تابعنا على لينكد إن

يسمع القادة هذه الأيام الكثير عن أهمية وجود شبكات علاقات اجتماعية جيدة. فمثلاً، الشركات التي يديرها رؤساء تنفيذيون ذوو علاقات اجتماعية جيدة  يمكنها الحصول على تمويل بفوائد أقل، والشركات التي يديرها مجلس إدارة يملك علاقات اجتماعية قوية تشهد أداء أفضل. وأردنا معرفة ما إذا كان هناك من تأثير لتنوع شبكات العلاقات الإجتماعية للرؤساء التنفيذيين على شركاتهم. ولمعرفة ذلك أجرينا دراسة، تم نشرها في جورنال أوف كوربرت فايننس (Journal of Corporate Finance)، تبين من خلالها أنّ الرؤساء التنفيذيين الذين يتمتعون بعلاقات إجتماعية قوية مع أشخاص من خلفيات اجتماعية ومهارات مختلفة يضفون إلى الشركة  قيمة أكبر. كما وجدنا أنّ هذه القيمة تظهر من خلال ابتكارات أفضل للشركة وعمليات دمج واستحواذ ناجحة ومتنوعة. وقد تبين من دراستنا أنّ تنوع العلاقات الاجتماعية للقادة عنصر أساسي في كيفية تطوير شركاتهم.

باستخدام بيانات بوردأكس (BoardEx) _ وهي معلومات تحوي سيرة معظم أعضاء مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين في العالم – التي يقدمها مركز أداء الشركات، قمنا بدراسة عينة من 1,212 رئيساً تنفيذياً من شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 1,500 بين عامي 2000 و2010. وقمنا بتحليل شبكة علاقات كل رئيس تنفيذي من خلال توثيق العلاقات السابقة التي أقامها خلال أيام الدراسة وضمن نطاق العمل وضمن الحلقات الاجتماعية الترفيهية (مثل النوادي والجمعيات الخيرية …وغير ذلك). وكان يجب أن تكون تلك العلاقات مع كبار المدراء على الأقل أو مع أشخاص يشغلون مناصب أعلى ليتم أخذها بعين الاعتبار .

ولقياس تنوع شبكات علاقاتهم الاجتماعية، قمنا بجمع ستة عوامل – الجنس، والجنسية، والدرجات الأكاديمية، والتخصصات، والخبرة المهنية، وخبرة العمل العالمية – في مؤشر واحد للتنوع عبر استخدام تحليل العامل المشترك، وهو أداة إحصائية  تظهر أكبر عدد من الاختلافات المشتركة للمكونات المختلفة الستة. وقمنا بقياس قيمة شركتهم مستخدمين نظرية “توبين كيو” (Tobin’s Q)، وهي عبارة عن نسبة قيمة أصول الشركة في السوق إلى القيمة الإجمالية لأصول الشركة.

لتقدير مدى تأثير تنوع علاقات الرؤساء التنفيذيين الاجتماعية على قيمة شركاتهم، استخدمنا نماذج الانحدار البسيط – وهي نماذج إحصائية تحليلية تستخدم لتقدير العلاقة بين مجموعة متغيرات وإدارتها والتحكم بها للمساهمة في تحسين قيمة الشركة، مثل حجم الشركة والربحية والنفوذ المالي وكثافة الاستثمار وحوكمة الشركات.

وأظهرت نتائج تقديراتنا أنه كلما اتسعت شبكة علاقات الرئيس التنفيذي استطاع  تحقيق قيمة أعلى للشركة. على سبيل المثال، إنّ الرئيس التنفيذي الذي بلغ معدل تنوع علاقاته الاجتماعية 75% وفق مؤشر التنوع  الذي نعتمده رفع نسبة “توبن كيو” بمقدار 0.017، مقارنة برئيس تنفيذي عادي معدل تنوّع علاقاته الاجتماعية 50% وفق معدل التنوع ذاته. أما الرئيس التنفيذي الذي لا يتمتع بعلاقات اجتماعية متنوعة (25% وفق مؤشر التنوع الذي نعتمده) سجّل انخفاضاً بلغ 0.028 في معدل “توبين كيو” مقارنة برئيس تنفيذي عادي. لترجمة هذا الكلام على  نحو اقتصادي يمكننا القول: أنّ رفع قيمة الشركة بنسبة 0.017 تعادل زيادة قدرها 81 مليون دولار للقيمة السوقية لشركة متوسطة الحجم من عينة ستاندرد آند بورز 1,500 التي اعتمدناها. وإذا أخذنا بالاعتبار أنّ المعدل الوسطي لأجور الرؤساء التنفيذيين للشركات التي تتبع تصنيف ستاندرد آند بورز 1,500 كان حوالي 5 ملايين دولار خلال فترة اعتمادنا تلك العينة من الشركات، يتبين لنا أنّ الرئيس التنفيذي الذي يتمتع بعلاقات اجتماعية متنوعة استطاع  رفع قيمة الشركة في السوق 16 مرة تقريباً أكثر من قيمة التعويضات التي يحصل عليها.

إلى جانب ذلك، أجرينا أيضاً دراسة عملية لمعرفة إذا ما كان السوق يتقبل بشكل أفضل الرؤساء التنفيذيين المعينين حديثاً والذين يتمتعون بشبكة علاقات  أكثر تنوعاً من أولئك الذين سبقوهم. وبعد النجاح باختيار مجموعة تحكم تتشارك ذات خصائص الشركة وصفات الرئيس التنفيذي مع مجموعة الاختبار التي قمنا باختيارها، وجدنا أنّ الشركات التي يتمتع رئيسها التنفيذي الجديد بشبكة علاقات أكثر تنوعاً من سلفه شهدت ردود فعل إيجابية وملحوظة في أسواق المال على المدى القصير (جرى قياس ذلك من خلال الإعلان عن العوائد الاستثنائية المتراكمة أو مجموع عوائد الأسهم على مدار عدة أيام بعد إعلان تعيين الرئيس التنفيذي الجديد). على خلاف ذلك ، فقد شهدت الشركات التي لم يكن لدى رئيسها التنفيذي الجديد شبكة علاقات متنوعة كسلفه انخفاضاً ملحوظاً في العوائد المتراكمة الاستثنائية.

وكان علينا تحليل مع بعض التحديثات التي واجهتنا خلال تفسير النتائج التي حققتها بعض الشركات، ومنها مثلاً؛ هل تحققت هذه النتائج بفضل حجم شبكة علاقات الرئيس التنفيذي أم بسبب تنوعها؟ لاستبعاد هذا الاحتمال، عمدنا إلى تحديد حجم شبكة العلاقات في جميع الاختبارات. ومن التحديات الأخرى التي ظهرت كانت السببية العكسية، فالشركات الأفضل أداء  قد تتيح للرؤساء التنفيذيين توسيع علاقاتهم الاجتماعية لتشمل مجموعة أكبر وأكثر تنوعاً من الناس. لمعالجة هذا الاحتمال، استخدمنا متغيرات فعالة لمعرفة (1) التنوع الجيني لبلدان منشأ الرؤساء التنفيذيين. (2) التنوع الاجتماعي للجامعات التي ارتادوها. واعتبرنا هذين المتغيرين بمثابة دليل جيد لمعرفة مدى تنوع شبكة علاقات الرئيس التنفيذي، إذ أنهما يعكسان الخصائص الاجتماعية والثقافية والنفسية والفسيولوجية والمؤسساتية الراسخة التي قد تشكّل نظرة الرؤساء التنفيذيين لتنوع العلاقات، ولن يكون لخصائص الشركة من تأثير عليهما. وباستخدام هذين المتغيرين لقياس تنوع شبكة العلاقات، وصلنا للنتائج ذاتها: كلما ازداد تنوع شبكة علاقات الرئيس التنفيذي ارتفعت قيمة الشركة أكثر.

وزيادة في توطيد عنصر السببية، أجرينا تجربة شبه طبيعية لمعرفة ما يحدث عندما يتغير تنوع العلاقات الاجتماعية للرئيس التنفيذي. فعمدنا إلى جمع بيانات من “بوردأكس” تظهر التطورات التي تعقب وفاة أو تقاعد شخص ما من شبكة علاقات الرئيس التنفيذي، إذ أنّ ذلك قد يُحدث تغييراً في عدم تجانس شبكته. فوجدنا أنه بعد عام أو عامين من الهزة التي أصابت شبكة الرئيس التنفيذي ومن ثم ازدياد تنوعها، ارتفعت قيمة شركته. وأكدت النتائج وجود تحسن كبير داخل الشركة لقيمتها نتيجة لزيادة تنوع العلاقات الاجتماعية.

ولكن لماذا تعزز العلاقات الاجتماعية المتنوعة قيمة الشركة؟ للأجابة عن هذا السؤال، تحولت مهمتنا لفهم الآليات التي تؤدي لهذا التأثير. لقد سلطت الكتابات عن تنوع العلاقات الاجتماعية الضوء على عدد من الفرضيات. وإحدى هذه الفرضيات هي أنّ وجود شبكة علاقات أكثر تنوعاً من شأنها أن تتيح للرؤساء التنفيذيين الاطلاع على مجموعات متنوعة من المعرفة، وذلك قد يُنتج أفكاراً جديدة ورغبة في التعامل مع مشاريع مبتكرة. في حال حدوث ذلك، فإننا نتوقع من الشركة المزيد من الابتكار. وقد وجدنا دليلاً قوياً على أنّ شركات الرؤساء التنفيذيين الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية كثيرة ومتنوعة تمتلك براءات اختراع أعلى جودة، وفقاً لعدد الاستشهادات والتعليقات على براءات الاختراع ومقدار التقنيات الجديدة التي تصبح متوافرة من خلال عملية الابتكار التي يتبعونها.

أما الفرضية الثانية التي أخذناها بعين الاعتبار هي أنّ العلاقات الاجتماعية غير المتجانسة ستزيد من قدرة الرئيس التنفيذي على اكتساب شبكة من العلاقات الخارجية وتحديد الفرص التجارية الجيدة في صناعات أخرى. في هذه الحالة، نتوقع أن ينجح كبار الرؤساء التنفيذيين ممن يتمتعون بعلاقات اجتماعية متنوعة في تنفيذ عمليات دمج واستحواذ (M&A) متنوعة لا سيما خارج حدود بلادهم. لاختبار ذلك ، درسنا ردود فعل السوق في الفترة التي أعقبت الإعلان عن عمليات الدمج. فتبين لنا أنّ مستوى العلاقات الاجتماعية المتنوعة للرئيس التنفيذي المستحوذ (على الشركة قيد الدمج) تؤثر إيجاباً على تفاعلات سوق الأسهم عند وضع اليد على هدف في صناعة مختلفة أو في بلد مختلف. (وقد تبين لنا أيضاً أن تنوّع علاقات الرؤساء التنفيذيين ليس بذي أهمية  في حال كانت الشركات المستهدفة في نفس مجال الصناعة أو في البلد ذاته).

تنطوي نتائجنا على استنتاجات واسعة. أولاً، يحتاج الرؤساء التنفيذيون في هذه المرحلة إلى معرفة واسعة النطاق للقيام بابتكارات ومواجهة الضغط التنافسي المتزايد. على الرغم من أنّ اكتساب المعرفة قد يكون مكلفاً، إلا أنّ النتائج التي وصلنا إليها تشير إلى أنه كلما تنوعت واتسعت شبكة العلاقات الاجتماعية  للرئيس التنفيذي، زادت فرص النمو للشركة من خلال انفتاحها على أنواع مختلفة من المعلومات والمعرفة. ويجب أن تحث نتائجنا المساهمين على الآخذ بعين الاعتبار كيف أن تنوّع العلاقات الاجتماعية للإدارة العليا وأعضاء مجلس الإدارة من شأنه أن يرفع من قيمة الشركة في ضوء تغيّر وجه القوى العاملة وزيادة المنافسة العالمية.

ثانياً، يُشكل التنوّع المتزايد في مكان العمل مسألة نقاش أساسية. إذ يدعي البعض أنّ الشركات مجبرة على توظيف الأقليات لأسباب أخلاقية وليس بغية الربح، في حين يقول آخرون أنّ الشركات يجب أن تسعى جاهدة لتوظيف موظفين موهوبين لديهم تنوّع في الخبرات والمعرفة والخلفيات الثقافية، لأنهم  يساعدون الشركات في النجاح في السوق العالمية. من خلال منظار علاقات الرؤساء التنفيذيين في سوق العمل، تقدّم نتائجنا دليلاً أكاديمياً على أنّ التنوع وعدم التجانس هما في الواقع أصول ملموسة تزيد أرباح الشركة.

وفيما توفر الدراسة الحالية تبريراً تجريبياً لأهمية وقيمة تكوين علاقات اجتماعية غير متجانسة ، إلا أنّ هذه النتائج لا تعني أنه على الرؤساء التنفيذيين أن يزيدوا من تنوع علاقاتهم الاجتماعية دون الآخذ بعين الاعتبار تكاليف تكوين أنواع متعددة من العلاقات والحفاظ عليها. ولا يمكننا تجاهل احتمال وجود سلبيات لتلك العلاقات المتنوعة. فعلى سبيل المثال، النزاعات التي قد تنجم عن التنوّع بين المجموعات قد تؤثر سلباً على الأداء. كما وقد ينشغل الرؤساء التنفيذيون ذوي العلاقات الاجتماعية المتنوعة عن العمل لخدمة مصالح المساهمين نتيجة انشغالهم بالتفاعلات الاجتماعية.

إلا أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها نتيجة بحثنا هذا هي أنّ فائدة العلاقات الاجتماعية المتنوعة تفوق بشكل عام الكلفة التي قد تنجم عنها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz