تابعنا على لينكد إن

اقتربت مني إحدى الاستشاريات وطلبت أن تخلو بي جانباً وذلك بعد أن انتهيت من إلقاء محاضرة في منتدى عالمي للاستشارات حول كيفية التعامل بشكل أفضل مع ضغوطات السفر المستمر والزبائن المتطلبين، حيث أسرّت لي هذه الاستشارية بأنّ الأمر لا يقتصر على الزبائن الذين يدفعونها إلى حافة الجنون أحياناً، إذ كان مديرها شخصاً مستبداً ومتنمراً يصرخ في وجوه الناس لأتفه الأسباب. لقد حول حياة مرؤوسيه إلى جحيم حقيقي إلى حد أنّ بعضاً من أفضل الناس لديه اضطروا إلى الانتقال لشركات أخرى.

تذكّرت ذلك اللقاء وأنا أقرأ القصة الرئيسية التي نُشرت مؤخراً على غلاف مجلة “التايم” حول آخر الصرعات والبدع في مجال الموارد البشرية، والمتمثلة باستعمال تحليل البيانات الضخمة وعلامات اختبارات الشخصية للتنبؤ بالشخص الأنسب من أجل شغل وظيفة معينة، ويسمى بالإنكليزية (XQ).

لا شك في أنّ العديد من الشركات تحصد ثماراً إيجابية من تحليلات البيانات الضخمة. لكن لا زال هناك بعض المجالات التي تتسبب بخيبة أمل. إذ يحذر الخبراء من أنّ جودة البيانات الضخمة، وكما هو حال أي شيء آخر، تتوقف على جودة السؤال المطروح، كما أنهم يحذرون من أنّ بعض الخوارزميات يمكن أن تقود إلى افتراضات غير مفيدة.

هناك مقولة شائعة في عالم العلوم تنص التالي: “تعني الإحصائيات بأنه لا يتعين عليك أبداً أن تقول بأنك على يقين”. وفي أي تحليل للبيانات الهائلة، على سبيل المثال، سيكون هناك ارتباطات عشوائية معينة تبدو “ارتباطات ذات دلالة إحصائية”، لكنها ليست أكثر من تشويش ولا ترقى إلى مستوى الإشارة.

بعد ذلك هناك السؤال المطروح حول المقاييس التي يستعملها اختبار الشخصية لقياس مدى “النجاح”. فتحتاج البيانات الضخمة إلى مقياس للأداء يقيس بعض النتائج الملموسة، لكن المقاييس المتاحة لا تكون هي العناصر الأهم عملياً لضمان ازدهار المؤسسة.

ويمكن لأي مدير مثل الشخص المستبد المحبط لمن حوله والذي ذكرته أعلاه أن يُجبر موظفيه على العمل بجد من أجل الوصول إلى الأهداف السنوية للشركة، مثلاً، بينما هو يعمل في الوقت ذاته على تدمير المناخ العاطفي الذي يشكل الداعم الأساسي للدماء التي تجري في عروق المؤسسة. ونحن نعلم منذ أمد بعيد أنّ المدراء الذين يبالغون في التركيز على الأداء، مقارنة بتركيزهم على الناس، يمكن أن يدمّروا المؤسسة على المدى البعيد. وعليه، إنّ استعمال مقياس للنتائج مثل الأرباح التي يحققها المدير التنفيذي، مع تجاهل دوره كمدير للموظفين وتأثيره على المعنويات، والولاء، والتركيز، ومستويات التوتر والشدة لدى مرؤوسيه المباشرين، يقود إلى الخطأ في تحديد من هو المدير الأفضل.

أليس من الملفت بأنّ المهندسين في شركة جوجل، ذلك المعقل الكبير للخوارزميات المنبثقة من مجموعات البيانات الضخمة، رفضوا استعمال تلك المنهجية فقط لتقرير الترقيات التي تحصل في الشركة؟ وفسر لاسيزلو بويك، رئيس قسم التوظيف في جوجل الأمر بقوله أنّ معرفة الشركة بالكثير من الحقائق حول الخوارزميات يجعلها تدرك محدوديتها. إذ يمكن للافتراضات التي تدخل في صلب أي اختبار أن تكون بحد ذاتها منحازة ضد بعض السمات والخصائص الشخصية، وبالتالي فإنها تؤدّي إلى التمييز بطريقة غير عادلة ضد الناس. لكن الاعتراض الأكبر يأتي من أنّ المؤشر الأقوى على السلوك المستقبلي للشخص هو أداؤه في الماضي. وأفضل تقويم للأداء يأتي من الناس الذين يعرفون ذلك الشخص جيداً.

هذا هو الطرح الذي ينادي به مثلاً كلاوديو فيرنانديز آروز في كتابه الكلاسيكي حول التوظيف، “ليس المحك الأساسي حول نفسك متعلق بكيف أو ماذا بل بمن” (It’s Not the How Or the What But the Who: Succeed by Surrounding Yourself with the Best). وبحسب نصيحته، فإنّ أكثر المعلومات موثوقية وقيمة تأتي من الأشخاص الصادقين الذين يجرون المقابلات مع الشخص المرشّح لشغل الوظيفة، وعملوا معه في الماضي.

خذ مثلاً قوة شخصية القائد وهو عامل تُعتبر المقابلات الشخصية الطريقة الأفضل لتقويمه، وليس الاختبارات التي تتضمن أسئلة ذات إجابات متعددة (حيث لا يجب نسيان أنّ الشخص الذي يفتقر إلى النزاهة سوف يكذب على الأرجح بخصوص مؤشرات النزاهة والصدق). وكما تُظهر بحوث فريد كيل، تُعتبر السمات الشخصية مثل النزاهة والقدرة على التعاطف مع الآخرين محركات قوية للنجاح في العمل، وهذا اكتشاف مفاجئ بالطبع. كما وجد كيل أنّ الأشخاص الذين يمتلكون هذه الصفات بقوة حققوا نتائج في العمل أفضل بخمس مرات مقارنة مع الأشخاص الذين لا يمتلكون هذه الصفات.

فإذا كنت تريد تقويم مدى نزاهة شخص مرشح لشغل وظيفة لديك، ما الذي ستثق به أكثر؟ هل الطريقة التي أجاب بها ذلك الشخص عن أسئلة ضمن اختبار معين يقيس النزاهة؟ أم التجربة الفعلية لأناس يعرفون هذا الشخص من قبل؟

وإليك ما أنصح به أنا شخصياً. تذكّر دائماً الفرق بين الكفاءة الأساسية الدنيا والكفاءة المميزة. فالمهارة الأساسية الدنيا تعني بأنّ الشخص يجب أن يلبي هذا المعيار لمجرد دراسة إمكانية منحه الوظيفة. ففي شركة جوجل مثلاً، تشمل الكفاءة الأساسية الدنيا المطلوبة نتائج اختبارات تثبت بأنك بين أعلى 1% من حيث حاصل الذكاء (IQ). أما في حالة الشركات التي تستعمل ما يُسمى (XQ)، أي تحليل البيانات الضخمة لنتائج الاختبار، فإنّ مستوى معين من الارتباط الإحصائي يمكن أن يُعتبر هو العتبة الدنيا.

لكن بعد ذلك تأتي الكفاءات المميزة، أي المهارات والقدرات التي تجدها لدى الأشخاص أصحاب الأداء المتفوق في أي مؤسسة، إلا أنه ليس لدى الأشخاص أصحاب الأداء العادي الباهت أي من يتمتّعون بالحد الأدنى الكافي من المهارات للاحتفاظ بوظائفهم. وعليه، فإنّ الكفاءات المميزة هي ما يجب أن تبحث عنه عندما تحاول دراسة ملف الشخص المعني وستجد هذه المعلومة لدى الناس الذين عملوا مع ذلك الشخص في الماضي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz