تابعنا على لينكد إن

“ابقَ في وظيفتك لسنتين على الأقل”، “لا تترك وظيفة إلا حين تمسك الأخرى بيديك”. لا يخلو أحد من نصيحة يسديها إليك حول التقلب من وظيفة إلى أخرى، ابتداءً بوالدتك وانتهاء بمشرفك الناصح لك في العمل. لكن كيف تقرر بأي نصيحة تأخذ؟ خاصة أنّ ما كان صحيحاً قبل عشرين عاماً – أو حتى قبل سنتين – ليس كلاماً مقدساً لا يعتريه الخطأ، والسوق في حالة تغيرٍ مستمر.

خذ على سبيل المثال تقلبات ميزان القوى بين الشركات والمرشحين من الباحثين عن عمل. فعلى الرغم من تباين كفتيه بحسب ميدان الصناعة والجغرافيا واعتماده على صحة الاقتصاد، فقد مال الخبراء في السنوات الأخيرة إلى وصف سوق العمل الراهن بأنه “سوق يقوده المرشحون للعمل”. فالباحثون عن عمل يمسكون بزمام المبادرة أكثر من الشركات ويبدو أنّ هذا التوجه يتعمق أكثر فأكثر.

انتقال مركز القوة من الشركات إلى المرشحين الباحثين عن عمل بحسب الشركات الموظِفة

فهل يعني هذا الكلام أنّ خيوط المسألة كلها بيدك حين تقرر الانتقال من وظيفة إلى أخرى؟ ليس صحيحاً بالضرورة. لكنه يعني بالتأكيد أنه لم يعد بمقدورك الاعتماد على النصائح العتيقة. قمنا بسؤال القرّاء (ومحرري المجلة) حول أكثر النصائح تداولاً في مجال التقلب بين الوظائف ثم تحدثنا مع خبيرين اثنين لمعرفة رأيهما حول سداد تلك النصائح ومدى صلاحيتها في الواقع العملي وتطابقها مع نتائج الأبحاث المعاصرة.

  1. “إياك أن تخبر رئيسك في العمل بأنك تبحث عن عمل آخر”

قد يبدو أمراً طبيعياً أن لا تخبر مديرك بأنك ستتركه قبل أن تُؤمّن عملاً في مكان آخر، فأنت لا ترغب بجعله ينفجر في وجهك أو أن يتوقف عن الاستثمار فيك كموظف عنده. لكن الأمور تغيرت الآن ولم تعد تلك هي النظرة السائدة. “كان في الماضي من يترك وظيفته يُعد خائناً” بحسب جون سوليفان، خبير الموارد البشرية وأستاذ الإدارة في جامعة سان فرانسيسكو الحكومية ومؤلف كتاب “ألف طريقة لجذب أفضل المواهب” (1000 Ways to Recruit Top Talent). فالشركات غيّرت من نبرتها وصارت تهتم بأن يتركها الموظفون بأفضل الشروط، فهي تعي أنّ أولئك الموظفين متواجدون وناشطون على وسائط التواصل الاجتماعي، بحسب سوليفان، ولا ترغب تلك الشركات بأن “تخاطر بسمعتها على مواقع مثل جلاس دور، ييلب، فيسبوك، أو تويتر”.

والواقع أن كثيراً من الشركات صار يبقي الباب مفتوحاً لمن يريد العودة إليها من موظفيها السابقين. والفكرة هنا أنك إذا كنت موظفاً لامعاً فالشركة تحرص على أن تجني أكبر قدر من سنوات عطائك الوظيفي بغض النظر عما إذا كانت تلك السنوات متواصلة أو متقطعة. فشركات مثل “دافيتا هيلث كير” (Davita Healthcare)، و “ياهو”، و “كاي بي أم جي” (KPMG) توظف عدداً كبيراً من موظفيها السابقين العائدين إليها. ويشير سوليفان إلى أن 15% من الموظفين الذين تستقبلهم شركة “دافيتا” في كادرها الوظيفي هم في الواقع موظفون سابقون لديها.

ولا يقتصر الأمر على تدني خطورة إخبار مديرك بأنك تبحث عن عمل آخر، بل قد ينطوي على جوانب إيجابية عظيمة أيضاً، بحسب كلاوديو فيرنانديز-أراوز، الخبير المستشار في شركة  “إيجون زيهندر” (Egon Zehnder) العالمية المختصة في البحث عن المدراء التنفيذيين ومؤلف كتاب “إنه ليس الكيف ولكن من تعرف: كيف تنجح عبر إحاطة نفسك بأفضل الناس” (It’s Not the How or the What but the Who: Succeed by Surrounding Yourself with the Best(. فقد يحاول مديرك حين تخبره أن يبذل ما بوسعه لاستبقائك. حين عمل فيرنانديز-أراوز في شركة ماكينزي في أوروبا خلال الثمانينات ثم رغب في العودة إلى الأرجنتين قام بإخبار مدير المكتب بنيته في الرحيل. فما كان من مديره إلا أن عرض عليه الاستمرار في عمله من الأرجنتين خلال بحثه عن عمل هناك ليستفيدوا منه أكثر مدة ممكنة. ويشرح فيرنانديز-أراوز أنّ “قراري بمفاتحتهم بالموضوع أفادني في عامي الأخير بشكل عظيم، كما ساعدني في العثور على وظيفة رائعة”. حتى أنّ مديره في شركة ماكينزي قدّم فيه توصية رفيعة المستوى امتدح فيها انفتاحه وولاءه للشركة.

وإذا كان بقاؤك في شركتك مستحيلاً، فقد تعثر على طرق أخرى للعمل معها. وفي هذا السياق يشير فيرنانديز-أراوز إلى النصيحة التي يقدمها ريد هوفمان (مدير موقع “لينكد إن” والمؤسس الشريك فيه) ورفاقه المؤلفين في كتابهم “التحالف” (The Alliance) إلى أن البقاء موظفاً مدى الحياة لم يعد واقعياً كما أنّ التحرر الكامل من أي ارتباط وظيفي والعمل بشكل حر ليس خياراً مثالياً كذلك. يفسر فيرنانديز-أراوز هذا الأمر بقوله “البديل هو ما يطلقون عليه تسمية ’التحالف التحوّلي’” حيث “تفضي الحوارات الصريحة إلى التوافق على تحالف مؤقت يقوم المرء من خلاله بتوضيح الإسهام الذي سيؤديه للمؤسسة وما ستقوم المؤسسة بإسدائه بالمقابل، والذي قد يتضمن مساندته لإكمال عمله في مكان آخر”. وهذا مسلك شائع في وادي السيليكون (Silicon Valley) “وهو على الأغلب يشير إلى الطريق  الواجب اتباعها في الشركات لإدارة المواهب والوظائف في العقود القادمة”.

والتحاور في مثل هذه الأمور قد لا يكون مريحاً حتى وإن غلب على ظنك أن شركتك أو رئيسك في العمل منفتحين لقرارك بالرحيل وراغبين في الحفاظ على علاقة معك بطريقة أو بأخرى. لكن ستكون الأمور أسوء بكثير إذا ساورك الشك في تفهم مديرك للأمر. يقول سوليفان: “إذا كان مديرك معتوهاً، فمن الأفضل أن تتمهل في مسألة إخباره”.

  1. “ابق لسنتين على الأقل في أي منصب تشغله، فالتنقل الكثير بين الوظائف ليس إيجابياً عند معاينة سيرتك الذاتية”

“هذه من الوصايا الشائعة بين الناس”، يقول سوليفان، وهي لم تعد صحيحة على الإطلاق. أولاً، هي لا تأخذ الواقع بعين الاعتبار دائماً “إذ هنالك العديد من الظروف التي تحتم عليك ترك عملك” بحسب فيرنانديز-أراوز. فقد تحتاج إلى الانتقال إلى مكان آخر بحكم عمل زوجتك أو تترك وظيفتك لتتفرغ لرعاية فرد من أفراد الأسرة.

ثانياً، ما عادت جولات التوظيف القصيرة معيبة في سيرتك الذاتية، فالشركات صارت أكثر تقبلاً لها، بحسب سوليفان، وما يقرب من 32% من المؤسسات يتوقعون حصوله من طرف موظفيهم. ويضيف سوليفان “لقد أضحى ذلك جزءاً من الحياة”. فالناس في الواقع أقرب إلى ترك وظائفهم بعد مضي عامهم الأول أو الثاني أو الثالث، ويشيع ذلك أكثر بين من ينتمون إلى جيل الألفية. فقد أظهر بحث أجراه سوليفان إلى أن 70% يغيرون وظائفهم خلال سنتين من مباشرتهم لها. وبالتالي فإن نصيحة البقاء في وظيفتك حرصاً على سيرتك الذاتية لم تعد قائمة بأي حال.

هل حان وقت الرحيل

لم تعد الفجوات في التاريخ الوظيفي تمثل عيباً كما كان الأمر في الماضي، بحسب سوليفان. “بغض النظر عن السبب –تسريحك من العمل، التفرغ لتأليف كتاب، رعاية فرد من الأسرة، السفر – لم يعد ذلك مشكلة بحد ذاته”. كل ما عليك فعله هو أن تثبت لهم أنّ وقتك لم يذهب هباءً. يضيف سوليفان موضحاً: ما يهم الشركات هو أن يعرفوا أنك أجدت الاستفادة من وقتك لاكتساب مهارة جديدة، أو قضاء تجربة استثنائية في الحياة، أو تعلم شيء جديد.

ومع ذلك يوصي فيرنانديز-أراوز بمحاولة تجنب الإكثار من التنقل غير المبرر بين الوظائف، ليس خوفاً من الإضرار بفرصك الوظيفية القادمة، ولكن حرصاً على عدم الوقوع في الاستنزاف النفسي. “تكمن المشكلة في البدء مجدداً للبحث عن عمل جديد، في مكان جديد، مع صحبة جديدة، وإعادة عملية إثبات كفاءتك كل مرة”. بإمكانك تحاشي ذلك من خلال عمل تقييم مستوفٍ لكل الوظائف المحتملة. ولأن كثيراً من مقابلات التوظيف لا تعدو كونها “حواراً بين كاذبَيْن” – بحسب فيرنانديز-أراوز – فمن المفيد أن تحاول التعرف على طبيعة العمل بطرق أخرى. كما تعرض بعض الشركات “معاينة واقعية للعمل” تساعدك في أخذ صورة واضحة عما يحصل في الداخل، عوضاً عن تلك الصورة المُحلاة التي تستقيها من سلسلة مقابلات. اطلب معاينة طبيعة العمل حين تفكر في استلام عمل جديد، ينصح فيرنانديز-أراوز، أو ابذل كل ما في استطاعتك لفهم الشركة وبيئة العمل فيها قبل قبولك عرض العمل.

  1. “لا تترك وظيفتك قبل أن تعطي شركتك فرصة تقديم عرض بديل”

إذا كنت موظفاً لامعاً فإن الشركات الذكية ستفعل ما بوسعها لإقناعك بالبقاء، بحسب سوليفان. وبكلمات أخرى “إذا كنت على قائمة أولويات شركتك، فإن تركك لهم سيُعد ’فقداناً مؤسفاً’ وسيبذلون ما باستطاعتهم لإثنائك عن هذا القرار”. وقد صارت العروض البديلة شائعة وعلى وجه خاص في الصناعات التي تعاني نقصاً في الخبرات أو للمواقع عالية التخصص، بحسب فيرنانديز-أراوز، “حيث تأتي العروض البديلة مع شيء من المداهنة والوعود وبعض الشروط التحسينية”.

لكن كن على حذر، ينبه فيرنانديز-أراوز: “على مدار عقود ثلاثة من الخبرة، أصبحت على قناعة تامة أنّ العروض البديلة سيئة لجميع الأطراف”. ويشير إلى سببين رئيسيين لرفض أي عرض بديل. أولاً، هناك سبب دفعك للبحث عن عمل آخر ومن المرجح أن لا يطال هذا السبب أي تغيير رغم وعود شركتك. “فالقاعدة السائدة في الشركات أن 80% من أولئك الذين يقبلون العروض البديلة يقدمون استقالتهم أو يتم تسريحهم من العمل خلال 6 إلى 12 شهراً، ونصف هؤلاء الناس يعاودون البحث عن عمل خلال 90 يوماً”. حتى إذا افترضنا أنّ مديرك كان قادراً على الوفاء بوعوده التي قطعها على نفسه في عرضه البديل، تبقى مسألة الثقة التي انفرط عقدها بسبب عزمك على الرحيل. “سيتم النظر إليك على أنك أقل إخلاصاً وبالتالي ستكون فرصك المستقبلية في الارتقاء الوظيفي أقل من نظرائك”. ثانياً، يقول فيرنانديز-أراوز، “لقد قطعت وعداً للشركة الجديدة وعليك الوفاء به”.

بطبيعة الحال، فإن لكل حالة خصوصيتها وبالتالي يُستحسن النظر إلى كل حالة على انفراد للمفاضلة بين الخيارين. وينصح فيرنانديز-أراوز بتقديم المصلحة الآجلة على المنفعة العاجلة عند الحكم على الأمور، أو بمعنى آخر: أي الخيارين سيوصلك إلى ما تطمح إليه في المستقبل؟

  1. “لا تنتقل بشكل جانبي من وظيفة لأخرى في نفس المؤسسة – فرصتك الوحيدة لتحقيق قفزة كبيرة في المنصب والراتب تكمن في وظيفة جديدة”

“كان هذا في الماضي” يقول سوليفان. “صحيح أنك في نظام العمل القديم تشغل أولاً منصب مساعد نائب الرئيس، ثم تصبح نائب الرئيس، ثم تصبح نائب الرئيس الأول. لكن هذا حال شركة جنرال موتورز في الثمانينات وليس حال مؤسسات اليوم”. فمع تحول الشركات إلى التركيبة المسطحة في هذا العصر يندر أن تجد مكاناً ترتقي إليه من عملك الحالي في نفس المؤسسة. عليك أن تجعل غاية همك العثور على عمل يمتعك ويشبع حواسك بدل الانشغال بالتنقلات الجانبية.

يوافق فيرنانديز-أراوز على هذا الطرح قائلاً: “إذا كنت تاركاً لوظيفتك بحثاً عن المنصب والراتب المرتفع، فكر مجدداً!”، فمن النادر أن يعطيك المال الإضافي أو الموقع الأفضل ما ترنو إليه من سعادة في وظيفتك. بدلاً عن ذلك، ابحث عن الاستقلالية في العمل، والبراعة في التنفيذ، والغاية العظيمة (كما يوضح دانييل بينك).

  1. “كن باحثاً على الدوام عن وظيفتك المقبلة”

أنت ترغب في أن تكون سعيداً، لا باحثاً عن عملٍ على الدوام. يقول فيرنانديز-أراوز “في الوضع المثالي يجب أن لا تكون في حالة بحث عن عمل مطلقاً إذا كنت تحب ما تفعله”، ويستند في ذلك إلى البحث الذي أجراه ميهاي شيكسينت ميهايي حول بلوغ حالة “التدفق” (flow) خلال العمل والتي وصفها على أنها “وضع يتعلق بأعصاب الدماغ حين نصل إلى قمة الإنتاجية بينما يستهلك دماغنا طاقة محدودة جداً. نكون ساعتها مستغرقين تماماً فيما نفعله إلى درجة فقدان الشعور بمرور الزمن بينما يكون أداؤنا لمهامنا في أحسن حالاته”. فإذا عايشت تلك الحالة في عملك، فالبحث عن عمل آخر هو أمر غير ضروري.

لكن حتى إذا كان دورك الوظيفي يشعرك بالسعادة فعليك الاستمرار بالتعلم وتنمية قدراتك، يستدرك سوليفان، وهذا ليس مرتبطاً بدور جديد في شركة أخرى، لكنه قد يتعلق بدور أوتحدٍ مختلف في عملك الحالي. “العالم يتغير بشكل مطرد وعليك أن تكون متكيفاً وسريع الحركة. عليك البحث دوماً عن مشاريع تساعدك في اكتساب المزيد من المهارات، وأن تقوم بمهام خارج ما تألفه وتتقنه ليصبح عندك مع الزمن مجموعة مهارات جديدة غير تلك التي تستخدمها لأداء عملك الراهن”.

في غالب الأحوال أنك ستغير وظيفتك عدداً من المرات خلال مسارك المهني. وتجدر الإشارة إلى أن مكتب العمل والإحصاء في الولايات المتحدة أصدر مؤخراً تقريراً أشار فيه إلى أن الشخص المتوسط ممن ولدوا بين عامي 1957 – 1964 قد شغلوا 11.7 وظيفة خلال حياتهم المهنية. وهؤلاء مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية (Baby Boomers)، وليسوا مواليد الألفية الذين يغلب عليهم التغيير المستمر لوظائفهم، حيث يرجح أن يكون مدار البحث في هذه التنقلات منصباً على العثور على عمل يوفر مزيداً من الرضى والتحدي وتحقيق الذات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن عمل جديد

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz