فقدت الولايات المتحدة خلال أسبوعين اثنين من رجال الأعمال المؤثرين؛ الأول هو المؤسس المشارك لشركة ساوث ويست للطيران (Southwest Airlines) هيرب كيلير (12 مارس/آذار 1931 – 3 يناير/كانون الثاني 2019)، والثاني جاك بوغل مؤسس فانغارد (8 مايو/أيار 1929 – 16 يناير/كانون الثاني 2019). لم أقابل كيلير مطلقاً، إنما راقبت عمله من بعيد بإعجاب، في حين تبادلنا أنا وجاك بوغل بعض الأفكار ودياً والتي سوف أفتقدها للأسف.

بالنسبة لي، جسد كلاهما ما يجب أن يكون عليه عمل المخطط الاستراتيجي بحق، وذلك على الرغم مما بدا عليه كيلير من عدم اهتمام بالاستراتيجية. وربما كانت أكثر مقولاته شهرة بهذا الخصوص، وفي معرض رده على سؤال حول استراتيجية ساوث ويست: "لدينا خطة استراتيجية، وتدعى إنجاز العمل". في حين تحدث بوغل فقط عن الاستراتيجية التي يوصي بها حيال كيفية استثمار زبائنه لمدخراتهم والتي هي الشراء والاحتفاظ بما يشتروه لفترة طويلة. وفيما يتعلق بشركة فانغارد، فقد تحدث عن فلسفتها أكثر مما تحدث عن استراتيجيتها.

لكن جوهر الاستراتيجية الحقيقي ليس الخطط أو التصريحات أو البيانات الخاصة بالرؤى، بل اتخاذ خيارات محورية قليلة تعطيك القدرة على خدمة العملاء بطريقة مميزة وقيمة، ولا يهم إن كنت تسميها استراتيجية أو "إنجاز العمل". كان عملاقا قطاع الأعمال يهتمان بشكل كبير بالخيارات، إذ كانا يتخذان أكثر الخيارات تميّزاً ويسلكان درباً مختلفاً عما يسلكه المنافسون.

فبالنسبة لشركة ساوث ويست، كان مسارها مستقيماً بدل أن يكون متشعباً: استخدام طراز "بوينغ 737" بدل استخدام طرازات طائرات متعددة؛ كما اعتمد تقديم فئة مقاعد سفر واحدة بدل فئات متعددة؛ ومنع إمكانية اختيار المقعد بدل توفير اختيار مفتوح؛ وعقد شراكة مع العاملين بدل شن حرب عليهم؛ والقائمة تطول. وفي حالة فانغارد: سعى مؤسسها إلى تقديم صندوق مؤشر بدل صندوق مدار؛ واستيفاء أقل رسوم ممكنة بدل تحصيل أعلى رسوم يمكن استيفاؤها؛ والقائمة تطول.

يأمل العديد من الرؤساء التنفيذيين أن يتمكنوا من تحقيق نتائج مميزة من دون اتخاذ خيارات مميزة جريئة، لكن أدرك هذين الاثنين أنّ الطريق الوحيد لتحقيق نتائج مميزة يتمثل في تقديم خيارات مميزة. كانت الخيارات التي قدماها مميزة ولصالح العملاء تماماً، إذ يستمتع عملاء شركة ساوث ويست للطيران برحلات رخيصة وموثوقة وممتعة، في حين يحصل عملاء فانغارد على عائدات استثماراتهم بأقل رسوم ممكنة. وكان أسلوبهما في العمل هو الانطلاق اعتباراً من العميل واتخاذ خيارات لم يكن ليتخذها أي شخص آخر، وهي معادلة سيقوم بها لاحقاً المزيد من الرؤساء التنفيذيين.

سيكون من الجميل أيضاً رؤية الآخرين يسلكون ذات المسار الذي سلكاه فيما يتعلق بتحصيل ثروة شخصية من مؤسساتهما اللتين تركزان على العملاء. صحيح أنّ كليهما غدا ثرياً وفق كل المقاييس، إنما لم يكن ذاك ما سعيا إليه. وينطبق ذلك بشكل خاص على بوغل والذي أنشأ فانغارد بشكل مختلف عن معايير الصناعة التقليدية لتكون هذه الشركة مملوكة من قبل أصولها وكل أصل منها مملوك من قبل عملاء يقومون باستثمار رأس مالهم في هذا الصندوق. ونتيجة لذلك، قُدرت القيمة الصافية لثورة بوغل وقت وفاته بنحو 80 مليون دولار. وبالمقارنة، فإنّ فيديليتي (Fidelity)، المنافس المباشر الأكبر لفانغارد، مملوكة لعائلة جونسون، يملك أفرادها حوالي 30 مليار دولار وفقاً لأحدث لائحة من فوربس حول أغنى 400 شخصية. توفي كيلير مع ثروة أكبر بكثير من بوغل وصلت إلى 2.5 مليار دولار. لكن من المعروف أنه لم يطلب أو يحصل على زيادة في راتبه أو يتلقى علاوة من شركته تزيد عن التعويض المبدئي الذي كان يتلقاه كمدير لشركة ناشئة منذ عام 1967.

عندما يرى كل من الموظفين والزبائن رئيساً تنفيذياً غير مهتم بالتعويضات ومرتاح مع فكرة أن كل شيء سيكون على ما يرام، ستكون لديهم ثقة أكثر بأن قيادة المؤسسة تقوم بالشيء الصحيح – وهو ما يؤدي إلى جعل تلك الخيارات التي تتخذ أكثر كفاءة وتدوم أكثر.لقد كان اتخاذ خيارات جريئة وفعل الشيء الصحيح هو الإرث الرائع الذي تركه القادة العظام مثل جاك بوغل وهيرب كيلير.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!