ما الدوافع الحقيقية لانتشار عقلية العمل المستقل؟

7 دقيقة
أوبر
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تشهد قوة العمل في اقتصاد العمل المستقل نمواً ملحوظاً، وقد بيّن استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) حول الاقتصاد التشاركي أن 8% من البالغين الأميركيين كانوا في العام الذي سبق الاستطلاع يكسبون المال من منصة توظيف عبر الإنترنت في قطاعات مختلفة، مثل النقل بحسب الطلب وتنفيذ المهام عبر الإنترنت والتنظيف والغسيل. يعمل هؤلاء العاملون المستقلون مدفوعين بعدة عوامل متنوعة، بدءاً من عدم توافر وظائف أخرى مروراً برغبتهم في السيطرة على جداول عملهم وصولاً إلى السعي نحو تعزيز التواصل الاجتماعي. لكن ثمة اختلافات كبيرة بين الذين يظهرون اعتماداً أكبر على العمل المستقل من الناحية المالية (56% من المشاركين في استطلاع الرأي) والعاملين المستقلين "المؤقتين" (42%) الذين قالوا إنهم قادرون على العيش في وضع مريح دون دخل إضافي. وفي حين يمثّل العمل المستقل ضرورة بالنسبة إلى البعض، فهو مصدر رفاهية بالنسبة إلى البعض الآخر.

ظهر هذا الانقسام في الاتجاه جلياً في البحث الذي أجريته، فقد عملت على مدار أكثر من عامين مع زميلي المؤلف المشارك لوك ستارك على بحث وصفي يشمل سائقي شركتي أوبر (Uber) وليفت (Lyft)، إذ درست أولاً كيف تستخدم أوبر آليات مؤتمتة لإدارة السائقين. وبعد ذلك، أجريت مقابلات مع 85 سائقاً يعملون لدى أوبر وليفت في أنحاء الولايات المتحدة وكندا كافة لدراسة التباين في عملهم عبر المناطق المختلفة، فوجدت أيضاً أن القوى العاملة في مجال "النقل بحسب الطلب" تشمل أنواعاً مختلفة من السائقين الذين يعملون في قيادة السيارات لأسباب متنوعة، بدءاً من العاملين بدوام كامل وصولاً إلى العاملين بدوام جزئي و"الهواة"، كما لاحظت تبايناً في الفائدة التي يجنونها من هذا العمل.

ففي الولايات المتحدة، يبلغ عدد السائقين النشطين لدى أوبر 600,000 سائق ولدى ليفت 315,000 سائق، على الرغم من أن الشركتين قد تختلفان في تعريف السائق "النشط"، وأن كثيراً من السائقين يعملون لدى كلتا الشركتين، إضافة إلى أن معدل دوران العمالة لدى الشركتين مرتفع جداً، فقد وجدت الأبحاث أن معظم هؤلاء السائقين يعملون بدوام جزئي. على سبيل المثال، أجرى كبير الخبراء الاقتصاديين في أوبر، جوناثان هول، والخبير الاقتصادي في جامعة برينستون، آلان كروغر تحليلاً وجدا فيه أن 51% من سائقي أوبر يعملون 1-15 ساعة أسبوعياً، وأن 30% يعملون 16-34 ساعة أسبوعياً، في حين يعمل 12% مدة 35-49 ساعة أسبوعياً، ويعمل 7% أكثر من 50 ساعة أسبوعياً. وعلى نحو مماثل، وجد استطلاع للرأي بين المشاركين في مدونة هاري كامبل (Harry Campbell) الذائعة الصيت لسائقي خدمات النقل بحسب الطلب أن سائقي أوبر الذين يعملون 20 ساعة أو أقل أسبوعياً (نحو نصف المشاركين تقريباً) يمثلون نسبة 24% تقريباً من خدمات أوبر وساعات العمل فيها. ووفقاً لشركة ليفت، يعمل 78% من سائقيها مدة تتراوح من ساعة واحدة إلى 15 ساعة أسبوعياً، كما أن 86% منهم موظفون بدوام كامل في مكان آخر أو يسعون إلى الحصول على وظيفة بدوام كامل، وقد وجدت تقارير أخرى أن معظم العاملين المستقلين (في الولايات المتحدة وأوروبا) لا يعتمدون على منصات مثل أوبر مصدراً أساسياً للدخل.

كما لاحظ أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، نوا زاتز، أن "نسبة صغيرة من السائقين مسؤولة عن معظم العمل في أوبر"، وهو ما يخلق توتراً بين الأقلية من السائقين الذين يعملون بدوام كامل والأكثرية من السائقين الذين يعملون بدوام جزئي من أجل الحصول على دخل إضافي أو لأسباب اجتماعية. وبما أن إمدادات سوق العمل من العمالة المستقلة المتاحة متقلبة وتتألف بمعظمها من العاملين بدوام جزئي، فإن الشركات مثل أوبر تتمتع بمرونة أكبر من حيث تعديل الأجور وظروف العمل، لكن عامليها الأكثر إخلاصاً هم الأكثر عرضة للآثار السلبية؛ فتوافر العاملين بدوام جزئي يخفف الضغط على الشركات لخلق فرص أكثر استدامة لكسب الأموال، ويتحمل العاملون اللذين يأملون كسب لقمة عيشهم في مجال النقل بحسب الطلب أكبر قدر من المخاطر.

لكن هذا له كلفته أيضاً؛ فمعدل دوران العمالة مرتفع، وثمة عامل جديد من بين كل 6 عاملين على المنصات عبر الإنترنت في الشهر الواحد، كما أن أكثر من نصف المشاركين استقالوا خلال سنة. وللاستمرار في استقطاب العاملين الجدد، يجب على الشركات مثل أوبر وليفت أن تبذل جهداً أكبر لتشجيع العاملين الحاليين لديها من خلال التعرف على دوافعهم واحتياجاتهم المختلفة وتلبيتها.

ما الذي يحفز السائقين الذين يعملون بدوام جزئي في مجال النقل بحسب الطلب؟

من الوعود التي يقدمها اقتصاد الأعمال المستقلة توفير مستوى أعلى من المرونة في العمل، بحيث يستطيع كل فرد أن يعمل في الأوقات التي تناسبه وبالقدر الذي يريده، لذلك يشرّع معظم السائقين بالعمل لدى شركات سيارات الأجرة للحصول على دخل إضافي خارج إطار عملهم النهاري أو خلال أوقات فراغهم. يُعد السائقون الهواة شريحة جيدة لتمثيل السائقين بدوام جزئي الراغبين في جني دخل إضافي من ضمن القوى العاملة في مجال النقل بحسب الطلب، فهم يضمون في صفوفهم المتقاعدين والمهنيين العاملين، والأشخاص الذين كبر أولادهم وغادروا المنزل، وغالباً ما يكون العامل الاجتماعي دافعهم الرئيسي للعمل. ويشير بحثي إلى أن أكثر ما يستفيدون منه هو نموذج التعاقد المستقل الذي تستخدمه أوبر، إذ يكسبون المزيد من الفرص من العمالة الهامشية، وهم أقل عرضة لممارسات الأعمال السلبية (مثل تخفيض الأجور) التي تدفع السائقين الذين يعتمدون على أوبر مصدر دخل رئيسياً لأسرهم إلى الإضراب والاحتجاج.

خذ مثلاً أحد السائقين الذين قابلتهم، ناثان*، وهو رجل في أواخر الستينيات من عمره مختص معتمد في العلاج النفسي ويعمل في لوس أنجلوس، ففي عطلات نهاية الأسبوع يعمل سائق سيارة أجرة لدى شركة ليفت مدة 6-12 ساعة. على الرغم من أن المال الذي يكسبه يعد عاملاً إيجابياً إضافياً، فالسبب الرئيسي الذي يدفعه إلى العمل لدى شركات سيارات الأجرة يتمثل في العوامل الاجتماعية وإمكانية الهرب من الأعباء العاطفية الناجمة عن التعامل مع المرضى. يكسب ناثان 130 دولاراً في الساعة تقريباً بوصفه معالجاً نفسياً، وكان في البداية يجني 34 دولاراً في الساعة لقاء العمل لدى شركة ليفت مع الحوافز المالية، إلا أن هذا الرقم انخفض خلال الأشهر الأربعة التي كان يعمل فيها إلى 15-20 دولاراً في الساعة. لكنه قال لي: "لو لم يعجبني العمل، لتركته على الأرجح".

في يناير/كانون الثاني من عام 2016، خفضت أوبر أجور سائقيها في أكثر من 100 مدينة في الولايات المتحدة وكندا، وحذت ليفت حذوها في 33 مدينة. قد يكون تقبّل هذه التخفيضات صعباً جداً بالنسبة إلى السائقين الذين يحتاجون إلى المال، وقد دفعت سائقي أوبر إلى الاحتجاج والإضراب ومحاولة تنظيم صفوفهم في نيويورك ودالاس وسياتل وغيرها، وعبّر السائقون عن استيائهم منها في المنتديات على نطاق واسع.

لكن، في حين اكتسب النشاط العمالي المنظم زخماً بفضل سائقي خدمة النقل بحسب الطلب المحبطين، فتجارب الهواة وغيرهم من العاملين بدوام جزئي في صفوف القوى العاملة تمثل مشكلة؛ صحيح أنه لا أحد يحب أن يُخفَّض أجره، لكن سائقي هذه الشريحة لا يكترثون بشروط العمل مثل الذين يكسبون عيشهم بالكامل من العمل لدى شركات سيارات الأجرة. يمثّل الهواة مثل ناثان، الذين يستمرون بالعمل لدى شركات سيارات الأجرة على الرغم من تراجع الأجور، تياراً واضحاً من العاملين الذين تشكّل القيم غير المالية جزءاً من دوافعهم، وعادة ما يكونون في وضع أفضل يسمح لهم باستيعاب تخفيضات الأجور، وقد يسهم هذا في زعزعة استقرار دخل السائقين الذين يكسبون عيشهم بالكامل من هذه المهنة.

ما الذي يحفّز السائقين الذين يعملون بدوام كامل في مجال النقل بحسب الطلب؟

تعمل أقلية من السائقين في مجال النقل بحسب الطلب بدوام كامل، ويمكن أن يعاني السائقون الذين استثمروا فيه الكثير ضغطاً كبيراً جرّاء عدم استقرار عملهم. أجريت مقابلة مع سائق آخر يدعى فرناندو، وهو يعمل لصالح خدمتي أوبر إكس (uberX) وأوبر إكس إل (uberXL) في منطقة بوسطن لإعالة عائلته، وهو ما يُظهر نمطاً شائعاً بين السائقين؛ فقد كانوا متفائلين وراضين بشأن عملهم بادئ الأمر، ولا سيما في المراحل الأولى من نمو الشركة في المدينة، لكن ثقتهم بالشركة بدأت تنعدم مع مرور الوقت. فإضافة إلى تدفق السائقين الجدد إلى السوق التي يعمل فيها، وانخفاض التعويضات (فقد لاحظ على سبيل المثال أن الأجر الصافي لقاء الرحلات إلى المطار قد انخفض)، كان يشعر أيضاً بالاستياء بسبب تغيير أوبر لمعايير أهلية السيارات التي تعمل لديها، ففي 2014 دفع 42,000 دولار ثمناً لسيارة متوافقة مع معايير أوبر (أي صنعت عام 2005 أو بعده)، لكن في فبراير/شباط من عام 2015، بدأت أوبر تسمح بسيارات تعود إلى عام 2001. وسألني قائلاً: "أتعرفين عدد الأشخاص الذين ذهبوا إلى وكالات السيارات لشراء سيارات جديدة؟".

كان راج، وهو شخص آخر تحدثت إليه، سائقاً محترفاً في تورونتو منذ 9 أعوام، وكان في البداية سائق سيارة أجرة، ثم أصبح مالكاً لشركة تأجير سيارات، وهو يعمل اليوم في خدمة أوبر سيليكت (UberSelect). وعلى الرغم من أنه معجب بتكنولوجيا أوبر، فإنه يشعر بأن مصدر رزقه مهدد بسبب تدفق السائقين الذين يُعد عملهم لدى شركات سيارات الأجرة عملاً إضافياً؛ ويقول: "دائماً ما تمثّل المنافسة جانباً إيجابياً للجميع، لكن من ناحية أخرى، يجب أن تكون معقولة، يجب ألا تتسبب بإغراق السوق ببساطة". ومع ظهور أوبر، أصبح قلقاً بشأن استقرار دخله من عمله سائقاً محترفاً، وبدأ يفكر في الانتقال إلى مهنة أخرى. يحتفظ راج بكتب مدرسية أسفل مقعد الراكب الأمامي حتى يتمكن من الدراسة بين الرحلات ليصبح وسيطاً للعقارات.

بالنسبة إلى سائقين آخرين، يمثّل العمل لدى شركات سيارات الأجرة حلاً لنقص فرص العمل، خصوصاً بالنسبة إلى مَن لديهم سجل جنائي، أو ذوي التعليم المحدود. على سبيل المثال، يعمل كودي، وهو في منتصف العشرينيات من العمر، سائقاً لدى ليفت في مدينتي آن أربور وديترويت في منطقة ميشيغان، وقال لي إنه حاصل على الشهادة الثانوية فقط، ما جعله غير مؤهل للحصول على وظائف جيدة: "ليس هناك الكثير من الوظائف، إلا إذا كنت تتطلع إلى العمل في مصنع ما مدة 80 ساعة في الأسبوع". وفقاً لاستطلاع الرأي الذي أجراه مركز بيو، قال واحد من كل 5 مشاركين إنه استخدم هذه المنصات الرقمية بسبب قلة فرص العمل المتاحة في منطقته.

في المحصلة، إن تأثيرات اقتصاد الأعمال المستقلة على القوى العاملة متباينة، ويبدو أن العاملين بهدف جني دخل إضافي والعاملين الذين لا يجدون فرص عمل أخرى هم المستفيدون من هذه المنصات، في حين يواجه العاملون بدوام كامل أكبر المخاطر. وما زالت أوبر وليفت تواجهان تحديات قانونية في الولايات المتحدة بسبب تصنيف سائقيها من ضمن فئة المتعاقدين المستقلين، بدلاً من تصنيفهم من ضمن فئة الموظفين الذين يمكنهم الحصول على المزايا (في المملكة المتحدة، قضت محكمة التوظيف مؤخراً بأن اثنين من سائقي أوبر يجب أن يحصلا على استحقاقات الموظفين، مثل الأجر الوطني الذي يلبّي الحد الأدنى للمعيشة. وتخطط أوبر للطعن في هذا الحكم).

بالنسبة إلى الشركات التي تسعى إلى محاكاة نجاح أوبر، من المهم استيعاب الفكرة التي تقول إن التخفيض الحاد للأجور ليس استراتيجية ناجعة على المدى الطويل، فمن الممكن أن يتوقف تدفق العاملين بدوام جزئي في أي لحظة. وقد بدأ العديد من السائقين، سواء من العاملين بدوام كامل أو بدوام جزئي، يتبعون استراتيجيات تهدف إلى زيادة دخلهم إلى أكبر قدر ممكن، وذلك بالانتقال بين منصات متعددة تقدم حوافز أو علاوات مختلفة. يمكن أن تستفيد أوبر وليفت وغيرها من الشركات التي تعتمد على التطبيقات من الاحتفاظ بالمستخدمين المخلصين، أو "السائقين الأشاوس"، الذين يبدون استعداداً للعمل في الظروف الصعبة أكثر من العاملين لأهداف اجتماعية أو للحصول على دخل إضافي. ولهذا، يجب أن تسعى المنصات إلى فهم القوى العاملة المتنوعة لديها، وتقديم وعود توظيف متميزة تلبي الدوافع والاحتياجات المختلفة لدى هؤلاء العاملين.

*غُيِّرَت الأسماء للحفاظ على سرية هوية السائق.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .