من المتوقع أن تنفق الشركات الأميركية أكثر من 37 مليار دولار على الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي سنوياً بحلول العام 2020، وهو ما يمثل نسبة 24% من إجمالي الإنفاق في الاقتصاد على الإعلان الرقمي. يُعد ذلك الرقم مذهلاً نظراً لأنّ الغالبية العظمى من مدراء مواقع التواصل الاجتماعي، المسؤولين عن جذب العملاء للنقر على المنشورات وزيارة مواقعها على شبكة الإنترنت، يتبعون القليل مما نسميه استراتيجية "قدّم ما لديك وتوكل"، وهو النهج الذي يملأ مواقع التواصل الاجتماعي بمحتوى تنشئه الشركات على أمل أن يجذب أحد منشوراتها العملاء المستهدفين. 

لكن هناك طريقة أفضل، حيث يشير بحثنا حول إيقاعات الساعة  البيولوجية للبشر إلى أنّ منصات المحتوى مثل سي إن إن، وإي إس بي إن، وناشيونال جيوغرافيك، وغيرها يمكن أن تحسّن مكاسبها الربحية بنسبة لا تقل عن 8% من خلال نشر المحتوى حسب الاستجابات البيولوجية لدورات نوم جمهورها واستيقاظهم واستهداف تصنيفات المحتوى في الأوقات التي يكون تقبل  الجمهور لها في ذروته بصورة طبيعية.

ظاهرياً، لا يبدو هذا النهج صعباً، إلا أن مدراء مواقع التواصل الاجتماعي يواجهون احتمالات لا حصر لها فيما يتعلق بنشر المحتوى. على سبيل المثال، يمكن لمدير أحد مواقع التواصل الاجتماعي المكلف بنشر 10 قصص في اليوم بميزانية لترويج أربع من هذه القصص وتعزيزها فقط أن يحدد مواعيد متتالية لمنشورات مواقع التواصل الاجتماعي بأكثر من 7 ترليون طريقة. لكن من خلال استبدال القواعد الأساسية والشعور الغريزي بالعلم الدقيق المتجذر في البيولوجيا، نعتقد أنّ جدولة المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي لن تكون أكثر فاعلية من حيث التكلفة فحسب، بل ستلعب دوراً قوياً في ربحية منصات إدارة المحتوى.

وضع استراتيجية مخصصة للاختبار

أجرينا مقابلات مع مدراء مواقع التواصل الاجتماعي الذين يعملون على العديد من منصات إدارة المحتوى الكبرى حول كيفية اتخاذ القرار بشأن ما سيتم نشره وموعده. وكانت إجابة الأغلبية الساحقة من أولئك المدراء أنهم اتخذوا قرارات باستخدام القواعد الأساسية. على سبيل المثال، ينشرون المحتوى ما بين الساعة السابعة والتاسعة صباحاً بتباعد زمني يُقدر بـ 30 دقيقة على الأقل ويركزون عموماً خلال هذه المدة الزمنية على الأخبار المحلية والرياضية ولكنهم لا يعطون اهتماماً بما إذا كانت تلك المنشورات تجعل القراء غاضبين أو سعداء أو متفاجئين.

وأيضاً، كان للمدراء عموماً ميزانية لـ "ترويج" المنشورات، أي أنهم كانوا قادرين على الدفع لمنصات مواقع التواصل الاجتماعي للإعلان عن منشورات محددة لشرائح أوسع من الجمهور استناداً إلى المعلومات الديموغرافية والاهتمامات والمواقع الجغرافية، ما قد يؤدي إلى زيادة معدل النقر على روابط تلك المنشورات. وقد أنفق معظم المدراء الذين تحدثنا معهم مبالغ كبيرة من الميزانية المخصصة على ترويج الأخبار المحلية والرياضية والتي اعتقدوا أنها تنسجم مع تفضيلات جمهورهم. وبغض النظر عما إذا تم ترويج المنشور أم لا، فإنّ مدراء مواقع التواصل الاجتماعي كان لديهم هدف محدد، وهو جذب نسبة من الزوار المهتمين للنقر على المنشور والدخول إلى مواقعهم على شبكة الإنترنت. ونظراً لأنّ المعلنين البارزين على مواقع منصات إدارة المحتوى مستعدون للدفع مقابل مرات ظهور المحتوى بشكل فريد، فإنّ مرات الظهور الموجهة من خلال النقر فوق روابط الشبكات الاجتماعية تحقق إيرادات كبيرة من الإعلانات الرقمية لمنصة إدارة المحتوى.

عندما نظرنا في عدد النقرات على روابط 5,706 منشور من منشورات صفحة الفيسبوك لإحدى الصحف الأميركية الكبرى، وجدنا أنّ المنشورات الصباحية جذبت معدلات نقر أعلى مقارنة بالمنشورات في أوقات أخرى من اليوم، ما أكد صحة توقعات مدراء مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى وجه التحديد، اجتذب المحتوى المنشور خلال فترة الصباح نسبة أعلى من عدد النقرات على الرابط قدرت بـ 8.8% مقارنة بالمحتوى المنشور خلال فترة ما بعد الظهر، ونسبة 11.1% أعلى من المحتوى الذي نشر في المساء. إلا أنّ النهج المخصص للمدراء في "ترويج المنشورات" لم يحقق الكثير من الإيرادات، ولم تثبت صحة افتراضاتهم حول وقت نشر تصنيفات معينة من المحتوى.

ومن المثير للدهشة، أننا رأينا المنشورات المروجة في مجموعة البيانات هذه قد حققت 60,921 دولاراً أكثر في الإيرادات في فترة ما بعد الظهر مما كانت عليه في الصباح، وفي حين كانت الأخبار المحلية والرياضية شعبية أكثر، حققت قصص الترفيه والقصص المتعلقة بأسلوب الحياة عدداً أكبر من النقرات على الروابط. وأكثر ما أثار دهشة المدراء الذين قابلناهم هو استنتاجنا أنّ محتوى مواقع التواصل الاجتماعي الذي جعل القراء يشعرون بالغضب أو القلق أدى إلى المزيد من النقرات على الروابط خلال فترة الصباح مقارنة بنشر المحتوى الذي أثار المشاعر نفسها في فترة ما بعد الظهر أو في المساء. باختصار، كل شيء مشروط، أي أنّ نشر محتوى يميل إلى السلبية في الصباح، وترويج المنشورات في فترة ما بعد الظهر، أدى إلى ارتفاع في معدلات النقر الإجمالي وعائدات أفضل مما حققه مدراء مواقع التواصل الاجتماعي عادة من خلال نهج "قدّم ما لديك وتوكل".

العلم الذي يكمن وراء وضع استراتيجية ناجحة

يمكننا توضيح لماذا تكون المنشورات الصباحية السلبية، والمنشورات المروجة فترة ما بعد الظهر الم، أكثر ربحية لمنصات إدارة المحتوى من خلال النظر في الذاكرة العاملة لدى البشر والمسؤولة عن التخزين المؤقت والتأثير بالمعلومات اللازمة لمهماتنا اليومية. تُظهر الذاكرة العاملة لدى البشر التباين الكامن خلال مختلف الأوقات من اليوم، ويكون أداؤها في أعلى المستويات عندما نستيقظ في الصباح، وفي أدنى المستويات خلال منتصف بعد الظهر، ومعتدلة في المساء. والاستعداد الأعلى للذاكرة العاملة تجعل الأفراد متيقظين ويشعرون بالحاجة إلى البحث عن المعلومات. وهذا يعني أنّ رغبة العملاء في التفاعل مع المحتوى من المحتمل أن تكون أعلى في الصباح وأدنى خلال فترة ما بعد الظهر ومعتدلة في المساء. 

والأهم من ذلك، عندما تكون الذاكرة العاملة دون الموارد، يعطي الدماغ الأولوية للمعلومات التفضيلية من أجل الحفاظ على كفاءته. فعندما يتعرض العملاء للمحتوى المروج، الذي يشترطه النظام ليبدو مختلفاً عن المحتوى غير المروج، على مواقع التواصل الاجتماعي فإنّ الذاكرة العاملة تلتقط إشارة خارجية بأنّ هذه المعلومات مهمة. وبالتالي، يكون المحتوى المروج أكثر فاعلية في فترة ما بعد الظهر (أي عندما يكون أداء ذاكرتنا العاملة منخفضاً) وأقل فاعلية في الصباح (أي عندما يكون أداء ذاكرتنا العاملة مرتفعاً). ويتفاوت مدى تقبل العملاء للمحتوى الذي يثير معالجة معرفية عميقة وفقاً لاستعداد الذاكرة العاملة أيضاً. ففي بحثنا، رأينا أنّ المقالات التي تتطلب تفاعلاً أعمق مع الأفكار – مثل مقالات الرأي والمقالات المستندة إلى العلم – كان يتم النقر عليها بتواتر أكبر في الأوقات التي يكون أداء الذاكرة العاملة خلالها مرتفعاً.

عندما تصبح الذاكرة العاملة دون موارد في فترة ما بعد الظهر، فإنها تنشط آلية طبيعية تمنع أي معلومات قد تخلق استجابات عاطفية من شأنها أن تعيق عمل الذاكرة العاملة. وهذا يقلل من التشتت نحو المهمات الرئيسة ويزيد في المقابل الاهتمام بتلك المهمات المعرفية، ما يؤدي في النهاية إلى تفاعل أعلى مع المنشورات التي تنطوي على معالجة إدراكية فائقة.

استخدام البيولوجيا لتحقيق المكاسب

من خلال معرفتنا بكيفية عمل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي بحسب الوقت ونوع المحتوى وترويجهه، أنشأنا أداة إرشادية لدعم اتخاذ القرار من أجل مساعدة مدراء مواقع التواصل الاجتماعي على تحديد الأوقات لاختيار كل منشور، وأي منها يجب ترويجه، وعدد تلك المنشورات التي يمكن ترويجها خلال اليوم بميزانية محددة. واستندنا أيضاً إلى نتيجتين مهمتين لبحثنا، أولاً، المدة الزمنية الأكثر فاعلية للنشر، ضمن بياناتنا، تقع في نطاق الـ 30 و90 دقيقة. ثانياً، كل دولار تم إنفاقه على ترويج المنشورات قد زاد من عدد النقرات على الرابط، إلا أنّ زيادة الإنفاق قد قلصت العائدات. ثم عملنا على ضبط دالات النموذج باستخدام منشورات الفيسبوك التابعة لصحيفة أميركية كبرى على مدار 355 يوماً، واستخدمنا دالات النموذج تلك ضمن أداة دعم اتخاذ القرار لدينا للتنبؤ بالجداول الزمنية المناسبة لتعظيم الأرباح في الأيام العشرة القادمة، وثبّتنا الميزانية المخصصة لترويج المنشورات التي خصصتها الصحيفة لتلك الأيام العشرة. عندما قارنا الربح الإجمالي المتوقع الناتج عن الجدول الزمني المقترح مع الربح الإجمالي الفعلي الذي حققته الشركة في تلك المدة الزمنية، وجدنا أنّ الجدول الزمني المقترح قد أدى، في المتوسط، إلى زيادة في إجمالي الأرباح بنسبة 8%.

وفي حين أنّ الأداة قد اتخذت قرارات مربحة، فإنّ العديد من الدروس التي استخلصناها يمكن تنفيذها بسرعة وباستقلالية من قبل أي شركة، على سبيل المثال:

  • كل شيء مشروط، إذ ينتج عن نشر المحتوى خلال فترة الصباح زيادة في التفاعل.
  • يُعتبر ترويج المنشورات أكثر فاعلية عندما يكون أداء الذاكرة العاملة لدى اﻟﺠﻤﻬر اﻟﻤﺴﺘﻬف منخفضاً. 
  • بافتراض أنّ يوم غالبية الجمهور يبدأ في الصباح، فمن الأفضل نشر المحتوى الذي ينقل عاطفة متأججة (مثل الغضب أو القلق) خلال فترة الصباح، والمحتوى الذي ينطوي على "التفكير العميق" خلال فترة ما بعد الظهر.
  • لا تحتاج الشركة إلى تخصيص ميزانية إضافية من أجل زيادة إجمالي الأرباح، بل إنّ إعادة ترتيب المنشورات ببساطة لتتوافق مع تفضيلات المحتوى للجمهور المستهدف يمكن أن يؤدي الغرض المطلوب.
  • رفع ميزانية ترويج المنشورات لا يزيد بالضرورة من إجمالي الأرباح. فهناك نقطة حرجة يؤدي الإنفاق الإضافي بعدها إلى زيادات هامشية فقط في تلك الأرباح.

في هذا المجال المتنامي والمربح لجدولة محتوى مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن أن تحل الإرشادات المذكورة أعلاه محل نهج "قدّم ما لديك وتوكل". في عام 2017 فقط، قضى المستخدمون في جميع أنحاء العالم حوالي 5.53 مليار ساعة في اليوم على تصفح محتوى مواقع التواصل الاجتماعي، بزيادة بلغت 264% عن السنوات الخمس الماضية. فمن خلال وضع استراتيجية حقيقية، مبنية على أساس فهم "سبب" تفاعل العملاء مع محتوى المواقع الاجتماعية للشركة، يكون لدى منصات إدارة المحتوى فرصة لجذب المزيد من الاهتمام القيّم والقدرة على الاستثمار في محتواها الرقمي.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!