستثمارات من المشروع ’م’”. ربما تشكل هذه قرارات أولويات ممتازة ولكنها لا تشكل معاً استراتيجية.

دعوني أعطيكم مثالاً أفضل. قبل نحو 15 عاماً، كانت شركة هومبي ريلوايز (Hornby Railways) البريطانية الشهيرة للألعاب _المصنعة لنماذج سكك القطارات ومسارات سيارات السباق “سكايلكسكتريك” (Scalextric)_ تواجه الإفلاس. ومع تسلم رئيسها التنفيذي فرانك مارتن منصبه، قررت الشركة تغيير مسارها والتركيز على جامعي الألعاب والهواة بدلاً من ذلك. وفي إطار الاستراتيجية الجديدة هدف مارتن إلى (1): صنع نماذج مصغرة طبق الأصل (بدلاً من الألعاب)، (2): صنع نماذج للجامعين الكبار (بدلاً من الأطفال)، (3): استحضار مشاعر الحنين (لأنها تذكر الكبار بطفولتهم). لقد ضمن هذا التغيير النجاح للشركة وارتفع سعر سهم هومبي من 45 دولار أميركي إلى 330 دولار خلال 5 سنوات فقط.

حصل هذا لأن الاستراتيجية تضمنت مجموعة واضحة من ثلاثة خيارات منسجمة في ما بينها لتشكل مساراً استراتيجياً للشركة. (للأسف، تخلت هومبي في السنوات الماضية عن مجموعة خياراتها ومُنيت بعواقب كارثية، حيث اضطرت إلى إصدار تحذيرات من انخفاض الأرباح وشُجع مارتن على التقاعد المبكر). في غياب وجهة استراتيجية واضحة، يُحكم على أي عملية تطبيق بالفشل.

اشرح المنطق وراء خياراتك

أخبرنا سلاي بايلي عندما كان رئيس ترينيتي ميرور (Trinity Mirror)، وهو أكبر ناشر بريطاني للصحف والمجلات: “إذا كان هناك ما تعلمته بشأن التعريف بالخيارات، هو أنّ علينا دائماً التركيز على شرح ما هي هذه الخيارات. وأدرك اليوم أنّ علينا تخصيص على الأقل وقتاً مماثلاً لشرح المنطق وراء هذه الخيارات”.

من السهل شرح مجموعة تتضمن عدداً محدوداً من الخيارات المنسجمة في ما بينها، مثل نموذج هومبي الكامل الموجه لجامعي السيارات الكبار، والذي يُحيي لديهم الحنين للماضي. وهذا أحد الأسباب الذي يجعلك تحتاج النموذج. إذ لا يمكنك أن تشرح لائحة تتضمن 20 خياراً، فالموظفون ببساطة لن يتذكروها. وإذا لم يتذكروها فهذه الخيارات لا يمكن أن تترك تأثيراً على سلوكهم وفي هذه الحالة لا تكون لديك استراتيجية (وإنما مجرد رزمة من أوراق عرض باور بوينت). مع ذلك، ومثلما اقترح بايلي، لا يكفي التعريف بالخيارات. لنعد إلى مثال هومبي. كان موظفوها – مصممو المنتج والمهندسون الفنيون على سبيل المثال – قادرين على أن يشرحوا خيارات شركتهم الجديدة. لكنهم كانوا أيضاً قادرين على شرح المنطق البسيط وراءها: أنّ أسماء العلامات الشهيرة تجذب الكبار أكثر، وهم يتذكرونها منذ أن كانوا أطفالاً، وأنّ سوق الهوايات أقل تنافسية وفيه حواجز أكثر أمام الداخلين الجدد، في حين أنّ العملاء قلما ينتقلون إلى مورد آخر. ولأنهم فهموا المنطق وراء خيارات فرانك مارتن، اقتنعوا بها وتابعوها وطبقوها في عملهم اليومي.

ليست مجرد عملية تجري من فوق إلى تحت

السبب الثاني الذي يجعل الكثير من جهود التطبيق تفشل هو أنّ المدراء التنفيذيين ينظرون إلى الأمر على أنه عملية تجري من فوق إلى تحت، مجرد عملية من خطوتين: “لقد وضعنا الاستراتيجية، والآن علينا تطبيقها”. هذا لن ينجح على الأرجح. فقلما يكون التنفيذ الناجح للاستراتيجية عبر إصدار سلسلة من القرارات تسير في اتجاه واحد، من فوق إلى تحت. قال الأستاذ في ستانفورد روبرت بورجلمان: “تتميز الشركات الناجحة في حفاظها على عمليات التجربة والاصطفاء الداخلية في اتجاه من الأسفل إلى الأعلى مع الحفاظ في الوقت نفسه على مقاصد استراتيجية تُملى من الأعلى”. هذا كلام صعب، ولكن ما عناه بورجلمان هو أنك تحتاج بالفعل إلى توجه استراتيجي واضح من الأعلى إلى الأسفل (مثل خيارات هومبي). ولكن هذا لن يكون فعالاً إذا لم تمكّن موظفيك في الوقت نفسه من تطوير مبادرات من الأسفل إلى الأعلى داخل الإطار الذي حدده المقصد الاستراتيجي.

كان بورجلمان يتحدث عن إنتل عندما كانت لا تزال شركة تركز على إنتاج رقائق الذاكرة. كانت استراتيجيتها من الأعلى إلى الأسفل واضحة: أن تكون في المقدمة في مجال تكنولوجيا شبه النواقل وأن تستهدف سوق الذاكرة، (إنّ اعتماد مجموعة من ثلاثة خيارات واضحة ليس بالمصادفة). ولكن إنتل طبقت ذلك من خلال توفير استقلالية واسعة وميزانية غير مركزية على مختلف مجموعاتها وفرقها حتى يتمكن الموظفون من القيام بتجارب عبر مبادرات تحيي هذا المقصد الاستراتيجي وتجعله يثمر.

لقد فشل العديد من تلك التجارب “فتم استبعادها”، وفق تعبير بورجلمان، لكن غيرها نجح. وشكّلت إحدى التجارب الناجحة الأساس لتصميم المعالج الصغروي بنتيوم (Pentium microprocessor) الذي حوّل إنتل إلى واحدة من أنجح شركات التكنولوجيا التي عرفها العالم. تحقق النجاح من خلال الجمع بين توجه استراتيجي واضح وواسع من الأعلى إلى الأسفل وجملة من المبادرات من الأسفل إلى الأعلى.

دع الاصطفاء يحصل بصورة عضوية

من الأخطاء الشائعة في عملية التطبيق من الأسفل إلى الأعلى هو أنّ الكثير من كبار المدراء لا يمكنهم مقاومة أن ينتقوا بأنفسهم. فهم ينظرون إلى مختلف المبادرات التي يقترحها الموظفون كجزء من عملية تطبيق الاستراتيجية ومن ثم يختارون التي تروق لهم أكثر. بدلاً من ذلك، يتعين على كبار المدراء التنفيذيين أن يقاوموا إغراء تقرير أي المشاريع تُعتمد وأيها يتم التخلي عنها داخل شركتهم. يتطلب تطبيق الاستراتيجية من كبار المدراء أن يصمموا النظام الداخلي للشركة الذي يقوم بالانتقاء بدلاً منهم. لم يختر كبار مدراء إنتل على سبيل المثال بين مختلف المبادرات في الشركة بصورة شخصية وإنما استعانوا بمعادلة موضوعية لتحديد الطاقة الإنتاجية. ومنحوا كذلك مدراء الأقسام استقلالية تامة ليقرروا ما هي التكنولوجيا التي يريدون أن يعملوا عليها، وهكذا فإنّ المشاريع التي لقيت تأييد عدد قليل من الناس فشلت تلقائياً.

كن شجاعاً بما يكفي لمقاومة اتخاذ خيارات ينبغي أن تجري من الأسفل إلى الأعلى، وإنما اطلب تصميم نظام يفعل ذلك من أجلك.

اجعل التغيير مبدأ أساسياً بالنسبة لك

في النهاية، يُعتبر السبب الآخر الذي يجعل الكثير من جهود التطبيق تفشل هو أنها عادة ما تتطلب تغيير عادات الناس. والمعروف أنّ العادات في الشركات تكون ملتصقة وعنيدة. بالطبع لن يغيّر الناس عاداتهم لمجرد أن تطلب منهم ذلك خلال اجتماع عام. حتى أنّ الناس في كثير من الأحيان لا ينتبهون أنهم يفعلون أشياء بطريقة ما، وأنّ هناك طرقاً أخرى للقيام بالعملية نفسها.

يُعتبر التعرف على العادات السيئة التي تعيق تنفيذ استراتيجيتك ليس بالعملية السهلة ولكن وكما شرحت في كتابي “التخلص من العادات السيئة” (Breaking Bad Habits)، هناك عدة ممارسات يمكن دمجها بشركتك لتضمن النجاح. واعتماداً على ظروفك الخاصة واستراتيجيتك، قد يتضمن ذلك التعامل مع عملاء أو مشاريع صعبة تتناسب مع استراتيجيتك الجديدة وتحفّز على التعلم في مختلف أقسام الشركة. ربما يتطلب الأمر تغيير تشكيلة الفرق والوحدات لتغيير الطرق التي اعتادوا العمل وفقها وتعريفهم على طرق عمل بديلة. ربما يتضمن التعرف على عمليات العمل الرئيسية وطرح سؤال : “لماذا نفعل هذا بهذه الطريقة؟”، إذا قوبلت بهزة كتف وبأحدهم يقول “لقد اعتدنا على أن نفعل بهذه الطريقة”، فقد يكون مرشحاً رئيسياً للتغيير.

هناك في العادة طرق مختلفة لأداء الأمور، وقلّما يقتصر الأمر على حل وحيد لا تشوبه شائبة، بما أنّ كل الخيارات لديها محاسن ومساوئ، سواء تعلق الأمر بهيكلية الشركة، أو نظام الحوافز، أو نظام تخصيص الموارد. نحن نقاوم التغيير في أكثر الأحيان إلا إذا اتضح لنا تماماً أنّ البديل أفضل بكثير. مع ذلك فإنه لإنجاح عملية تطبيق الاستراتيجية، من المفيد تعديل الأساس: غيّر إلا إذا اتضح لك بما لا يحتمل الشك أنّ الطريقة القديمة أفضل بكثير. فالتطبيق يستدعي التغيير، لذلك، كن مع التغيير.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz