جميعنا لا نحب تخييب آمال من هم حولنا كمدرائنا أو زملائنا أو أصدقائنا أو عائلاتنا، إنها ثقافة "نعم". لهذا نكثر من قولها حتى حينما يتوجب علينا قول "لا".

لا ضرر من رغبتنا بالإرضاء. فنحن مبرمجون على ذلك، لكن من دون المبالغة في إغراق أنفسنا بالالتزامات، لأننا بذلك نبدد وقتنا في تلبية متطلبات معينة بدل خلق قيمة حقيقية.

وتفاقمت هذه المشكلة في السنوات الأخيرة مع تحول مبدأ الارتياح للشخص المتقدم للوظيفة إلى محدد أساسي للفوز بالفرص المهنية والوظائف الأُخرى. لكن إليك هنا المشكلة في الثقافة المؤسساتية القائمة على مبدأ الارتياح للشخص المتقدم للوظيفة: فعندما يكون لدى الموظفين خوف من رفض المشاريع غير الحاسمة فإنّ الأفكار الجيدة تُخنق، كما أنّ عدم تمكّن الأفراد من قول "لا" للمهام قليلة الأهمية يعني توقفهم عن الابتكار.

هذا التوظيف الخاطئ للمواهب متفش في المؤسسات الكبرى اليوم.

وعليه، حينما أتحدث عن شركة لديها ثقافة "نعم" قوية، أطلب عادة من الموظفين إغماض أعينهم ورفع أيديهم إذا كانوا يعملون على مشروع لا يؤمنون بنجاحه. إذ ترتفع غالباً معظم الأيادي في كل مرة. لكن طبعاً، هم لا يرفعونها بثقة لأنهم يعرفون أنّ التعبير عن الآراء ليس محبذاً، لكن مشاعرهم القوية حيال الموضوع تضطرهم لقول شيء.

وفي السياق ذاته، تُعتبر جميع الشركات في سباق لخلق القيمة. وأنت لست مطالباً فقط بخلق قيمة لعملائك، بل عليك أيضاً خلق القيمة قبل القيام بذلك أحد غيرك. حيث يتطلب ذلك التمكن من قول "نعم" للأفكار الجيدة بحق، والأهم من هذا قول "لا" لجميع الأفكار الأُخرى غير الجيدة.

وإليك هنا كيف تغرس تلك العقلية في مؤسستك:

1- أسس نظاماً لتقييم القيمة.

فبدل قول "نعم" أو "لا" لمشروع ما، صنّف جميع المبادرات الجديدة على مقياس من 1 إلى 10. واطلب من كل قسم وضع معايير تقيّم الفرص الجديدة على أساس أمور مثل التكاليف وكيفية تأثر العملاء والعائد الذي سوف تحققه. واستخدم هذه المعايير للتقييم في المرة القادمة التي يطلب فيها مدير تنفيذي من الفريق تغيير مساره.

إذ عملت مع شركة لتطوير البرامج كان رئيسها التنفيذي يأتي كل أسبوع بميزة لمنتج جديد. أرهقت طلباته الموظفين الذين لم يعرفوا كيف يقيّمونها على أساس ما كان يصلهم من آراء العملاء. لهذا وضعوا أداة لتقييم القيمة. وكان للمدير إسهام فيها وأخذوا يمررون جميع الطلبات عبرها. حيث ساعد هذا الفريق ليس في تحديد أولويات الطلبات على أساس ما تقدمه من قيمة، لكن أيضاً لمعرفة الميزات المقترحة التي لم تكن ستجلب ما يكفي من القيمة للمؤسسة.

وجميعنا لدينا مشروعنا الخاص أو تحيزاتنا لأشياء معينة تهمنا. فتقييم القيمة هذا يمنع شخصنة عملية اتخاذ القرار ويساعد الفريق للتوافق على المشاريع التي يصنفونها على أنها في المرتبة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة بالنسبة للقسم.

2- انتبه للإشارات التحذيرية.

في عام 2005، قدّمت مؤسسة "فرونتلاين" (Frontline) للأميركيين ابتكار "بلاي بامب" (PlayPump) الذي صممه عن حسن نية أحد المخترعين ليعالج مشكلة واقعية تتمثل بأنّ الكثير من الأفريقيين عليهم ضخ ما يحتاجونه من الماء يدوياً في عملية مرهقة تستغرق الكثير من الوقت. فابتكر المخترع مضخة من نوع جديد يشغلها الأطفال بينما يلعبون على جهاز دوّار. أُعجب الناس بالفكرة وتبرعوا بالملايين لتركيب 4,000 من مضخات المرح هذه في القرى الأفريقية.

ولكن لسوء الحظ، كانت المضخات كارثية. فقد افتقرت للكفاءة وكان صعباً على الراشدين التعامل معها. بالطبع، كان الراشدون المشغلون الأساسيون لها، لأن الأولاد كانوا يتعبون من استخدامها بعد ربع ساعة تقريباً. وفي خضم كل ذاك الحماس للابتكار، لم يخطر على بال أحد مراقبة كيفية استخدام القرويين للاختراع قبل تعميمه على آلاف المجتمعات. فلو أنهم أجروا تجربة مبكرة لعلموا فوراً المؤشرات الحيوية للمشروع، ولكان لا يزال أمامهم متسع من الوقت لإدخال تعديلات عليه. ولعلك لم تمر بنكبة على مستوى "بلاي بامب"، لكنك غالباً استثمرت وقتاً ومالاً على أفكار لم تنجح. حيث مجرد كون الفكرة جيدة لا يعني أنها سوف تترجم جيداً في العالم الواقعي.

في غضون ذلك، تُستخدم المؤشرات الحيوية للحرص على نجاح فكرتك وذلك بقياسها على سؤالين اثنين: متى ستعرف أنّ الفكرة لن تنجح؟، وكيف ستعرف ذلك؟ يكمن فشل "بلاي بامب" في عدم قياسها على هذين المقياسين ما جعل الانتكاسة التي لحقت بالابتكار محتومة. لكن لو أنّ الفريق انتظر لإجراء دراسة خارجية تقيس فعالية النظام أو لو أدخلوا الفكرة على مستوى ضيق أولاً بدل تركيب 4000 وحدة لكان من المستحيل أن تمر مؤشرات الفشل تلك دون ملاحظتها.

وكما هو الحال في "بلاي بامب"، معظم المؤسسات لا تقيس إلا مؤشرات النجاح، والأرقام التي تُخبرهم كم كان أداؤهم جيداً، وكم جمعوا من المال وكم مضخة رُكبّت وما مدى التزامهم بالميزانية ووقت التسليم، بينما يتجنبون المؤشرات الحيوية التي هي بمثابة إشارات تحذيرية مهمة قبل إنفاق كل تلك الموارد وقبل فوات الأوان لإدخال تعديلات.

3- احتفِ بقول "لا".

ليس سهلاً قول "لا" للمشاريع والأفكار السيئة، لكن قولك "لا" للأفكار غير الجيدة بما يكفي يفتح أمامك الكثير من الفرص الكبرى.

إذ كان ستيف جوبز يفتخر بقول "لا". حيث أدرك أنه كي يتمكن من فعل الأمور المهمة، سيحتاج لتركيز انتباهه فقط على الأولويات الأعظم أهمية. وكما عبّر عن ذلك في مؤتمر عام 1997 بقوله: "يعتقد الناس أنّ التركيز يعني قول "نعم" للأشياء التي عليهم التركيز عليها. الأمر ليس كذلك بتاتاً. بل يعني قول "لا" لمئات الأفكار الجيدة حولك. إذ عليك الانتقاء بعناية. وفي الواقع فخري بما لم أفعله لا يقل أبداً عن فخري بما فعلته. الابتكار يعني قول "لا" لألف شيء".

وألهمتني قدوة ستيف جوبز لتطبيق معايير صارمة في عملي وحياتي الشخصية. فباستخدام نظام التقييم الشخصي الوارد وصفه أعلاه، أقول "لا" لأي شيء تقييمه أقل من 7. إذ لا أضيع وقتي على أي شيء لا يخلق قيمة لعائلتي أو لعملائي أو للقضايا والأعمال الخيرية التي أهتم بها.

إلى جانب، مبدأ تشجيع أقسام الشركة وأفراد الفريق على رسم حدود لهم، ومراقبة كيف يغير ذلك من جودة نتائج عملهم. حيث بناء آلية لقول "لا" للأفكار غير الجيدة يخلق مساحة للأفكار المبتكرة كي تنمو. ولأن قول "لا" غير محبذ، تلجأ الكثير من الفرق على عدم المشاركة بالفكرة غير المحبذة وتتبّع ما يحدث. لذلك امدح موظفيك وكافئهم ليس فقط على الأفكار الرائعة التي يوافقون عليها، بل أيضاً على الأفكار العابرة التي يتجاهلونها.

4- كافئ المبادرة.

إذا جاء موظف بفكرة مثيرة وقابلة للتطبيق، اجعله يعمل عليها. هذا ما فعلته شركة "أوبر" (Uber) عندما اقترح موظف فكرة لتقديم عرض ترويجي جديد. حيث لاحظ هذا المدير أنّ الشركة تتلقى الكثير من الطلبات من منظمي الفعاليات للحصول على رموز ترويجية يمكن للمشاركين استخدامها لحجز الخدمة. ولأن هذه لم تكن ميزة تُسوّق على نطاق واسع، كان على أحد ما وضع تلك الرموز الترويجية يدوياً لكل عميل.

فشجع قادة "أوبر" المدير على وضع آلية أكثر سلاسة، وساعدوه على استئجار عقار من (Airbnb) لعطلة نهاية الأسبوع من أجل العمل على الفكرة. وخلال أيام قليلة، كان المنتج جاهزاً ليستخدمه 50,000 عميل من قطاع "أوبر للأعمال". هذا مثال عن معرفة متى تقول "نعم" للفكرة الجيدة بينما تقول "لا" للطرق الرجعية في تناولها.

وتُعتبر أهم مهارة يمكن لأي قائد تعلمها هي كيف ومتى يقول "لا". فعندما تكون قادراً على التخلي بثقة عن الفرص التي لا تولد القيمة سيكون لديك الوقت والموارد لقول "نعم" لتلك التي تحقق قيمة حقيقية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "ساعد أعضاء فريقك ليتوقفوا عن إغراق أنفسهم بالالتزامات"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Aida.Noureldin
Member
Aida.Noureldin
1 سنة 4 شهور منذ

الحقيقة أنا بأستفيد كثيرا جدا من مقالتكم

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!