تابعنا على لينكد إن

يحقق البث التلفزيوني المدفوع الأجر أكثر من 100 مليار دولار من الإيرادات في الولايات المتحدة، وهنالك طيف واسع من الشركات الكبيرة والصغيرة تتنافس للفوز بحصة من هذه السوق. وفي العام 2012 كانت نسبة الأسر الأميركية المشتركة بالكابل أو الساتلايت أو خدمات البث التلفزيوني الأخرى المدفوعة الأجر تفوق الـ90%. غير أنّ السوق مضطرب جداً، على الرغم من محاولات الإيحاء بأنّ الأمور تجري كالمعتاد. ومن المؤشرات على ذلك الاضطراب أنّ تلك النسبة قد انخفضت بشكل ملحوظ في السنوات القليلة الماضية. فقد بات اليوم الكثيرون ممن أوقفوا اشتراكهم بالبث التلفزيوني المدفوع الأجر، وممن لم يشتركوا أصلاً بتلك الخدمة، يستخدمون عوضاً عن ذلك خدمات البث الشبكي.

ولا تعد هذه التغيّرات مفاجئة بالضرورة، إذ أنّ لها سوابق عديدة في الأيام الأولى لإطلاق البث الشبكي (وسنرى المزيد حول ذلك لاحقاً). علاوة على ذلك، نتوقع استمرار هذا التطور: فمع توفر المزيد من المحتوى على الشبكة، سيجد عدد أكبر من الأسر أنّ من مصلحتها إلغاء اشتراكها بالبث التلفزيوني المدفوع الأجر والاكتفاء بالبث الشبكي.

وما يثير الاهتمام أكثر، هو ما يقود إلى هذه التغييرات. فطالما أراد المستخدمون توفير المال من اشتراكاتهم على سبيل المثال، ولذلك يعد سعر الخدمة عاملاً مهماً. وكذلك، تُعد طريقة إيصال الخدمة والتكنولوجيا المستعملة مهمة أيضاً. لكن الأهم من ذلك كله هو المحتوى الأصيل والمتميز، الذي يعتقد العالمون بهذا القطاع أنه المحفز الفعلي للاشتراكات بالبث الشبكي. واتساقاً مع هذا الاعتقاد بات مزودو محتوى البث الشبكي يتجهون مؤخراً نحو الاستثمار أكثر فأكثر في تقديم المحتوى الأصيل المتميز – فقد بدأت كل من شركة نتفليكس وأمازون وحتى شركة آبل في إنتاج وبث عروضها الخاصة (مع أنه يجدر أن نشير إلى أنّ نتفليكس قد ادعت مؤخراً أنّ الزبائن لا يهمهم من أين يأتي المحتوى الذي يشاهدونه).

ولكن، هل هنالك دليل يدعم الاعتقاد بأهمية المحتوى الأصيل والمتميز؟ والسؤال الأبرز ربما هو: هل كان هنالك أي مؤشر أثناء انطلاق خدمات البث الشبكي على أنّ المحتوى الأصيل والمتميز من شأنه أن يحفز الاشتراكات؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، قمنا أنا وشين غرينستاين من كلية هارفارد للأعمال، بدراسة الدوافع التي تقف وراء إيقاف الاشتراك بالبث التلفزيوني، مع تركيز خاص على المحتوى. لقد بدأت شركتا نتفليكس وهولو بتوفير خدمات البث الشبكي في عامي 2007 و2008 على التوالي، وبحلول أواخر العام 2008 تشاركتا كلاهما مع شبكات كبرى لتوفير المحتوى التلفزيوني. وتُعرف خدمات بث المحتوى الشبكي هذه بخدمات “أوفر ذا توب” (OTT)، وتعد وسيلة بديلة عن البث التلفزيوني للوصول إلى نفس المحتوى. ولا شك في أنّ ظهور هذه الوسائل البديلة قد أثر في قرارات الشراء لدى الزبائن. وبما أننا مهتمون بالمحتوى، فقد تساءلنا ما إذا كان محتوى عروض خدمات “أوفر ذا توب” يشكل عاملاً محفزاً لدى الزبائن لإيقاف الاشتراك بخدمة البث التلفزيوني.

استخدمنا لإجراء تحليلاتنا مجموعة بيانات غنية قدمتها لنا مؤسسة فوريستر ريسيرتش. وتتألف مجموعة البيانات هذه من مسوح عريضة ومستقلة لعشرات آلاف الأسر الأميركية على قاعدة سنوية. وتجمع المسوح معلومات عن المشتريات التكنولوجية لتلك الأسر وتفضيلاتها إلى جانب طيف واسع من المعلومات الديموغرافية حولها (كالدخل ومستوى التعليم والمنطقة التي تعيش فيها الأسرة). ولقد ركزنا في تحليلنا على السنوات الثلاث الأخيرة (2007-2009) من المسوح التي بحوزتنا، في الوقت الذي حدثت فيه التغييرات المذكورة سابقاً بخصوص سوق بث المحتوى التلفزيوني في الولايات المتحدة. وهذا يعني أنّ تحليلنا قد درس الخيارات التي كانت متوفرة أمام أولى زبائن خدمات البث الشبكي عند انطلاقها. وتجدر الإشارة إلى أنّ بيانات فوريستر احتوت على معلومات حول القنوات التلفزيونية التي كان المستجيبون المشتركون بالبث التلفزيوني يشاهدونها بشكل منتظم. ومن جهة أخرى، أغنينا هذه البيانات بمعلومات حول المحتوى التلفزيوني المقدم من قبل شركتي هولو ونتفليكس في نهاية العام 2009، وذلك بالاعتماد على أرشيف الإنترنت والبيانات الصحفية لهاتين الشركتين.

أخذنا في تحليلنا كل أسرة في بيانات العام 2009 وحددنا مجموعة من الأسر في بيانات العام 2008 تشبه تلك الأسرة بالمقاييس الديموغرافية الأساسية (المنطقة التي تعيش فيها، وسوية التعليم، وحجم الأسرة، وعمر معيل الأسرة، ودخله). ومن ثم قمنا باختبار ما إذا كان هنالك ترابط بين احتمال وقف اشتراك أسرة العام 2009 بالبث التلفزيوني المدفوع، ووسطي نسب مشاهدة أسر العام 2008 للقنوات التلفزيونية التي كانت تقدم محتواها على مواقع هولو أو نتفليكس أو كليهما. وبعبارة أبسط، قمنا باختبار ما إذا كانت الأسرة التي تفضل مشاهدة بعض القنوات التلفزيونية ستوقف اشتراكها بالبث التلفزيوني المدفوع إذا ما بدأت تلك القنوات تُعرض أيضاً على مواقع البث الشبكي مثل هولو ونتفليكس. وتقوم فاعلية منهجنا على افتراض أن عادات المشاهدة لدى أسر العام 2009 بالمتوسط هي نفسها لدى أسر العام 2008 المكافئة لها ديموغرافياً. وهكذا فإذا كانت تفضيلات الأسر قادرة على توقع إيقافها لاشتراكها بالبث التلفزيوني المدفوع، يكون لعامل محتوى البث الشبكي أثر مهم في قرار إيقاف الاشتراك بالبث التلفزيوني؛ وإن لم تكن تلك التفضيلات قادرة على توقع إيقاف الاشتراك، تكون هنالك عوامل أخرى أكثر أهمية من عامل محتوى البث الشبكي.

تظهر بياناتنا تزايداً ملحوظاً في إيقاف الاشتراك بالبث التلفزيوني المدفوع بين عامي 2008 و2009، الأمر الذي يجعل هذه الفترة جذابة أكثر للبحث عن محفزات ذلك الإيقاف. غير أنّ تحليلنا الكامل لا يظهر حتى الآن أي مؤشر على أنّ إضافة خدمة البث الشبكي لأحد القنوات التلفزيونية المرغوبة يعد محفزاً واضحاً على إيقاف الاشتراك بالبث التلفزيوني المدفوع. وبعبارة أخرى، إذا أصبحت البرامج التلفزيونية المحببة لدى أسرة ما متاحة من خلال البث الشبكي لشركة نتفليكس على سبيل المثال، فإنّ هذا لوحده لا يزيد من احتمال أن توقف تلك الأسرة اشتراكها بالبث التلفزيوني العادي المدفوع وتعتمد على مشاهدة برامجها المفضلة عبر الشبكة. كما وجدنا مؤشراً على أنّ الأسر التي تنحو أصلاً إلى إيقاف اشتراكها بالبث التلفزيوني (الشباب وأصحاب الدخل المنخفض) غدت خلال هذه السنوات الثلاث أكثر ميلاً لتقوم بذلك.

تشير نتائجنا إلى أنّ استراتيجية عرض محتوى القنوات التلفزيونية لا تكفي لجعل الناس يشتركون بخدمة البث الشبكي. وبناء على هذا الفهم وجدنا أنّ تقديم خدمة البث الشبكي لمحتوى أصيل ومميز قد يكون أحد الوسائل المهمة التي تميز عروض هذه الخدمة عن عروض منافسيها. ولعل هذه النتائج تؤكد التوجهات الراهنة حول المحتوى الأصيل والمتميز، وتظهر في الوقت نفسه أنّ خبرة مزودي خدمة البث الشبكي الأوائل كانت تشير منذ البداية إلى ترجيح ظهور هذه التوجهات. وتلقي النقطة الأخيرة الضوء على أهمية التعرف على ما يحفز (وما لا يحفز) أصحاب التحرك المبكر: فالشركات التي اكتشفت أهمية المحتوى الأصيل والمتميز بسرعة أكبر هي التي ربحت أكثر.

وبالنظر إلى المستقبل، من الملاحظ أنّ المواصفات التعريفية لأولئك الذين يوقفون اشتراكهم بالبث التلفزيوني المدفوع والذين يمتنعون عن الاشتراك به أصلاً، لا تزال مشابهة لتلك التي كانت سائدة في السنوات التي درسناها. فمجموعة الأسر التي من المرجح أن توقف اشتراكها بالبث التلفزيوني لا تختلف كثيراً عن الأسر التي أوقفت اشتراكها عام 2009، ويبدو أنّ التوجه الديموغرافي الذي لاحظناه حينئذ مستمر حتى الآن. وفضلاً عن ذلك، وانطلاقاً من السمات الديموغرافية المشتركة بين مجموعة الأسر التي توقف اشتراكها بالبث التلفزيوني ومجموعة الأسر التي لا تشترك به أصلاً، من المنطقي الاعتقاد بأنّ ما توصلنا إليه بالنسبة للمجموعة الأولى ينطبق أيضاً على المجموعة الثانية.

وبالتالي، فإنّ من غير المرجح أن ينتهي قريباً هذا التوجه نحو التركيز على المحتوى الأصيل والتنافس عليه. وفي ظل هذه المعطيات، سيتعين على شركات البث الشبكي الموازنة بين الاستثمار في المحتوى الأصيل المتميز القادر على اجتذاب المشتركين الجدد من جهة، والاعتماد على محتوى الآخرين، الأمر الذي قد يساعد على الاحتفاظ بالمشتركين القدامى بما أنّ هذا المحتوى يستأثر عموماً بغالبية ساعات المشاهدة من جهة أخرى.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تسويق

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz