تأثير الابتسامة في العمل وفقاً لطريقة محمد بن راشد في الإدارة

6 دقيقة
الابتسامة في العمل
shutterstock.com/Igillustrator
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تعرّض أحد زوار إمارة دبي، وهو سائح سويدي يمتلك شركات في لندن، لموقف جعله يتخذ قراراً مهماً في حياته. ارتكب السائح مخالفة مرورية بسيطة، وعندما أوقفه شرطي المرور، شرح له مخالفته بهدوء والبسمة تعلو محيّاه وتركه ينصرف، ونتيجة لهذا التصرف، قرر السائح نقل استثماراته من لندن إلى دبي، لأنه رأى من خلال تلك الابتسامة والتصرف الخلوق بيئة أعمال متحضرة وراقية. ربما هذا موقف بسيط، لكن تأثيره كان عظيماً، فهل للتبسم ذلك الوقع الكبير في حياة الناس حقاً؟ وإلى أي مدى يمكن أن ينسحب أثره على بيئة العمل؟

(سأسعى في هذا المقال لتوضيح مدى أهمية الابتسامة وقوتها في قطاع الأعمال بناءً على ما جاء في كتاب "القيادة بطريقة محمد بن راشد". وما ذكره الشيخ محمد بن راشد في بعض المواضع من كتابه "تأملات في السعادة الإيجابية"، وسأتطرّق إلى الأسباب التي تجعلنا نتعامل مع البسمة على أنها جزء من طبيعتنا أو حركات جسدنا، حالها حال وجوب تناول الطعام كل يوم لأنه حاجة تمدنا بالطاقة وتبقينا على قيد الحياة، والابتسامة أيضاً، تبقينا على قيد الإيجابية والسعادة في العمل).

قوة الابتسامة في العمل والحياة

ثمة العديد من الأسباب قد تجعلك أقلّ ابتساماً في حياتك اليومية؛ مثل ضغوط الحياة والعمل والاضطرابات الاجتماعية والسياسية ومسؤولياتك تجاه مَن في حياتك، ومع ذلك، إذا نظرت إلى الجزء الممتلئ من الكأس، فسترى العديد من الأسباب التي تجعلك تبتسم أكثر، مثل أن تكونا أنت وعائلتك بصحة جيدة، وأن تحب وظيفتك، أو أنك قادر على العودة إلى منزلك بسلام وممارسة هواياتك.

وفي حين أن الابتسامة غالباً ما تكون عفوية، فإنها يمكن أن تصبح مقصودة؛ فتختار التبسم أكثر في حياتك وربما في أماكن ومواقف محددة. لمَ لا؟ لا يكلّفك التبسم مالاً، ويجعلك تبدو بشوشاً وودوداً، وعندما تعتاده، فلا يمكن لأحد أن يمحوه عن وجهك، حتى تحدياتك اليومية.

يقول الدكتور جي إيبه أغبانيم: "إن الابتسامة جذابة ومنشطة ويمكن أن تحفز الناس على الرد بالمثل، فهي مُعدية". إن الابتسام في الأماكن التي تطغى عليها مشاعر القلق (مثل بعض اجتماعات العمل) يمكن أن يخفف التوتر، خاصة في المواقف التي تتطلب اتخاذ القرارات الحاسمة، لذا فإن القادة العظماء هم مَن يحاولون استغلال هذه النقطة لصالحهم، فيجعلون عملية صنع القرار أكثر سلاسة ومرونة بالضحك والابتسام وممازحة الفريق.

ركّز الشيخ محمد بن راشد بالفعل على أهمية الابتسامة عندما جعلها من سمات مقدّمي الخدمات من الموظفين في إمارة دبي، وكذلك في الحكومة الاتحادية؛ إذ لم يعتبِر الابتسامة ولباقة التعامل مع المتعاملين أمراً شخصياً فقط؛ بل عمدَ إلى جعله من أُسس الخدمة المميزة، فاعتمد نظام تصنيف النجوم المطبّق في الفنادق العالمية لتصنيف مراكز الخدمة الحكومية، حيث توضع لوحة عليها من 2 إلى 7 نجوم بحسب جودة خدمات المركز، ويكون من ضمن معايير التقييم ابتسامة الموظفين، وبعد اعتماد النظام، أصبحت المراكز الحكومية في الدولة تتنافس لرفع تصنيفها.

دور الإيجابية في خلق الابتسامة

صحيح أن حاكم دبي طبّق المبادئ والممارسات المبنية على أسس علمية لتحقيق رضا المتعاملين وسعادتهم وإضفاء الأجواء الإيجابية في مراكز الخدمة الحكومية، لكنه أكد أيضاً أن الابتسامة لا بد أن تنبع من داخل الفرد؛ أي من القلب حتى تكون مؤثرة، ويجب ألا تُفرض قسراً، إذ لا بد أن تكون صادقة وعن قناعة الموظف لا عن طريق لوائح التنفيذ، وهنا يأتي دور نشر الإيجابية في مكان العمل.

يمكننا تعريف الإيجابية بأنها نظرتنا المتفائلة للأمور التي تحدث في حياتنا وللناس من حولنا، فإذا تغيرت هذه النظرة تغير سلوكنا. كما يعرّف الباحث بارت تكاجيك الطاقة الإيجابية في العلاقات المهنية بأنها الطاقة المتبادلة بين الموظفين، التي تعزز أداءهم وتحفزهم وتنشطهم، وتؤدي إلى زيادة الإبداع داخل المؤسسة. لذا، وتأكيداً لما قاله الشيخ محمد عن عدم فرض التبسم، فلا بدّ أن تتغير نظرة الموظفين لأنفسهم ومتعامليهم والناس من حولهم، كي يخلقوا الإيجابية وتتغير فكرتهم حول الابتسامة، فيلتمسوا تأثيرها عليهم وعلى إنتاجيتهم ونجاحهم وسعادتهم وسعادة من حولهم، وتصبح ابتسامتهم صادقة تلقائياً، وليسوا مضطرين إلى رسمها عنوة.

وفي هذا الصدد، تشير الأستاذة أليسون غابرييل إلى نقطة تصنّع الابتسامة في مكان العمل، وتركز على فكرة "محاولة الموظف تغيير ما يشعر به في داخله من مشاعر سلبية آملاً أن يتمكن من إظهار مشاعر أكثر إيجابية بصدق" فيما يُسمى استراتيجية "التمثيل العميق" (Deep Acting) لضبط المشاعر، وهو ما يساعده في رسم ابتسامة صادقة على وجهه. كما تُبيّن أن محاولة تحويل المشاعر السلبية، مهما كان سببها، إلى إيجابية في مكان العمل وخلق ابتسامة من القلب، تعود على الموظف بكثير من الفوائد؛ مثل الشعور بالراحة ومستويات أقل من التعب، وقد يتلقى مكافآت مادية ومعنوية بسبب جهوده ليكون شخصاً إيجابياً.

أهمية الابتسامة في العمل

ثمة 6 فوائد رئيسية لنشر ثقافة الابتسام في مكان العمل:

1. الابتسامة الحقيقية تؤثر في حياة الآخرين

فكرة أنك تبتسم في وجه شخص لا تعرفه ولا تنوي منها أي منفعة أو مصلحة هي فكرة تعبّر عن الفطرة البشرية السليمة التي تميل إلى نشر الخير والتفاؤل، ففي النهاية أحدكما موظف والآخر متعامل، والابتسامة قد تجعل يوم أحدكما أفضل وتخفف التوتر. تخيل أنك موظف وتقابل مئات الناس يومياً، وتبتسم في وجه الجميع، فكم من قلب تُبهجه كل يوم؟ شعور جميل أليس كذلك؟ هذا ما توصلت إليه المؤلفة بيتي آن هيغي بعدما كانت تنوي كتم ضحكتها الصاخبة في مكان العمل لظنها أنها مزعجة، ولكنها عزفت عن قرارها وفضّلت أن تكون صادقة مع ذاتها، وقد تأكدت من أن قرارها كان صحيحاً بالفعل عندما صارحها زملاؤها باشتياقهم لضحكتها عندما تخرج في إجازة. تقول: "لقد كانت مكاتبنا بحاجة إلى جرعة جيدة من الضحك وكان قراري بعدم إخفاء ضحكتي صحيحاً، فقد كانت شيئاً يتطلع إليه الناس كل يوم".

2. الابتسامة أحد مفاتيح السعادة

إن الابتسامة تؤثر على الموظف نفسه أكثر من تأثيرها على غيره. ابدأ صباحك بابتسامة حقيقية وسترى كيف سيكون يومك أجمل ووجهك أكثر إشراقاً. مهما اشتدت ظروفك، ومهما صَعُب يومك، عندما ترسم ابتسامة لطيفة على وجهك، ستغمرك السعادة لا إرادياً، فبحسب الدراسات، تحفّز الابتسامة الدماغ على إطلاق هرمونات السعادة ومثبطات الألم مثل الأندروفين والسيروتونين، ما يسهم في تحسين المزاج ويجعلنا نشعر بالارتياح تلقائياً. وهذا ما تؤكده بيتي آن هيغي مستشهدة بأبحاث منصة مايو كلينك الطبية قائلة: "عندما تبدأ بالضحك، لا يخفف ذلك الأعباء الذهنية فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى حدوث تغييرات في جسمك". إذ يعزز الضحك استنشاق الهواء الغني بالأوكسجين الذي يحفز الدورة الدموية ويساعد على استرخاء العضلات، ما يساعد بدوره في تقليل بعض أعراض الإجهاد.

لذا، فإن التبسم دواء طبيعي، ومتاح للجميع! جرّب أن تتبسم ثم تفكر في شيء سلبي أو سيئ دون أن تخفي ابتسامتك، صعب أليس كذلك؟ لذا حتى لو كانت ابتسامتك قسرية، فهي تحرك مشاعرك الإيجابية، لأنها ترسل لعقلك رسالة مفادها: "لا عليك، الحياة جيدة، ابتسم!".

3. الابتسامة علاقة منفعة متبادلة

لا بد للموظف من تقييم نظرته لعملائه ليتفكّر أكثر بطبيعة العلاقة معهم، فهل يراهم عبئاً وعملاً إضافياً عليه أن يقوم به أم يراهم السبب في وظيفته ودخله ومعيشته وحياته المهنية؟ إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية عملية، نرى أنه قائم على علاقة منفعة متبادلة؛ فمن دون عملاء، لن تكون هناك وظائف ورواتب ومكافآت، ومن دون الموظفين لن تتيسر أشغال العملاء، وبالتالي فإن الموظف بحاجة إلى العميل كحاجة العميل له، لهذا فإن تعزيز العلاقة بين الموظف والعميل تصب في مصلحة الجميع، ومن أهم أدوات تعزيزها التبسم الدائم وخلق علاقة وديّة إيجابية تجعل من علاقة العمل شيئاً محبباً لكلا الطرفين.

4. الابتسامة تعزز الأداء 

في مقال منشور في هارفارد، ربط بيتر بريغمان بين عدم الضحك (أو التبسم) وحالة الفوضى التي قد يعيشها الإنسان في عمله، وفسّر ذلك بالعشوائية التي تجتاح البعض جرّاء التشتت بين الكثير من المهام غير المرتبطة معاً في العمل؛ مثل أن تفكر في حل لمشكلة واجهتك مع زميلك وفي الوقت نفسه تردّ على بريدٍ إلكتروني، وهو ما يؤدي إلى حياة مضطربة خالية من التبسّم والنجاح المهني. وفي طريقه إلى الحل، أوصى المؤسسات بابتكار مقياس للضحك والتبسم في العمل، والتعامل معه كالمقاييس الأخرى التي تقيس نجاح جزء معين من العمل، واقترح أن يزيد الموظفون عدد ضحكاتهم يومياً ليس قسراً ولكن بتهيئة الظروف التي تزيد من احتماليتها؛ مثل التركيز على مهمة واحدة (أو عدة مهام يتصل بعضها ببعض) وعدم التشتت في مهام منفصلة، وهو ما يزيد بهجة العمل وسهولته ويعزز الإنتاجية. كشفت الأبحاث أن الموظفين الأكثر تبسّماً يظهرون الثقة أكثر من غيرهم، وبالتالي فهم يتواصلون ويتفاعلون مع الآخرين والزملاء والمدراء بقدر أكبر من السهولة والسلاسة، وهذا يعزز فرصهم في الترقية لمناصب أعلى بسبب علاقاتهم الجيدة.

5. لغة عالمية يفهمها الجميع

لا تحتاج إلى تعلّم التبسم، إنه لغة عالمية يفهمها كل البشر، ويمكن للجميع التفاعل معها. ابتسم لأي شخص وسترى أنه سيبتسم تلقائياً (مع استثناء قلّة من الناس)، وتشير الأبحاث إلى أننا ننجذب بصورة طبيعية إلى الشخص المبتسم، فقد نقاوم خروج دمعة من أعيننا في موقف حزين، ولكن من الصعب أن نقاوم الابتسامة دون أن نردّها.

6. تأثير يفوق حجم الأفراد

بالرجوع إلى قصة الشرطي ورجل الأعمال السويدي، لقد ترك هذا الشرطي انطباعاً أولياً مميزاً حول بلده بابتسامته وتصرفه، لذا يجب عليك أن تعلم أن ابتسامتك تخدم وطنك أيضاً، فلا تستهِن بها مهما كنت وأينما كنت، لأن أثرها عظيم في نفوس الآخرين، وفي نفسك وبلدك ومجتمعك.

نصائح عملية للاستفادة من مزايا التبسم

  • اعتبر الابتسامة جزءاً من طبيعتك وحاول أن تبدأ يومك بالتبسّم.
  • كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه وابتسم لتنشر الإيجابية من حولك. ضع لنفسك هدفاً بأن تبتسم لعدد معين من الأشخاص كل يوم، فإن تبسمك قد يكون مفتاح نجاحك في العمل.
  • احرص على أن تكون مُبتسماً في المواقف جميعها، حتى الصعبة منها، إذ سيساعدك ذلك على التعامل معها بصورة أفضل، وسيُظهر للآخرين أنك شخص إيجابي واثق من نفسه.
  • إذا كنت قائداً، فاستخدم الابتسامة لتحسين بيئة العمل وبناء علاقات قوية مع العملاء والموظفين وتعزيز الثقة، ما يسهّل عملية صنع القرار ويجعل الإنتاجية أكبر.
  • لا بأس في استخدام الفكاهة أحياناً وبعض الضحك الصاخب في العمل، إذ يمكن أن يخفف ذلك من حدة التوتر، ويُحسّن من الحالة المزاجية، ويعزز علاقاتك مع زملاء العمل.
  • انتبه إلى لغة جسدك، وتأكد أنها تُعبّر عن شعورك بالسعادة، فلا يمكن أن تكون الابتسامة حقيقية إذا لم تنبع من داخلك بصدق.
  • خذ بعض الوقت كل يوم للتفكير في الأشياء التي تقدّرها في حياتك، فسيخلق فيك هذا السعادة والامتنان، ما سيجعلك أكثر ميلاً إلى التبسم.
  • تذكّر أن الابتسامة لغة يفهمها الجميع وتسهّل التواصل، وأن ابتسامتك تمثّل بلدك وتسهم في تحسين صورته.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .